أمضى آلان غرينسبان، مؤلف هذا الكتاب، قرابة عشرين عاما ما بين عام 1987 وعام 2006 رئيسا للبنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي. وهذه المؤسسة المصرفية مسؤولة عن منظومات المدفوعات الالكترونية التي يتم بواسطتها يوميا دفع ما تزيد قيمته عن أربعة آلاف مليار دولار يوميا كأموال أو سندات في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.

كما تشرف هذه المؤسسة «الفدرالية» على 12 بنكا على الأرض الأمريكية مهمتها تنظيم آلية عمل المصارف ومنحها القروض. باختصار كان آلان غرينسبان رئيسا ل«أفضل مرصد على خفايا الاقتصاد الأميركي» بسبب سعة المعلومات التي يحصل عليها على كل صغيرة وكبيرة في دهاليز النشاطات الاقتصادية الأميركية.

آلان غرينسبان من مواليد عام 1926، وهو من أب روماني وأم هنغارية (مجرية)، وكان ابنا وحيد أسرته اليهودية وقد قامت والدته بتربيته بعد طلاقها من والده الذي كان يعمل موظفا في «وول ستريت» أحد أهم المراكز المالية في العالم. بدأ حياته لاعبا «فاشلا» بالرياضة المفضّلة للأميركيين، أي «البيسبول»ثم تحوّل نحو الموسيقى كعازف «أقل فشلا» على «الكلارينيت» حيث كان يقوم بمهمة ملء «بيانات الضرائب « لزملائه الموسيقيين«.

وعندما لم يكن بصدد عزف الموسيقى كان يذهب إلى مكتبة نيويورك لقراءة مذكرات أحد «مضاربي البورصة» قبل الأزمة المالية الشهيرة لعام 1929 أو كتب علماء الاقتصاد الرأسمالي الكبار من أمثال آدم سميث وجوزيف شومبيتر وغيرهما. درس الرياضيات والاقتصاد في جامعة نيويورك وانتهى به مساره المهني إلى تسلّم رئاسة أهم مؤسسة مالية في أمريكا، بل في العالم.

هذه المعلومات كلها تجد مكانها في كتاب «عصر الزوابع»، والذي ليس سوى «مذكرات» آلان غرينسبان وحصيلة تجربته على رأس المؤسسة الفدرالية المالية الأمريكية لمدة عقدين من الزمن. الملاحظة الأولى على هذه «المذكرات» أي «ارتجفت الأسواق» أمام كاتبها أنه قد تحرر من مستلزمات و«واجبات» وظيفته كي يكتب بحرية كاملة.

ويقدّم تحليلاته عن الآليات الاقتصادية والمالية وعمل المؤسسات المختصّة في هذا القطاع بعيدا عن «اللغة الخشبية» والاعتبارات الوظيفية، باختصار بعيدا عن «الرقابة الذاتية» ليكتب بلغة حيّة عن أشياء عاشها وأناس قابلهم ومواقف لا تخلو من «الغرابة» أو «الطرافة» لرجل في ذلك الموقع الذي كان فيه.

إنه يكتب بوضوح وب«دون أسرار» رغم أنه صاحب جملة شهيرة كان يكررها دائما ومفادها: «إذا فهمتم ما أريد قوله، فهذا يعني أنني قد عبّرت عن ذلك بشيء سيئ». إن «ثقافة السر» هذه، يؤكد اليوم أنه قد تخلّى عنها في «زمن الزوابع»، ذلك أن هذا الرجل الذي كانت كلمة واحدة منه تكفي لجعل الأسواق المالية في أمريكا والعالم كله «ترتجف» لا يخفي فرحته ب«القدرة أخيرا على إسماع صوته بعد سنوات من استخدام لغة خاضعة لمعايير محددة.

وبعد أن يعيد المؤلف من الصفحات الأولى قارئه إلى ذلك اليوم من صباح 11 سبتمبر 2001 حيث شاهد «من الجو» برجي التجارة الدولية في نيويورك يتصاعد منهما عمودين هائلين من الدخان. يتحدث بعدها على مدى صفحات عديدة عن طفولته وعن سنوات دراساته الجامعية في نيويورك، لاسيما اهتمامه الكبير ب«النظرية العامة» للاقتصادي الكبير «كنزي».

ثم الانتقال إلى البحوث المتخصصة ب«أسعار الفائدة» أسواق المال. بل ويتعرّف القارئ مرورا على كيفية، «استيلائه» كما يقول، على زوجته «اندريا ميتشل» الصحفية في قناة «ان بي سي» التلفزيونية وكيف التقيا للمرة الأولى حول طاولة نقاش عن «الاحتكارات». وفي نهاية النقاش دعاها للمجيء معه إلى منزله حيث أطلعها على الدراسة التي كان بصدد كتابها حول ذلك الموضوع.

ولعل الأمر «المفاجئ» في هذا الكتاب لهذا الاقتصادي الكبير الذي يقدم نفسه على أنه «جمهوري متحيز» هو مديحه، من جهة للرئيس الأمريكي بيل كلنتون والقول أن فترة حكمه قد شهدت الكثير من النقاط الإيجابية، ومن جهة أخرى توجيهه انتقادات شديدة لإدارة جورج دبليو بوش لاسيما فيما يتعلق بسياستها حيال العراق.

ولا يتردد في القول أن الرئيس الأمريكي الحالي وإدارته «يستحقان تماما الفشل» الذي عرفاه. ولا شك أن مثل هذه الصراحة في الحديث لم يعرفها أبدا «آلان غرينسبان» عندما كان على رأس وظيفته «الحساسة». بل ولم يتردد في التصريح أن السبب الرئيسي للحرب الأمريكية الأخيرة في العراق هو البترول.

نقرأ: «يحزنني أن ما سأعترف به هو غير ملائم سياسيا مع خطّي وإنما ما يعرفه العالم كله وهو أن حرب العراق تعود أسبابها في جزء كبير منها للبترول»، حسب قوله. وبشكل إجمالي، حول هذا الموضوع، تقول التحليلات المقدّمة أن أحد الأهداف الرئيسية لتلك الحرب هو تثبيت وتعزيز الوجود الأمريكي في منطقة غنية بمصادر الطاقة.

كذلك يتعرض المؤلف بالتحليل لمحصلة عمل إدارة بوش على الصعيد الاقتصادي والمالي. ولا يتردد في القول أن القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجمهورية الحالية «كانت خطأ كبيرا». وهو ينتقد بشكل خاص «العجوز الكبيرة في الميزانية» الناتجة عن خفض الضرائب وعن النفقات المكرّسة لميداني الجيش والصحة.

وتتم الإشارة في هذا السياق أيضا إلى أن إدارة بوش الحالية تمتعت ب«عدة أوراق رابحة» ليس أقلّها «الفائض الكبير» في الميزانية الموروث من إدارة بيل كلينتون، وأيضا امتلكت العديد في الشخصيات الهامة. ولكن يبدو أن هذه الإدارة قد نسيت، حسب رأيه، تطبيق برنامجها في تقليص حجم الحكومة وتشجيع المنافسة وتقليص الضرائب والنفقات العامة، واختارت «تعزيز سلطتها».

وفي النهاية «خسرت كل شيء». ومن هنا يجد المؤلف تبرير هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس لعام 2006. ولا بد لمؤلف كان في موقع آلان غرينسبان من الحديث طويلا عن مسائل الاقتصاد والمال في أمريكا وفي العالم كله. إنه يؤكد بأن العالم اليوم يعيش «أزمنة أكثر صعوبة» إنها أزمنة «الإنذار بالزوابع» على الصعيدين المالي والاقتصادي. ذلك بسبب المخاطر الحقيقية من «انبثاق التضخم من جديد».

ومن هنا يرى أن تخفيض «أجرة المال» هي اليوم مسألة أكثر دقة اليوم مما كان عليه الأمر عام 2001. ويشير المؤلف إلى ظاهرة اقتصادية قد يكون لها آثارها الكبيرة على الصعيد الاجتماعي في الولايات المتحدة وغيرها. وتتمثل في القول أن «حصة الأجور والمرتبات» هي منخفضة تاريخيا على عكس المردودية الإنتاجية التي تتحسّن باستمرار وحتى لو أن نموّها، حسب توقعات المؤلف، سوف يتباطأ كثيرا خلال السنوات القادمة.

النتيجة التي سوف تترتب على هذا التباين بين أجور ترتفع بنسب ضعيفة جدا وأرباح تتضاعف بالنسبة للشركات والمؤسسات الاقتصادية والمالية سوف يؤدي، أي التباين، إلى تزايد مشاعر الحقد ضد الرأسمالية وضد السوق.

ويطرح المؤلف نفسه في هذا السياق السؤال التالي: «لماذا نجد أن الرأسمالية التي شكّلت في الواقع نجاحا مشهودا ليست مقبولة في العمق من قبل أغلبية البشر»؟ ويجيب: «ذلك أن الرأي العام السائد حيالها يقول أن قوانينها ظالمة».

*الكتاب:عصر الزوابع

*الناشر: بنغوان ـ لندن، نيويورك2007

*الصفحات :544 صفحة من القطع المتوسط

The age of turbulence

Alan Greenspan

Penguin Press - London ,New York 2007

P.544