عمل ايان كينغ ما بين شهر أبريل 2000 حتى شهر ديسمبر 2003 في إطار بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو. ويعمل الآن مديرا لمؤسسة «وستمنستر» للديمقراطية.أما وايت ميسون فقد كان أحد المحللين لدى «مجموعة دراسة الأزمات الدولية» قبل أن يعمل هو الآخر في بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو ما بين عام 2000 وعام 2004.
يعمل الآن كمحلل سياسي مستقل ويقوم استشاراته للعديد من الهيئات الحكومية والخاصة. المؤلفان يعرفان إذن جيدا الميدان الذي يكتبان عنه، بل إن كتابهما هذا «السلام بأي ثمن» هو بشكل ما ثمرة تجربة كانا قد عاشاها على أرض الواقع.
يعود المؤلفان في تحليلاتهما إلى تلك الأزمة التي أدّت في مطلع عام 1999 إلى قيام طائرات الحلف الأطلسي، وعلى أساس إرادة أميركية في الواقع، بقصف مواقع القوات الصربية في إقليم كوسوفو. وكانت الطائرات الأوروبية قد شاركت هي الأخرى، بعمليات القصف إذ لم تستطع القيادات السياسية الأوروبية سوى الانصياع لمنطق التدخل الأمريكي.
بكل الحالات أرغمت عمليات القصف الأطلسية القوات الصربية على التراجع من كوسوفو بعد أن كانت قد قامت بالعديد من المذابح التي ذهب ضحيتها عدد كبير من المدنيين المسلمين في أغلبيتهم الساحقة فيما كان نوع من التصفية العرقية.
وكانت الأمم المتحدة قد قررت بعد جلاء الصربيين عن كوسوفو إقامة «إدارة مدنية مؤقتة» فيها. وقد تولّت تلك الإدارة مهمة إعادة تعمير «إقليم» كوسوفو باسم الأمم المتحدة وتحت إشرافها المباشر. كما تولّت تلك الإدارة المهمّات الخاصة بالمحافظة على القانون والنظام بحيث يتم احترام حقوق الإنسان مع العمل على إنشاء مؤسسات ديمقراطية.
وبعد ما يزيد عن ست سنوات من المهمة التي حددتها الأمم المتحدة لم تحقق الإدارة المدنية التابعة لها سوى نتائج متواضعة جدا. وهذا ما يصفه المؤلفان بالقول: «إن الوضع الاقتصادي السائد في كوسوفو لا يزال هشا، واحترام القانون والنظام لا يزال يتلكأ بينما أن آليات فرضه لم يتم تطويرها بدرجة كافية. بل ويمكن القول إن الوضع لا يزال مأساويا بالنسبة لمجتمع تتعدد فيه الاثنيات».
الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها تحليلات «السلام بأي ثمن» تتمثل في القول إن منظمة الأمم المتحدة قد فشلت في تحقيق الأهداف التي حددتها في كوسوفو. ويشرح المؤلفان الأسباب العميقة الكامنة وراء هذا الفشل على الرغم من الإمكانيات المادية الهائلة التي لا سابق لها التي جرى اعتمادها لعملية إعادة التعمير وبناء المؤسسات، وأيضا على الرغم من الدعم العسكري القوي الذي أبداه الحلف الأطلسي.
تجدر الإشارة إلى أن المؤلفين لا يعارضان أبدا ما يسمى ب«حق التدخل» الذي تقوم به المجموعة الدولية في هذه المنطقة أو تلك من العالم، بل يعتبران أن ذلك من «واجبها»، لاسيما إذا كان ذلك لأسباب إنسانية.
لكن بالمقابل، وانطلاقا من النتائج «المثيرة للجدل» التي أدى إليها التدخل في كوسوفو، يشيران إلى التحديات الصعبة الملازمة لمثل هذا النوع من التدخلات. ثم إن الأمر لا يتعلق فقط بتحديات يمكن أن تواجهها المجموعة الدولية وإنما أيضا ب«أخطاء يمكن تجنبها» في حالات «تداخل» العمل بين منظمة الأمم المتحدة ومنظمات أخرى على شاكلة الحلف الأطلسي.
وتتمثل إحدى النتائج التي يتوصل المؤلفان إليها في سياق مناقشة مسألة «تدخل» المجموعة الدولية في النزاعات الإقليمية، بالقول أن المستقبل «مرشح» كي يشهد «دعوة» هذه المجموعة إلى التدخل من أجل إعادة السلام في البلدان التي «حطمتها» النزاعات. ويمكن في هذا الإطار للدروس المستخرجة من «كوسوفو» وتجربة التدخل فيها أن تكون مفيدة بالنسبة لأولئك الذين قد تُلقى على عاتقهم مهمة القيام بمهمات «تدخل» مستقبلية.
إن «كوسوفو» يتم تقديمها على أنها كانت نموذجا للعنف والمأساة خلال نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي. ومن خلال عمليات التصفية الاتنية وجرائم الحرب والتدخل العسكري للحلف الأطلسي، احتلت أخبار هذه المنطقة المأزومة تاريخيا صدر الصفحات الأولى ونشرات الأخبار التلفزيونية والإذاعية على مدى الأشهر الستة الأولى من عام 1999.
هكذا «اكتسبت كوسوفو شهرة عالمية» على خلفية مأساتها. فدائما كان «الخراب» و«التدمير» أكثر شداً لانتباه وسائل الإعلام المختلفة من عمليات البناء وإعادة التعمير. وإذا كان العالم قد وجّه انتباهه نحو كوسوفو عندما كانت المأساة تعبث بأرضها أبعد ناظريه عنها عندما كانت تجري محاولات إعادة بنائها، كما يشير المؤلفان.
ويمثل هذا الكتاب بأحد وجوهه تأريخا «ميدانيا» لعمل مهمة الأمم المتحدة في كوسوفو التي قامت مباشرة بعد انتهاء عمليات القصف الجوي التي قامت بها طائرات الحلف الأطلسي للقوات الصربية. إنه «تأريخ» لما لاقته الإدارة المدنية التابعة للأمم المتحدة من عقبات في كوسوفو. ولعل أهمية هذا التأريخ تأتي بصورة خاصة من كون أن كاتبيه كانا بنفس الوقت «شاهدين» على ما يجري «من الداخل».
يؤكد المؤلفان أيضا أن مهمة الإدارة المدنية المؤقتة، التابعة للأمم المتحدة، في كوسوفو قد تلكأت منذ بداية عملها، وخاصة اعتبارا من مطلع عام 2001. ثم بلغت حالة «العطالة» ذروتها مع تفجر العنف ذي الطبيعة الاثنية خلال شهر مارس من عام 2004.
ويرى المؤلفان أن المجموعة الدولية أبدت عدم قدرتها، أو ربما عدم إرادتها، مواجهة «المتشددين» بين ذوي الأصول الألبانية في كوسوفو. ولا يترددان في القول أن مثل هذا «الحياء» في التحرك ومواجهة الأمر بحزم يشكل أحد مصادر فشل مهمة الأمم المتحدة في كوسوفو. وليس ذلك فقط وإنما أيضا كان له آثاره المديدة على كوسوفو وسكانها.
ولا يكتفي المؤلفان بوصف واقع كوسوفو البائس وغياب أي أفق واضح بالنسبة لما ستؤول الأمور فيها إليه من حيث استقلالها وغيره، وإنما يقدمان أيضا نوعا من «مرافعة الاتهام» والإدانة للجهود الدولية التي لم تستطع أن تجعل كوسوفو «تقف على قدميها» منذ الحملة العسكرية للحلف الأطلسي ضد صربيا في عام 1999.
بل يتم التأكيد أن الموظفين الدوليين التابعين للإدارة المدنية المؤقتة قد أظهروا منذ البداية «تراجعهم» عن القيام بالمهمات الموكّلة إليهم، لاسيما فيما يخص فرض النظام واستتباب الأمن. بل ولم يفعلوا أي شيء يُذكر حيال ما كان يُرتكب أمامهم من أعمال سرقة وسطو مسلّح كان يقوم به ذوو الأصول الألبانية ومن تبقّى من الصربيين على حد سواء.
ما يؤكده المؤلفان أيضا هو أن موظفي الأمم المتحدة قد انكفأوا وتصرّفوا على أساس ذهنية «استعمارية» دون أن يعيروا اهتماما حقيقيا لتطبيق التعليمات التي تنص عليها المهمة الموكولة لهم.
المهم هو أن تصل لهم مرتباتهم وينالوا الامتيازات الناجمة عن وضعيتهم القانونية دون أي اهتمام بالمصير الحقيقي للسكان وبمعاناتهم اليومية. هكذا مثلا يتم التأكيد أن عملية انقطاع التيار الكهربائي في كوسوفو غدت بعد عدة سنوات من وجود الموظفين «الأمميين» أسوأ مما كانت عليه قبل الحملة العسكرية الأطلسية.
الصورة التي يتم تقديمها لكوسوفو في ظل الإدارة المدنية المؤقتة هي صورة قائمة. لكنها تلقي الضوء على ما يجب التركيز عليه في أية مهمة دولية. وقد حدد المؤلفان ذلك خاصة بضرورة تحديد إعادة الأمن وسلطة القانون كمهمة لها الأولوية في أية مهمة دولية شبيهة بكوسوفو،
وأيضا بضرورة تحديد الأهداف بشكل دقيق منذ البداية، وليس ترك الأمور للتأويلات كما هو الحال بالنسبة لمسألة استقلال كوسوفو والتي كانت وراء اندلاع موجة العنف في شهر مارس 2004 كما زادت من خطورة حالة عدم الاستقرار في المنطقة كلها.
وإذا كانت المجموعة الدولية قد اتخذت إجراءات حاسمة حيال بعض رجال السياسة في البوسنة لإعاقتهم مسيرة السلام، فإنه لم يحدث أي شكل من هذا القبيل في كوسوفو، كما يشير المؤلفان وحتى حيال بعض «رجال العصابات» المحليين. وبهذا المعنى تصرّفت على أساس «مكيالين ومعيارين».
ويعتبر المؤلفان أن أحد الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة المدنية المؤقتة التي «نصّبتها» الأمم المتحدة في كوسوفو، يكمن في تنظيم انتخابات في الإقليم قبل أن تتم تهيئة الأجواء لإمكانية انتصار التيارات المعتدلة فيها. والنتيجة كانت هي فوز «سادة الحرب» المحليين الذين ينتمون إلى عالم المافيات أكثر من انتمائهم إلى عالم السياسة.
وهؤلاء أصبحوا يتمتعون أيضا ب«الشرعية» التي أعطتها لهم صناديق الاقتراع بينما لم يكونوا يتمتعون قبل ذلك سوى ب«شرعية» القوة. باختصار إن الذين فرضوا أنفسهم ب«القوة» أثناء الحرب الأهلية هم أيضا الذين فرضوا أنفسهم عبر «الانتخاب».
لعلّ أهمية هذا الكتاب تكمن في كون أنه يقدم في الوقت نفسه عملية توصيف دقيقة «وثائقية» لإقليم كوسوفو في فترة ما بعد التدخل العسكري للحلف الأطلسي. التدخل الأميركي في واقع الأمر، وأيضا يقدم تحليلا لمفهوم «التدخل العسكري» لأسباب «إنسانية» في أية منطقة من العالم. دروس تجربة التدخل العسكري في كوسوفو وأسباب فشلها.
*الكتاب:السلام بأي ثمن، كيف فشل العالم في كوسوفو
*الناشر: جامعة كورنيل 2006
*الصفحات:328 صفحة من القطع المتوسط
Peace at any price : how the world failed Kosovo
Cornel University Press 2006
P. 328
