تستهل رواية الكاتب البيروفي الكبير ماريو فارغاس لوسا «الفتاة الشقية» أحداثها في صيف عام 1950، حيث يلتقي الفتى المراهق ريكاردو سليم سوموكورشيو في حي ميرافلوريس بمدينة ليما بليلى، الحسناء الفاتنة ذات الأربعة عشر ربيعاً، والتي تتنكر مع أختها الأصغر منها، لوسي، باعتبارهما فتاتين من تشيلي تتمتعان بالثراء والتحرر، وذلك لإخفاء أصولهما التي تعود إلى الأحياء البائسة.
غير أن فتاة تشعر بالغيرة من ليلى سرعان ما تكشف النقاب عن هذا التنكر فتبادر الأختان إلى الاختفاء، ولكن ليس قبل أن تكون ليلى قد خلبت لب ريكاردو تماماً.عندما يكبر ريكاردو فإنه يعمل مترجماً في اليونسكو، ويمضي به عمله على امتداد عدة عقود إلى العديد من الأماكن على امتداد العالم، ابتداء من باريس في أواخر الخمسينات إلى لندن التي يتألق البيتلز تحت آفاقها وصولاً إلى طوكيو التي تحفل بعصابات المافيا. وفي كل مكان يمضي إليه ريكاردو فإنه يصادف فتاته الشقية في إهاب مختلف، وهي تنكر في كل مرة أن تكون حبيبة صباه، أو أن تكون قد قابلته من قبل على الإطلاق، ولكنها في كل مرة أيضاً تخلب لبه من جديد بالقوة العاصفة للمرة الأولى في ذلك الصيف البعيد من عام 1950.
ونلاحظ أنه ليس بمقدور أي شخصية من شخصيات الرواية أن تجتذبنا تماماً، ولكن لوسا يظل متملكاً لناصية القدرة المذهلة على الوصف، وموهبته في استحضار الأصوات والروائح والأذواق تجعل كل لقاء يضم ريكاردو وليلى لقاء جديداً وحافلاً بالقدرة على الاجتذاب وإثارة الاهتمام.
ومع ميل ريكاردو إلى أن يكون في قلب الأحداث فإن مشاهد مراحل ما بعد الحرب العالمية الثانية تتوهج أمام أنظارنا، حيث يفضي ميل ليلى إلى الخيانة إلى متاعب حقيقية للجميع، وهكذا فإن النتيجة هي نص روائي شديد الثراء والطرافة. ولكن هل يعوض هذا عن العمق؟
من المحقق أن هذا السؤال لا يفتقر إلى الصعوبة بحال، أو هذا هو على الأقل ما نجده في تعليق صحيفة «واشنطن بوست» على الرواية، فهي تشير إلى أن «الفتاة الشقية»: «تعد من بين روايات لوسا البارزة»، لكنها تفتقر إلى العمق الذي نجده في أعمال سابقة للروائي البيروفي الكبير مثل «حوار في الكاتدرائية» و«العمة جوليا وكاتب السيناريو».
بهذا المعنى فإن رواية لوسا كتبت من أجل طرافتها، من أجل استمتاع لوسا نفسه بتأليفها، واستمتاعنا نحن القراء بقراءتها، فهي مسلية على نحو لا سبيل إلى مقاومته، ومن الواضح أنها كتبت انطلاقاً من حنين الروائي الكبير إلى صباه الضائع وإلى ليما التي عاش فيها آنذاك، وهو يستحضر تلك المدينة بصورة جميلة.
بالنسبة للكثيرين من القراء فإن من سوء الطالع أن رواية لوسا تتركز على ريكاردو وليس على ليلى، فنحن لا نراها إلا من خلال عينيه، وهما العينان اللتان لا تقعان على ليلى إلا مرة كل عامين في المتوسط، وهي عندما تكون خارج حياته منشغلة بتحقيق طموحاتها التي لا تنتهي فإنه يحيا حياة بسيطة للغاية، لا نلمح فيها إلا زياراته لبيرو وصداقته لجيرانه، وحينما يوغل في العمر فإنه يرتبط بامرأة أخرى.
بهذا المعنى فإن النقد الأساسي الذي يمكن أن يوجه إلى لوسا هو أنه لا يبدو أنه يعرف أي كتاب يريد أن يقدمه لنا على وجه الدقة، هل هي رواية تتمحور حول قصة حب عظيمة تمتد على مدار الحياة؟ أم هي الرواية التي تدور حول الكيفية التي يفلح بها ريكاردو في أن يعيش حياته على الرغم من هذا المعلم البارز الوحيد فيها؟
إن ما يجعل مثل هذه النوعية من الأسئلة تفرض نفسها علينا بعمق هو الحضور الطاغي للفتاة الشقية في الكتاب أو الانحسار الواضح لها في العديد من مقاطعه الأمر الذي يجعل من الصعب أن تمضي الرواية قدماً بشكل متوازن.
وعشق ريكاردو الجارف الذي يربطه بليلى في تجلياتها المختلفة على امتداد الرواية يأتي عليه حين من الدهر يغدو من الصعب علينا نحن القراء أن نواصل تصديقه والاقتناع به، خاصة عندما نجد أن لوسا يجعله في موضع من مواضع الرواية مبررا لعزم ريكاردو على إلقاء نفسه في مياه نهر السين من فوق أحد جسور باريس.
هذه الفتاة الشقية لها سحرها بلا حدود، ولكن هذا السحر لا يمكن أن يمتد للأبد اعتماداً على ذاته، وريكاردو نفسه يدرك أن الفتاة الشقية قد لا تكون بالضرورة أفضل شيء في الوجود يناسبه، لكننا على الرغم من ذلك نفاجأ بأنه عاد إلى الوقوع في دائرة سحرها من جديد، حتى في الوقت الذي لم تعد فيه تلك الحسناء ذات الجمال الباهر التي اعتادت اقتحام حياته، بل غدت أقرب إلى حطام امرأة.
ومما يبعث على الشعور بالصدمة بالنسبة لعشاق الفن الروائي على نحو ما يبدعه لوسا، أنه يلجأ إلى النزعة الميلودرامية في الحسم النهائي للقصة، وهو حسم يجده الكثير من القراء أبعد ما يكون عما يليق بلوسا. من يدري، ربما كان من الأفضل للوسا أن يبدأ في كتابة سيرة حياته الذاتية الآن، بدلاً من تأجيل مثل هذا المشروع إلى بلوغه عامه المئة!
«كان ذلك اليوم الأخير من صيف 1950 - وكنت قد بلغت الخامسة عشرة من عمري أيضاً - كان بداية الحياة الواقعية بالنسبة لي، الحياة إلى تفصل القلاع في الهواء، الأوهام، والأساطير عن الواقع القاسي.
لم أعرف بأي درجة من اليقين قط القصة الكاملة للفتاتين التشيليتين الزائفتين، ليلى ولوسي، ولم يعرفها أي شخص آخر باستثناء الفتاتين، ولكنني سمعت تكهنات وأقاويل ونميمة طاردت ـ شأن موجة شائعات ـ الفتاتين التشيليتين الزائفتين وقتاً طويلاً حتى بعد أن كفتا عن الوجود، بمعنى من المعاني، لأنهما لم تتم دعوتهما مجدداً أبداً إلى الحفلات أو الألعاب أو حفلات الشاي أو تجمعات أبناء الحي.
وأفادت التقولات أنه حتى على الرغم من أن الفتيات المحترمات من باريو أليجري وميرا فلوريس لم تعد لهن صلة بهما، وكن يشخصن بأنظارهن بعيداً إذا صادفن الفتاتين في الشارع، فإن الفتية، الرفاق، والرجال كانوا يمضون في أثرهما، سراً، مثلما يمضون في أثر الفتيات الرخيصات، وأي شيء آخر كانت عليه ليلى ولوسي إلا كونهما فتاتين رخيصتين من حي مثل بريتا أو إل بروفنير، قامتا من أجل حجب أصولهما بالتظاهر بأنهما أجنبيتان واختلطتا بأناس هي ميرا فلوريس المحترمين؟
قامتا بذلك للاختلاء بهم وللقيام بتلك الأمور التي تترك الفتيات الخلاسيات والرخيصات وحدهن الرجال يفعلونها. أتصور أنه في وقت لاحق بدأ الناس ينسون أمر ليلى ولوسي لأن أناساً آخرين وأموراً أخرى قد حلوا بالفعل محل مغامرة الصيف الأخير في طفولتنا».
مقتطف من رواية «الفتاة الشقية»
ليلى ولوسي
*الكتاب: الفتاة الشقية
*الناشر:فيبر أند فيبر ـ لندن 2007
*الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط
The Bad Girl
Mario Vargas Llosa
Faber and Faber- London 2007
P.352

