مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور بول كندي أستاذ التاريخ البريطاني في جامعة «ييل» بالولايات المتحدة الأميركية. وعلى عكس ما يوحي به اسمه فهو ليس أميركياً وإنما انجليزياً. فقد ولد في شمال شرق انجلترا وتخرج من جامعة أوكسفورد.

وكان أستاذاً في الجامعات الانجليزية حتى عام 1983 قبل أن يهاجر إلى أميركا ويصبح أحد كبار الاستراتيجيين هناك. وهو عضو الجمعية التاريخية الملكية البريطانية ومدير دراسات الأمن الدولية في أميركا. ومن أشهر كتبه: صعود الإمبراطوريات وسقوطها. وقد أصبح مرجعاً لكل الباحثين.

وفيه يدرس كيفية صعود إمبراطورية ما حتى تصل إلى القمة ثم تبدأ الانحدار والسقوط بعدئذ. وبالتالي فما حصل للإمبراطورية البريطانية سوف يحصل للإمبراطورية الأميركية لاحقاً. وكتابه الجديد عن الأمم المتحدة يوسع الإشكالية.

والكتاب مؤلف من مقدمة عامة وثلاثة أجزاء متتالية. الجزء الأول يتحدث عن نشأة الأمم المتحدة وبداياتها منذ عام 1815 وحتى عام 1945. فالواقع أن التفكير فيها لم يبتدئ فقط بعد الحرب العالمية الثانية وإنما قبل ذلك بوقت طويل. صحيح أنها أسست عام 1945 ولكن نواتها أو بذورها كانت موجودة لدى كبار الفلاسفة والسياسيين منذ انتهاء معركة واترلو بين نابليون والانجليز.

منذ ذلك الوقت والعالم يبحث عن طريقة لتحاشي الحروب وسفك الدماء. منذ زمن بعيد والفلاسفة يفكرون في كيفية تنظيم العالم بطريقة تسمح بحل صراعاته سلمياً لا عسكرياً، حضارياً لا همجياً.

ومعلوم أن الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط كان مشغولاً جداً بهذه المسألة. وقد كرس لها كتاباً كاملاً تحت عنوان: من أجل السلام الدائم بين الأمم. والغريب العجيب هو أنه تنبأ بتأسيس الأمم المتحدة قبل حصول هذا التأسيس بقرن ونصف على الأقل.

وهنا تكمن عظمة الفلاسفة والمفكرين الكبار. إنهم يرون إلى البعيد أو بعيد البعيد على عكس الناس العاديين. وأما الجزء الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة تركيبة الأمم المتحدة والتطورات التي طرأت عليها منذ عام 1945 وحتى اليوم. وهنا يدخل المؤلف في التفاصيل ويلقي نظرة شاملة على مجلس الأمن وقراراته وإنجازاته وإخفاقاته.

كما ويتحدث عن الدور الذي لعبته الأمم المتحدة في أوقات الحرب وأوقات السلم وكيف أنها حاولت أن تطفئ نيران الصراعات الدولية الناشبة هنا أو هناك دون أن تنجح في ذلك أحياناً. ثم يتحدث المؤلف في الفصل الثالث من الجزء الثاني من كتابه عن الدور الذي لعبته الأمم المتحدة في تقليص الهوة بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة. وهنا نلاحظ أيضاً أن النتائج لم تكن على مستوى الآمال على الرغم من بعض الإنجازات في محاربة الفقر المدقع والجوع.

وفي الفصل الرابع من هذا الجزء يتحدث المؤلف عن الوجه الناعم أو الأنعم للأمم المتحدة قياساً بالوجه الخشن للولايات المتحدة وبخاصة في ظل بوش. وأما في الفصل الخامس فيتحدث عن الدور الذي لعبته الأمم المتحدة في نشر حقوق الإنسان والدفاع عنها في شتى أنحاء العالم.

أما الفصل السادس والأخير من هذا الجزء الثاني فيخصصه المؤلف لدراسة دور الشعوب وليس فقط الحكومات في الدفاع عن الديمقراطية والحرية والسلام وحقوق الإنسان في العالم. فالمنظمات غير الحكومية ينبغي أن تلعب دورها أيضاً وليس فقط الأمم المتحدة أو الدول الأعضاء.

وأما في الجزء الثالث والأخير من الكتاب فيتحدث المؤلف عن حاضر الأمم المتحدة ومستقبلها. وهنا يحاول استكشاف آفاق القرن الواحد والعشرين وما يخبئه لنا من وعد ووعيد، من آمال ومخاوف، من أفراح وأتراح... هذه هي الهيكلية العامة للكتاب والآن لندخل في التفاصيل أكثر. منذ البداية يقول المؤلف بما معناه:

لقد تأسست منظمة الأمم المتحدة بتاريخ 26 يونيو 1945 في مدينة سان فرانسيسكو بأميركا من أجل حل مشكلات العالم. وقد حلت محل عصبة الأمم التي كانت سائدة بين الحربين العالميتين والتي تشكلت أيضاً بإيعاز من الأميركان وبالأخص من الرئيس الكبير ودرو ويلسون الذي كان من أتباع الفيلسوف كانط ومحباً للعدالة والسلام وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

والأمم المتحدة لا تمتلك جيشاً خاصاً بها. ولكنها تستطيع أن تطلب من الدول الأعضاء إرسال بعض قواتها لحفظ السلام في هذه المنطقة الساخنة أو تلك من مناطق العالم. وينص ميثاق الأمم المتحدة على المبادئ التالية: ضرورة الحفاظ على السلام والأمن في العالم، وتطوير علاقات الصداقة بين الأمم المختلفة، وتحقيق التعاون الدولي لما فيه مصلحة البشرية، وأن تكون الأمم المتحدة مركز العالم من أجل تنسيق جهود مختلف الأمم لتحقيق الأهداف المشتركة، وأن تحافظ على الحدود بين الدول والأمم.

هذه هي أهداف الأمم المتحدة ولتحقيق هذه الغايات أنشئت. وقد نجحت كما قلنا في حل بعض الصراعات وفشلت في حل بعضها الآخر. وأكبر مثل على ذلك فشلها في حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي المستمر منذ خمسين سنة على الأقل. وسبب فشلها يعود إلى هيمنة بعض القوى العظمى عليها وبخاصة الولايات المتحدة. ولكنها نجحت في حل صراعات أخرى عديدة. وبالتالي فليس كل ما فعلته خطأً أو فاشلاً على عكس ما يشيعه خصومها.

ويرى المؤلف أن الدول العظمى مسؤولة عن فشل الأمم المتحدة بقدر ما هي مسؤولة عن نجاحها. فيما أنها هي الأقوى في العالم فإنه يتوقف على إرادتها مدى قوة المنظمة الدولية أو ضعفها. نضرب كمثل على ذلك ما حصل أثناء الحرب الباردة.

فقبل عام 1950 كان الاتحاد السوفييتي يتبع سياسة المقعد الفارغ: بمعنى أنه كان يرفض أن يحتل مقعده الدائم في مجلس الأمن ما دام الغرب يعطي لتايوان الصغيرة حق الفيتو واحتلال المقعد الدائم بدلاً من الصين الشيوعية التي تعد أكثر من مليار شخص. ولكن بعد حرب كوريا تأكد الاتحاد السوفييتي أن من مصلحته حضور جلسات مجلس الأمن. ومنذ ذلك التاريخ ما انفك يشغل مقعده بكل حماسة وانتظام.

ولكن يبقى صحيحاً القول ان الأمم المتحدة ظلت مشلولة لفترة طويلة إبان الحرب الباردة. والسبب هو أن القوتين الأعظم استخدمتا حق الفيتو بكثرة هائلة لمعارضة بعضهما البعض. لقد استخدم هذا الحق 242 مرة خلال خمسة وأربعين عاماً. وهذا ما أدى إلى شلل المنظمة الدولية الكبرى وعدم قدرتها على القيام بواجبها.

ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة عادت الأمم المتحدة إلى نشاطها وسابق عهدها. ولعبت دوراً كبيراً على المسرح الدولي في فض النزاعات والاشتباكات. وكان ذلك بفضل قواتها التي تدعى بالقبعات الزرقاء. ولكن الأعضاء الآخرين ابتدأوا يشكون من هيمنة قوة عظمى واحدة على المنظمة الدولية. بل ويرى بعض الخبراء أن إدارة بوش وجهت ضربة موجعة للأمم المتحدة عندما تجاوزتها وقررت خوض حرب العراق دون إذنها.

ولهذا السبب يرى الكثيرون أن على القوى الكبرى أن تحترم الأمم المتحدة في المستقبل لكي تستطيع أن تستعيد دورها كاملاً على المسرح العالمي. وبالطبع فإن المؤلف يؤيد توسيع مجلس الأمن لكي يصبح أكثر تمثيلية لمختلف مناطق العالم وللقوى الكبرى أيضاً.

فلا يعقل أن تكون فرنسا أو انجلترا عضواً فيه ولا تكون ألمانيا التي هي أهم وأكبر منها. ولا يعقل أن تظل اليابان، ثاني دولة اقتصادية وتكنولوجية في العالم بعد أميركا، خارج عضوية مجلس الأمن.

ويمكن أن نقول الشيء ذاته على الهند التي تعد أكثر من مليار شخص، بل وحتى البرازيل التي تعد نصف مليار شخص.

ثم يضيف المؤلف قائلاً بما معناه: مهما يكن من أمر فإن مستقبل الأمم المتحدة يتوقف على الإصلاحات العميقة التي ينبغي إجراؤها عليها. فلم تعد قادرة على الاستمرارية بصيغتها السابقة التي تعود إلى زمن الحرب الباردة. فأوضاع العالم تغيرت وانقلبت رأساً على عقب وما على الأمم المتحدة إلا أن تتغير وتتجدد معها.

وينبغي على الدول الكبرى والغنية أن تدفع اشتراكاتها المالية لهذه المنظمة العريقة لكي تستطيع أن تؤدي واجبها على أفضل وجه. فهناك دول غنية كأميركا ذاتها كانت تتقاعس ولا تدفع ما يتوجب عليها من اشتراكات. وقس على ذلك.

والواقع أن الأمين العام السابق كوفي عنان اقترح عدة أفكار مهمة لإصلاح الأمم المتحدة. ولكن ممثل أميركا جون بولتون وقف ضدها وأفشل المحاولة. ولذلك اشتكى كوفي عنان منه أو من بلاده قبل أن يغادر منصبه. ومعلوم أن جون بولتون ينتمي إلى أكثر التيارات رجعية وعنصرية في الإدارة الأميركية. ولذلك عزلوه مؤخراً.

*الكتاب: برلمان البشرية

ماضي وحاضر ومستقبل الأمم المتحدة

*الناشر: فانتيج بوكس ـ نيويورك 2007

*الصفحات :384 صفحة من القطع الكبير

The parliament of man : the past, present, and future of the United Nations

Paul Kennedy

Vintage Books- New York 2007

P. 384