مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور وحيد عبد المجيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية وقد أصدر من قبل عدة مؤلفات آخرها كتاب «من يطفئ النار» حول الاشتباك الحاصل بين العالم الإسلامي والغرب بعد أحداث سبتمبر.
وهو يحمل في كتابه الجديد الذي نعرض له على ما يعتبره ميلا الى العنف العشوائي والذي يراه آخذا في التكون لدى قطاع يعتد به من قبل الرأي العام العربي استناداً الى نزعة تتغذى على فشل عربي متراكم يجري تبريره بعوامل خارجية في الأساس وخلفية أصولية دينية يجري تعميمها عبر إضفاء طابع ديني على القضايا الكبرى للأمة العربية من ناحية أخرى.
ويشير الدكتور وحيد الى أن مشكلة هذا الموقف هو أنه ينطوي على ازدواج شديد في المعايير الى حد أنه يبدو في بعض الحالات على الأقل منفلتا من أي معيار بما في ذلك وبالأخص نظام القيم الإسلامي الذي يحض على الاستقامة وينهى عن أن يزر الإنسان وزر أخرى.
وعلى ذلك يحاول المؤلف تحليل مأزق المعايير المزدوجة الذي أكده حادث وقوع صحافيين فرنسيين في أسر إحدى جماعات الخطف التي مارست أبشع صور الترويع في العراق. ويشير الدكتور وحيد الى أن هذا الازدواج في المعايير يصل ذروته عندما نجد وصف عملية مسلحة بأنها استشهادية وأخرى بأنها إرهابية وارتباط ذلك بالأهواء وليس بمعايير محددة ومنضبطة.
ويشير الى أن هذا الخلل البنائي في الموقف العربي السائد تجاه العنف نتج عن شيوع ثقافة تحفل بأي نوع من العنف ضد الآخر الأجنبي وخصوصا عندما يكون من الأعداء الذين تسود العشوائية في تعريفهم كما في تحديد كثير من المفاهيم ذات الصلة بهذه الثقافة مثل الجهاد والاستشهاد.
في استعراضه بالتحليل لموضوعه يشير المؤلف الى أنه لم يكن هناك مثل هذا الاستعداد في الشارع العربي لقبول العنف ضد الآخر الأجنبي مثلما حدث في مطلع القرن الحادي والعشرين، الأمر الذي يعد ملحوظا في لحظات تفاقم الأزمات الكبرى وخاصة في فلسطين ثم في العراق بعد الحرب والاحتلال.
ورغم نفيه أن يكون الاستعداد العربي لقبول وتأييد العنف ليس قاعدة عامة بطبيعة الحال، إلا أنه ينفي أنه استثناء، مضيفا أننا إزاء ظاهرة واسعة وإن لم تكن غالبة أو كاسحة وهى ظاهرة صارت واضحة للجميع وموضع نقاش عام تحت عناوين شتى أبرزها كراهية الولايات المتحدة.
وفي سياق تحليله لأبعاد هذه الوضعية يشير الدكتور وحيد الى تهافت الفكر السياسي العربي ذاكرا في هذا الخصوص أن أحد سمات هذا الفكر هو غياب أو على الأقل تضاؤل التمايز والاختلاف بين اتجاهاته المتباينة في لحظات معينة أهمها على الإطلاق لحظة الصدام مع الغرب وخصوصا حين يكون صداما عسكريا. ورغم عدم إنكاره الجانب الإيجابي لهذه السمة لجهة دلالتها على نزعة قوية الى التكاتف والتساند في المعارك الكبرى إلا أنه يشير الى أن سلبيات هذا التوحد تكون أكبر حين يطغى على التنوع الذي يثري حياة الأمة.
ويقرر أنه ليس أسوأ من الوحدة التي تلغي التنوع إلا تلك التي تقوم على موقف عاطفي أو انفعالي يعطل العقل أو يهمش دوره ومن الطبيعي أن يزداد الميل عادة الى تغليب المشاعر على العقل حين يتعرض بلد عربي الى اعتداء عسكري مثلما حدث للعراق عام 2003 فالإنسان العربي البسيط جزع لهذا الاعتداء خصوصا أن القنوات التليفزيونية تابعت القصف الجوي على مدار الساعة ونقلت وقائع الحرب على الهواء وبالغ بعضها أو خلط الخبر بالرأي والواقعة بالموقف السياسي.
ورغم ذلك يتحفظ المؤلف قائلا أنه اذا كان عامة الناس في البلاد العربية وقفوا ضد هذا الاعتداء عاطفيا بصورة كلية أو جزئية فالمفترض أن يكون للعقل مكان في ردود فعل جماعات النخبة السياسية والثقافية. وهذا هو تحديدا ما يحقق الوحدة ويبقي في الوقت نفسه على التنوع.
ثم يتطرق المؤلف الى جانب آخر في سياق تناوله لموضوعه مشيرا الى ما يراه تطويعا لمفاهيم إسلامية لشحذ العداء ضد الآخر، فيشير الى أنه كان في تزامن الحرب الأمريكية على العراق والحرب الإسرائيلية ضد الانتفاضة الفلسطينية ما أدى الى مزيد من التسطيح في فهم ما يحدث وتقديره كما أدى صعود حركات الإسلام السياسي ونجاحها في خطف الانتفاضة الفلسطينية التي فجرتها حركة فتح وقادتها متفردة لأسابيع طويلة الى مزيد من التسطيح والتجهيل.
يضيف المؤلف أنه في غمار هذا الوضع الذي يصفه بالفوضى حدث توسع هائل في استخدام مفهوم الاستشهاد على نحو يقلل من أهميته ومكانته فضلا عن تجريده من محتواه وربما أدت إجازة اعتبار الفلسطيني الذي يفجر نفسه في هدف إسرائيلي شهيدا بالرغم من أن الاستشهاد كما يحلو له وقد أجيز اعتبار الفلسطيني منتحرا شهيدا وأنتشر ذلك على نطاق واسع بالرغم من رفض بعض كبار الفقهاء والمجتهدين الذين حرموا هذا النوع من العمليات.
يستعرض المؤلف بعد ذلك قضية الموقف العربي من العنف تجاه الآخر الأجنبي متناولا تاريخ الاحتكاك العربي مع الغرب وبدايات التوتر في العلاقات بين الجانبين وخاصة الولايات المتحدة، وهو هنا يلقي باللوم على الجانب العربي في افتقاد القدرة على توظيف أوضاعه لصالح اكتساب تعاطف الأمريكيين مع قضايانا.
مشيرا الى أن مهمة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لم تكن سهلة في اي وقت من الأوقات، وإنما عزز منها تقاعسنا نحن العرب عن محاولة التسويق لقضيتنا في أوساط الشعب الأمريكي، منتهيا الى أن العرب والمسلمين يتحملون مسؤولية لا يمكن التنصل منها عن الانحياز الأمريكي لإسرائيل ولكن بدلا من استيعاب دروس الإخفاق في التأثير على السياسة الأمريكية نجد إصرارا على مواصلة هذا الإخفاق.
ثم يتناول الدكتور وحيد ما يعتبره آثارا وخيمة لتبرير العنف ضد الآخر على البلاد العربية والإسلامية مشيرا الى أنه ينطوي على مخاطر كبيرة أهمها الوقوع في الفخ الذي نصبه بعض العرب والمسلمين وهو الإدعاء بأن العنف ضد الآخر الأجنبي يهدف الى تحقيق مصالح الأمة.
ويقرر أن الفخ هنا لا يتعلق فقط بأن هذا العنف يدمر مصالح الأمة بل يتصل بأن ممارسي العنف لا يستهدفون الآخر الأجنبي في المحصلة النهائية بل الآخر العربي والمسلم في بلادهم لأن هدفهم الأساسي هو السلطة في هذه البلاد وليس مقارعة من يسمونهم أعداء الأمة في الخارج. والمثير للانتباه، حسب المؤلف، هو عدم إدراك هذا الهدف بالرغم من وضوحه خصوصا في اللحظات التي يضرب فيها الإرهاب في بلد عربي كما حدث في مصر والجزائر والسعودية والمغرب وغيرها.
وهنا وفي محاولة لالتزام الموضوعية يشير الى أن الأمريكيين وقعوا أيضا في هذا الفخ منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 ولم يتوقف أحد عند مغزى عودة العنف ليضرب في قلب بلاد العرب والمسلمين من السعودية الى المغرب عامي 2003 و 2004 بعد أن كان قادته بشروا بأنهم تحولوا الى مقاتلة أمريكا أي تركوا العدو القريب وتفرغوا للعدو البعيد وأعلنوا أن حربهم صارت على أمريكا والغرب وليس على العرب والمسلمين.
مضيفا : فقد ظل الاعتقاد سائدا أن عنف القاعدة موجه ضد الآخر الأجنبي بالرغم من أن الإعلان عن ذلك لم يكن أكثر من موقف تكتيكي لجأت إليه القاعدة وسعت الى توظيفه لخدمة إستراتيجيتها التي ترمى الى الاستيلاء على السلطة في بعض الدول العربية والإسلامية.
ثم يتطرق الى الحديث عن ازدواجية الموقف العربي تجاه العنف ضد الآخر فيذكر أنه ثمة أزمة عميقة في النمط الغالب في موقف العربي والمسلم تجاه الآخر سواء كان من جلدته وبلده أو كان أجنبيا لا تربطه به إلا صلة الإنسانية.
فهذا الموقف لا يعرف التسامح ولا يجد هذا التسامح طريقا الى العربي والمسلم عندما يختلف مع غيره إلا فيما قل أو ندر، غير أنه يشير الى أن هناك تفاوتا كبيرا في موقف العربي والمسلم تجاه الآخر من بني جلدته ودينه وإزاء الآخر الأجنبي خصوصا اذا كان غربيا وبالأخص اذا كان أميركيا.
وعلى ذلك يقرر أن هذه الازدواجية تعبر عن حالة عقلية غير سوية وتكشف خللا عميقا في بنية الموقف العربي تجاه الآخر نادرا ما يلتفت إليها أحد في الوقت الذي لا نكف عربا ومسلمين عن إتهام غيرنا بالازدواجية في الأحكام والمعايير.
وفي سياق استعراض هذا الجانب يشير الدكتور وحيد الى ما يعتبره نوع من التواطؤ الفكري الذي يغذي الازدواجية في الموقف العربي تجاه العنف. وحسب ما يذكر فإنه من المؤكد أن كيل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بمكيالين في قضايا منطقة الشرق الأوسط يدعم هذا الاتجاه وخصوصا استثناء إسرائيل من كل ما يتعلق بالشرعية الدولية بدءا من إرهاب الدولة الذي تمارسه وصولا الى احتكارها السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار في هذه المنطقة.
فازدواج المعايير الأميركية الغربية في هذا المجال يغذي ازدواج الموقف العربي تجاه العنف ضد الآخر العربي والمسلم والآخر الأجنبي فالسياسة الأميركية تضع كل من يسعى الى تجاوز ازدواج الموقف العربي تجاه العنف في موقف حرج الأمر الذي يدفع الى التواطؤ على هذا الازدواج في ممارسة معيبة من ممارسات النفاق أو على الأقل التواطؤ الفكري.
ويختم المؤلف كتابه بتناول أثر الموقف العربي من العنف على قضية فلسطين مشيرا الى خطر اختزال القضية في عنف انتحاري موضحا أن قليلا من المثقفين والسياسيين الفلسطينيين والعرب عموما الذين امتلكوا الشجاعة اللازمة لنقد عسكرة الانتفاضة وحصرها في عمليات انتحارية أطلق عليها العمليات الاستشهادية بهدف تحصينها ضد النقد عبر إضفاء قدسية دينية عليها في وقت صار سهلا على كل عابر سبيل أن يستخدم الإسلام غطاء لأي عمل يقوم به مادام قادرا على تهييج المشاعر ضد الظلم الأمريكي والإسرائيلي.
ألفت عبد الله
*الكتاب: ثقافة العنف في العالم العربي
*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 2006
*الصفحات: 200 صفحة من القطع المتوسط
