بادرت مطبوعة «نيويورك تايمز مجازين» إلى إجراء هذا الحوار مع الروائي البيروفي ماريو فارغاس لوسا بمناسبة صدور الترجمة الانجليزية لروايته «الفتاة الشقية»، حيث ألقى الضوء على العالم الخلفي الذي نبعت منه هذه الرواية والأهمية الاستثنائية التي تتمتع بها البطلة التي وصفها بأنها وليدة خلفية جعلتها تجيد القتال.
وتطرق من ناحية أخرى إلى مغامرته في الحياة السياسية في بلاده التي رشح في إطارها نفسه لتولي الرئاسة في بيرو، ونفى استعداده لكتابة سيرة حياته الذاتية، قائلاً إنه لن يقوم بذلك إلا بعد إتمامه للعام المئة من عمره وليس قبل ذلك، وفيما يلي نص الحوار:
* باعتبارك أبرز كتاب بيرو وأحد الذين تقدموا لشغل منصب الرئاسة فيها، فإنك قد كتبت رواية عاطفية على نحو مدهش، وهي رواية «الفتاة الشقية»، التي تعد قصة حب يرويها بيروفي عاشق للكتب ينتقل إلى باريس ويكرس أربعين عاماً لمتابعة امرأة كان قد التقاها لأول مرة في المدرسة الثانوية.
ـ ريكاردو، بطل هذه الرواية، هو مترجم، الأمر الذي يعكس ميله المزاجي، فهو وسيط، ولا يتمتع بقوة الشخصية، ولا توجد في حياته إلا مغامرة واحدة، هي الفتاة الشقية، ومن دونها فإن حياته تغدو عادية ومحدودة وبلا أفق.
* نعم، إنه يفتقر للطموح.
ـ حسناً، إن طموحه يتمثل في الفتاة الشقية.
* هل تعجب به؟
ـ إنني أعجب بالفتاة الشقية أشد الإعجاب.
*من هي هذه الفتاة الشقية؟
ـ إنها فتاة باردة وانتهازية، تحفر بحثاً عن الذهب، وينتهي بها الأمر إلى الزواج من رجال أعمال في فرنسا، انجلترا واليابان من دون أن يراودها أي شعور يذكر حيال أي منهم، واعتقد أنها أكثر تعقيداً من ذلك، وعليك بتأمل المكان الذي جاءت منه. إنها تجيء من خلفية اجتماعية تعتبر الحياة فيها نوعاً من الأدغال، مكاناً ترغب في أن تظل فيه على قيد الحياة، حيث تصبح وحشاً. لقد دُربت على أن تكون وحشاً مقاتلاً، وهي تقاتل.
*هل تعرف فتيات شقيات؟
ـ نعم، بالتأكيد، أعرف الكثير منهن، وفي بيرو هناك الكثير منهن، وكذلك الحال أيضاً في فرنسا واسبانيا. وهناك الكثير من الفتيات الشقيات في أميركا أيضاً.
*لا، هذا غير صحيح. ليست لدينا فتيات شقيات هنا.
ـ لقد كنت معزولاً في مانهاتن طوال عمرك، ولكن اذهب إلى كاليفورنيا، ولسوف ترى فتيات شقيات.
*دعنا نتحدث عن مغامرتك القصيرة وغير الموفقة في الحياة السياسية، فقد رشحت نفسك للرئاسة في بيرو في 1990 وخسرت الانتخابات لصالح البرتو فوجيموري، الذي أودع السجن في ليما مؤخراً بعد تسلمه من تشيلي.
ـ إنني سعيد للغاية، بالطبع، فهذه قدوة للمستقبل. وقد كان دكتاتوراً رهيباً، قتل الكثير من الناس، ونهب مبالغ طائلة من الأموال، وارتكب أفظع المخالفات لحقوق الإنسان.
*لقد خضت انتخابات الرئاسة هذه على أساس برنامج قائم على حرية السوق صيغ على غرار النزعة المحافظة التي تبناها كل من مرغريت تاتشر ورونالد ريغان.
ـ إنني أحبذ الحرية الاقتصادية، لكنني لست محافظاً.
*هل قابلت الرئيس ريغان؟
ـ قابلته مرة واحدة، وقلت له: سيدي الرئيس، إنني أعجب بالكثير من الأمور التي تقوم بها، لكنني لا أستطيع قبول أنه بالنسبة لك فإن أهم كاتب أميركي هو لويس لامور. كيف يمكن أن يكون هذا ممكناً؟
*بالإضافة إلى الروايات والقصص القصيرة، فقد كتبت كياناً هائلاً من الأعمال الدرامية والنقد الأدبي، بما في ذلك تقدير لغابريل غارسيا ماركيز الذي اختلفت معه بعد ذلك.
ـ إنني لا أتحدث عن ذلك الموضوع، لا أتحدث عن غارسيا ماركيز، هذا كل ما هنالك.
*مقارنة بالنزعة الواقعية السحرية عنده، فإن أسلوبك يضرب جذوره بصورة أعمق في أعمال سردية بانورامية ممتدة تنتمي إلى الرواية في القرن التاسع عشر.
ـ آمل أن يكون هذا صحيحاً. فقد كانت ذروة الرواية في القرن التاسع عشر، مع دستويفسكي، تولستوي، ميلفيل وديكنز.
*شأن شخصية من شخصيات رواية تنتمي للعصر الفيكتوري، فأنت متزوج من ابنة عمك.
ـ لقد وقعت في حبها. ولم تؤخذ في الاعتبار حقيقة كونها ابنة عمي.
*كانت زوجتك الأولى هي أخت زوجة عمك، ويفترض أنها كانت مصدر الإلهام بالنسبة لروايتك الكوميدية «العمة جوليا وكاتب السيناريو». ما الذي تعنيه كل هذه الرومانسية العائلية؟
ـ لسوف نحتاج إلى محلل نفسي لاكتشاف ذلك. ولكنني لست من محبذي التحليل النفسي، ولذا فإن الغموض سيظل سائداً.
*ما الذي تأخذه على التحليل النفسي؟
ـ إنه وثيق الصلة للغاية بالكتابة الروائية، وأنا لست بحاجة إلى المزيد من الكتابة الروائية في حياتي. إنني أحب القصص، وحياتي مركزة بالأساس على القصص، ولكن من دون ادعاء للدقة العلمية.
*هل ستكتب سيرة حياتك الذاتية يوماً على نحو ما فعل الكثير من كتاب أميركا اللاتينية ومن بينهم غابريل غارسيا ماركيز؟
ـ إذا وصلت إلى العام المئة من عمري، فإنني سأكتب سيرة ذاتية كاملة تماماً، وليس قبل ذلك.
محطات في مسيرة لوسا
* ولد الروائي البيروفي ماريو فارغاس لوسا في إريكيبا في 28 مارس 1936، ودرس في أكاديمية برادو العسكرية في ليما ودرس الأدب في جامعة سان ماركوس، وحصل على الدكتوراه في عام 1971 في مدريد.
* قدم لوسا العديد من الأعمال الروائية ومجلدات القصص القصيرة، ولفت الأنظار إليه لأول مرة في عام 1962 بروايته «زمن البطل» التي تستند إلى تجربة الكاتب في سنوات المراهقة والتي لقيت التقدير باعتبارها من الأعمال البارزة في الازدهار الأدبي لأميركا اللاتينية، جنباً إلى جنب مع أعمال خوليو كورتازار وكارلوس فونتيس وغابرييل غارسيا ماركيز.
* توالت أعماله الروائية، ومنها «الدار الخضراء» في عام 1966 التي تعكس عمق التأثر بوليام فوكنر، و«حرب نهاية العالم» في 1981، و«الطريق إلى الفردوس» في 2003. وتوقف الكثير من النقاد عند روايته الصادرة مؤخراً في ترجمتها الانجليزية «الفتاة الشقية».
* قدم لوسا أعمالاً نقدية بارزة منها كتاب عن ماركيز صدر لأول مرة عام 1971، ودراسات نقدية مطولة عن فلوبير وعن خوانو مارتوريل، وقدم مناقشات لأعماله الروائية في كتاب صدر عام 1991 بعنوان «واقع الكاتب».
منى مدكور
