وعاء المعرفة من الحجر إلى النشر الفوري، عنوان كتاب جديد أصدرته مكتبة الإسكندرية في إطار الاحتفالات بمرور خمس سنوات على افتتاحها، يؤرخ لتدوين المعرفة من عصور ما قبل التاريخ إلى ظهور الطباعة.
بالإضافة إلى عرض أوعية المعرفة المرجعية وتطورها كالموسوعات والقوائم الببليوجرافية والمعاجم اللغوية، ثم ظهور الحاسبات الآلية والإنترنت والنشر الإلكتروني والوسائط الإعلامية المتعددة.
يتناول الكتاب تدوين المعرفة في الفترة التي سبقت ظهور الطباعة، فمنذ قديم الزمان والإنسان يحاول تدوين معارفه بشتى الوسائل والطرق المتوفرة لديه التي منحتها له البيئة الطبيعية التي يعيش فيها. فقد استغل الإنسان الأول جدران الكهوف التي يسكنها في تدوين علومه ومعارفه ونقلها من لغة منطوقة لا نعلم عنها شيئا حتى الآن إلى صورة مبسطة تمدنا ببعض التفاصيل عن عالمه.
وبتوصل الإنسان إلى الكتابة، بدأت كل حضارة في اختيار الوسيلة المادية المناسبة لها للتعبير عن لغتها التي تتحدث بها وعن أفكارها وعقائدها وعلومها، فنجد أن الحضارة المصرية القديمة فضلت ورق البردي في التدوين، في حين فضل سكان بلاد الرافدين الألواح أو الرقم الطينية، واستخدم الفينيقيون الألواح الخشبية المغطاة أو غير المغطاة بالشمع كوسيلة سهلة لتدوين كتاباتهم، بينما احتل الرّق المكانة الأولى في أدوات الكتابة بديلا عن البردي وذلك ببرجاموم في آسيا الصغرى، ثم ظهر الاختراع الذهبي الذي نقله المسلمون من الصين إلى العالم بأسره وهو الورق.
ويمكن القول إن الفترة الزمنية منذ ظهور الإنسان على الأرض وحتى الآن تنقسم إلى مرحلتين رئيسيتين هما: عصور ما قبل التاريخ، وهي الفترة التي سبقت معرفة الإنسان للكتابة، والتي تميزت أيضا بمعرفة الإنسان فكرة التدوين عن طريق الرسم والنحت على الحصباء وجدران الكهوف والمآوى الصخرية، ثم فترة العصور التاريخية.
وقد اختلفت آراء العلماء حول الهدف من الرسوم التي تم العثور عليها في الكهوف وطبيعتها، فالبعض رأى أنها تعبير عن شكل من أشكال الرسوم السحرية والمعتقدات الدينية التي مارسها الإنسان الأول، بينما رجح آخرون أن الهدف الكامن من وراء ما خلفه الإنسان الأول من رسوم متقنة يرجع إلى رغبة فنية خالصة وإشباعا لفنه، في حين ذهب فريق ثالث إلى أن هذه الصور ما هي إلا عبارة عن شكل بدائي من الكتابة التصويرية.
إن اختراع الصينيين للورق يعد كشفا هاما في مسيرة التاريخ الإنساني، وترجع المراحل البدائية لصنع الورق في الصين إلى عهد أسرة هان الغربية، حيث لاحظ الناس أنه أثناء معالجة الشرانق المطبوخة لصناعة ألياف الحرير، أن بعض هذه الألياف تتعلق بالحصير الذي يغمر في النهر، وبعد التجفيف تتشكل على الحصير طبقة رقيقة من ألياف الحرير، وتلك الطبقة تعد بمثابة المرحلة الأولية لصناعة الورق في الأزمان الغابرة.
وتطورت صناعة الورق في الصين بعد ذلك، ثم انتقلت إلى المسلمين في القرن الثامن الميلادي، وازدهرت صناعة الورق أرجاء الإمبراطورية الإسلامية ولاسيما عاصمتها بغداد التي ذاع صيتها واشتهرت بجودة ورقها ونقائه ونصاعة بياضه، حتى أنه أخذ يعرف باسم «الورق البغدادي».
ومع تطور صناعة الورق وازدياد حركة نسخ الكتب، ظهر إلى النور اختراع الطباعة على يد يوهانس جوتنبرج، وفي هذا الإطار، فإن الفصل الثاني من الكتاب ركز على بزوغ فجر الطباعة في العالم وخاصة في الشرق الأقصى وأوروبا والمشرق العربي.
ويعود للطباعة الفضل الكثير في ما وصل إليه إنسان العصر الحديث من تقدم وكل ما ينعم به من حضارة، فهي سبب وجود الكتاب وتأثيره الفاعل في تاريخ البشرية، وهي تسهم بقسط وافر في التحولات الفكرية والاقتصادية ومن ثم الاجتماعية التي عرفتها كل المجتمعات بلا استثناء، حيث إنها تمثل أولى مبادرات الانفتاح العالمي من خلال سهولة انتقال الاكتشافات والعلوم الحديثة من الثقافات والأفكار الحديثة.
وكما كان للصين الفضل في اختراع وسيط كتابي قدر له أن يحيا إلى اليوم وهو الورق، فإنه ينسب إليها الفضل أيضا في بزوغ فكرة الطباعة واستخدامها من خلال الألواح الحجرية ثم الخشبية بعد ذلك، حيث كانوا يحفرون الكلام بطريقة معكوسة على سطح الخشب ثم يفردون الورق عليه ويدلكونه حتى يصير مقعرا كالخطوط المحفورة على السطح، ثم يصبغونه بطبقة من الحبر الأسود، فإذا به مطبوع بمقاطع بيضاء وأرضية سوداء.
انتقلت الطباعة بعد ذلك من الصين إلى اليابان وكوريا التي أدخلت تطويرا مهما على تقنية الطباعة منذ القرن الثالث عشر للميلاد، إذ قام الكوريون بطباعة الكتب بحروف متحركة من المعدن بدلا من الخشب.
ومن آسيا إلى أوروبا، قامت الطباعة في الجزء الغربي من القارة العجوز نتيجة التقدم التكنولوجي الذي سرعان ما تجاوز أهدافه الأولى ليحدث تحولات هائلة في حضارة مكتملة المعالم، بالإضافة إلى الطلب المتزايد على النصوص المكتوبة.
كانت الطباعة في أوروبا في البداية باستخدام الألواح الخشبية التي كانت تبلى بسرعة مما جعلها غير قادرة على إعطاء عدد كبير من النسخ، إلى جانب العمل البطيء والمضني لحفر تلك الألواح خاصة في حالة النصوص الطويلة. ومن هنا، ظهرت الحاجة لاختراع جديد يتلافى عيوب سابقيه، وهو ما قام به يوهانس جوتنبرج الذي استخدم الحروف المعدنية المنفصلة في الطباعة.
وأنجز جوتنبرج أول مطبوع وهو توراة ال42 سطرا، باستخدام تلك التقنية الجديدة عام 1445، وتحتفظ مكتبة الإسكندرية بنسخة فاكسميلي من إنجيل جوتنبرج. انتشر اختراع جوتنبرج في ألمانيا ومنها إلى ربوع القارة الأوروبية، إلا أنه تأخر استفادة العالم العربي والإسلامي من التكنولوجيا الجديدة لفترة طويلة امتدت حتى أوائل القرن الثامن عشر، حتى إن أول كتب عربية تمت طباعتها باستخدام الحروف المعدنية المنفصلة، كانت في أوروبا وتحديدا إيطاليا.
ويكمن السبب في تأخر استخدام المسلمين للطباعة في تصدي سلاطين آل عثمان لها في أول الأمر نظرا لخوفهم من أن يتعرض أصحاب الغايات والأغراض إلى الكتب الدينية فيحرفوها، إلى جانب أن المطبعة يمكنها أن تخفض من أثمان الكتب فتجعلها في متناول أكبر عدد ممكن من الناس، وبالتالي يحل العلم محل الجهل، وهو ما كان آل عثمان يخشونه أيضا.
وقد عرفت لبنان وسوريا الطباعة قبل أي دولة عربية أخرى على يد الإرساليات المسيحية، بينما دخلت التقنية الجديدة مصر أثناء الحملة الفرنسية على البلاد. وقد خصّص المؤلفون الفصل الثالث والرابع والخامس من الكتاب للحديث عن ظهور الطباعة في أرض الكنانة منذ أيام الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت وحتى إنشاء مطبعة بولاق في عهد محمد علي الكبير وأسرته من بعده، بالإضافة إلى عرض مجموعة الكتب التي قامت مطبعة بولاق بإصدارها وقواعد النشر التي كان معمول بها في تلك الفترة.
واهتم مؤلفو الكتاب برصد كل ما يتعلق بمطبعة بولاق من حيث تاريخ إنشائها والكوادر العاملة بها وسياسات وقوانين العمل التي كانت تحكمها والمشاريع الإصلاحية التي استهدفتها، إلى جانب عرض تطور تقنيات وآلات الطباعة بها، نظرا لما تشكله من أهمية كبيرة في مسار التاريخ المصري الحديث، إذ قامت بنشر العلم والثقافة لدى المصريين، كما ساهمت في خلق الوعي المجتمعي لديهم.
ومع انتشار الطباعة في المحروسة، نشأت الصحافة التي عرفتها مصر متأخرة عن أوروبا بثلاثة قرون كاملة. وقد ركز الفصل السادس بكامله على هذا الموضوع بدءا من الحملة الفرنسية على مصر في 1798، إلى أن أصدر محمد علي جورنال الخديوي ثم جريدة الوقائع المصرية والجريدة العسكرية، بالإضافة إلى الصحف وازدهارها في عهد خلفائه من بعده وخاصة في فترة الخديوي إسماعيل التي شهدت إصدار صحف متخصصة في الأدب والطب والقانون والسياسة وغيرها من المجالات.
ومع ظهور الحاسب الآلي والإنترنت، تغيرت النظرة، حيث أصبح هناك تدفق بلا حدود للمعلوماتية واستطاع الإنسان أن يستغل الحاسب الآلي أفضل استغلال ويسخره في القيام بالعديد من الأعمال التي كانت تتطلب وقتا وجهدا كبيرا إن لم يكن جبارا.
إذ عمل على تخزين علومه ومعارفه بداخل جهاز الكمبيوتر، مما سهل التعامل معها وسرعة استرجاعها عند الحاجة، بالإضافة إلى حفظ الآلاف من المعلومات وربط أجهزة الحاسب الآلي ببعضها البعض من خلال شبكات كالإنترنت، الأمر الذي أدى لتقليل التكاليف واختصار الوقت.
ويعد مجال النشر الإلكتروني هو أحدث تطبيقات التوسع المستمر في المجالات التي يغطيها الحاسب الآلي، إذ وجدت العديد من المؤسسات في الدول المتقدمة أن قيامها بطباعة عدد كبير من الكتيبات والدوريات والمنشورات ثم توزيعها على جمهور واسع ومحدد من المستفيدين سيكلفها جهودا ونفقات كبيرة يمكن اختصارها فيما لو تم إدخال هذه الكتيبات والنشرات على الحاسب الآلي ثم إرسالها إلى المستفيدين إما بصورة مباشرة عبر شبكة الإنترنت أو بتسليمها على أقراص مدمجة .
وفي نهاية الكتاب، تم تخصيص الجزء الأخير من الفصل السابع بكامله للحديث عن مكتبة الإسكندرية باعتبارها تمثل وعاءا رقميا حديثا، إلى جانب عرض أهم المشروعات التي تقوم بها المكتبة في سياق رقمنة المعرفة وإتاحتها للبشرية جمعاء، ومنها المعمل الرقمي الذي يحوي تقنيات باهرة وغير مسبوقة لرقمنة جميع محتويات مكتبة الإسكندرية ومقتنيات المكتبات العالمية الأخرى.
كما أشار الجزء الأخير للمشروع الرائد «ذاكرة مصر المعاصرة» والذي من المقرر أن يتم الانتهاء منه قريبا، بغرض إنشاء مكتبة رقمية متكاملة لتاريخ مصر الحديث تتضمن مجموعة مرقمنة من المكتبات المتخصصة مثل مكتبة جمال عبد الناصر ومكتبة أنور السادات ومجموعة مكتبات كبار الكتاب والمؤرخين المصريين، بالإضافة إلى المحتويات المتعلقة بهذا الموضوع من جميع أنحاء العالم.
د. خالد عزب
*الكتاب: وعاء المعرفة.. من الحجر إلى النشر الفوري
*تحرير: خالد عزب
*الناشر: مكتبة الإسكندرية 2007
*الصفحات: 315 صفحة من القطع الكبير
