مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفلاماندي أندريه دوفري المقيم في انجلترا والذي يكتب بالانجليزية. وهو يقدم هنا كتابا يحتوي على معلومات عديدة وتحليلات مضيئة عن الجزء الشمالي من بلجيكا والمدعو بمنطقة الفلاندر، وشعبها يدعى بالشعب الفلاماندي.
ويجيء هذا الكتاب في وقته لأن المشكلة البلجيكية اندلعت مؤخراً من جديد. وشبح الانقسام أصبح يخيم على هذا البلد الذي كنا نعتقد أنه موحد إلى الأبد. فقد ابتدأت نشرات الأخبار تتحدث عن اندلاع المشاكل بين المنطقتين الأساسيتين اللتين تشكلان الاتحاد الفيدرالي البلجيكي، أي منطقة الفلاندر الشمالية، ومنطقة الفالونيا الجنوبية.
وأساس الصراع ليس دينيا ولا مذهبيا وإنما هو لغوي. فمنطقة الفلاندر تتحدث اللغة الفلامندية القريبة من اللغة الهولندية. هذا في حين أن منطقة الفالونيا المحاذية لفرنسا تتحدث الفرنسية. وهذا الصراع اللغوي هو الذي يلغم الوحدة البلجيكية منذ سنوات طويلة.
ويرى المؤلف أنه قد يؤدي إلى تقسيمها إذا ما استمرت الأمور على هذا النحو. فمن كان يتوقع أن تصبح بلجيكا مهددة بالتقسيم؟ لقد أصبح الخبراء يتحدثون عن عدة سيناريوهات. فالبعض يقول إنه إذا ما انفصل شمال بلجيكا عن جنوبها فإنه سيلتحق بهولندا المجاورة التي تجمعه بها وحدة اللغة.
وسيلتحق جنوب بلجيكا بفرنسا الذي تجمعه بها أيضا وحدة اللغة. وهكذا تصبح بلجيكا (كدولة) في خبر كان. ولكن البعض الآخر يقولون بأن هذا ليس مؤكدا. فقد تشكل منطقة الفلاندر دولة مستقلة بحد ذاتها لأنها تحتوي على ستة ملايين شخص أي 60 بالمائة من سكان بلجيكا. وهناك دول في العالم لم يقل عدد سكانها عن ستة ملايين نسمة.
يضاف إلى ذلك أن منطقة الفلاندر مزودة بالمؤسسات السياسية الضرورية لتشكيل دولة منذ زمن طويل. ففيها برلمان محلي وحكومة محلية وإدارة ذاتية داخل الفيدرالية البلجيكية. وبالتالي فكل شيء جاهز للانقسام.
وإذا ما حصل هذا الانقسام فإن الفوضى لن تشيع في مناطق الشعب الفلامندي لسبب بسيط: هو أن هذه المؤسسات السياسية والإدارية موجودة ويمكن أن تمارس عملها فورا لخدمة السكان وتأطيرهم. وبالتالي فلماذا الخوف؟ فبلجيكا دولة فيدرالية حديثة وذات مؤسسات راسخة. ومنطقة الفالونيا الناطقة بالفرنسية تمتلك أيضا المؤسسات المحلية نفسها داخل الاتحاد البلجيكي.
ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن تاريخ منطقة الفلاندريين كان محكوما منذ تأسيس بلجيكا عام 1830 بالنضال من أجل المساواة الثقافية مع منطقة الفالونيين الفرانكوفونيين. فبلجيكا أسست في الواقع من قبل الجماعة الناطقة بالفرنسية. وهذه الجماعة كانت على مدار التاريخ تنظر باحتقار إلى منطقة الفلاندريين ولغتهم وثقافتهم. وكانت تعتبر أن الثقافة الوحيدة لبلجيكا هي تلك المكتوبة والناطقة بالفرنسية فحسب.
هذا الوضع أثار حفيظة الفلامانديين فراحوا يناضلون من أجل كسب الاعتراف بلغتهم وثقافتهم. نقول ذلك وبخاصة أنهم يشكلون أغلبية سكان بلجيكا. فعددهم ستة ملايين كما ذكرنا في حين أن عدد الناطقين بالفرنسية من البلجيكيين لا يتجاوز الأربعة ملايين.
ولكن هناك فئة ثالثة من فئات الشعب البلجيكي لا أحد يتحدث عنها نظرا لصغرها: هي فئة الجرمانيين، أي الناطقين باللغة الألمانية، وعددهم لا يتجاوز السبعين ألفا. وهم يراقبون الآن بنوع من السخرية وكذلك الحذر وألزمت مجريات الصراع بين الفئتين الأكبر في البلاد: أي فئة الناطقين بالفلامندية وفئة الناطقين بالفرنسية. وإذا ما حصل تقسيم لا سمح الله فسوف ينضمون إلى ألمانيا المجاورة لهم أو ستضمهم هي إليها.
ثم يضيف المؤلف ما معناه: بما أن اللغة الفرنسية ذات شهرة عالمية فإنها استطاعت أن تفرض هيمنتها على بلجيكا طيلة السنوات السابقة. واستطاعت تهميش اللغة الفلامندية أو بالأحرى الهولندية. ولكن زمن الهيمنة والاحتقار ولّى.
فالشعب الفلامندي يطالب بحقوقه وقد انتزع الكثير منها على مدار العقود السابقة. فمثلا أصبحت أسماء المحطات والمطارات والمؤسسات العامة في بلجيكا تكتب بكلتا اللغتين الفرنسية والفلامندية بعد أن كانت تكتب فقط بالفرنسية. وهذا ما يلاحظه الزائر ما إن يدخل إلى محطة بروكسل للقطارات.
والواقع أن أغلبية سكان منطقة الفلاندر المحاذية لهولندا يشعرون بأنهم هولنديون أكثر مما هم بلجيكيون. ويحلمون بالانفصال والعيش المشترك فيما بينهم. ولا شيء ينقصهم لتحقيق ذلك فهم يمتلكون حكومة
خاصة بهم وإدارة وبرلمانا غير إدارة الدولة الفيدرالية البلجيكية وبرلمانها. كما ويمتلكون ثقافتهم الخاصة ومحطات تلفزيون وراديو ناطقة بلغتهم لا بالفرنسية على عكس التلفزيون الرسمي الفيدرالي. بالطبع فإن هذا التلفزيون يبث البرامج باللغة الفلامندية أيضا ولكن تغلب عليه الفرنسية.
وهناك أدب فلامندي عالي المستوى، ولكنه غير مقروء إلا في منطقة الفلاندر وهولندا المجاورة إليها تشاركها اللغة نفسها. ويبدو أن هناك حركة شعرية كبيرة أيضا وكذلك حركة فنية من أعلى طراز.
ولكن الشيء المؤسف هو أنك لا تستطيع الاشتهار على مستوى عالمي إذا كنت تكتب بلغة صغيرة أو محدودة الانتشار. ينبغي أن تكتب بالفرنسية أو بالانجليزية أو الروسية أو العربية، الخ لكي ينتشر أدبك على نطاق واسع. وهذه المشكلة التي يعاني منها الكتاب الفلامنديون.
ينبغي العلم بأن منطقة الفلاندر هي من أجمل مناطق بلجيكا إن لم تكن أجملها. السبب هو أنها الوحيدة التي تطل على البحر، بحر الشمال. وهي ذات سهول واسعة مشهورة وزراعات وخضروات كبقية أراضي أوروبا الغنية.
وينبغي العلم أيضا بأن العاصمة بروكسل واقعة في أراضيها. ولكن على الرغم من ذلك فإن بروكسل ناطقة بالفرنسية بنسبة 80 بالمائة ولم يبق للفلامنديين إلا 20 بالمائة منها. وهنا تكمن إحدى تناقضات الوضع البلجيكي، والسبب هو أن الدولة الفيدرالية البلجيكية عندما تشكلت عام 1831 اعتمدت الفرنسية كلغة رسمية وحيدة وتجاهلت اللغة الفلامندية.
وهذا ما أدى إلى تعلم الفرنسية من قبل معظم أبناء الشعب وتهميش اللغة الأخرى. يضاف إلى ذلك أن بروكسل أصبحت فيما بعد عاصمة الاتحاد الأوروبي. وبالتالي فكانت بحاجة إلى لغة عالمية كالفرنسية لا إلى لغة محلية كالفلامندية التي لا يفهمها أحد خارج منطقة الفلاندر وهولندا بطبيعة الحال.
كل هذه الأسباب أدت إلى نجاح الفرنسية وانتشارها حتى داخل مناطق الفلاندر الشمالية. فالنخب السياسية والثقافية تبنتها وأصبحت تتكلم وتكتب بها.
ثم يضيف المؤلف قائلا: ولكن الشعب الفلامندي لم يستسلم للأمر الواقع، فراح يناضل من أجل نيل حقوقه المشروعة. واستطاع بعد صراعات طويلة أن يفرض لغته بمثابة لغة رسمية للبلاد كالفرنسية. وبما أن مناطقه كانت متخلفة اقتصاديا نظرا لتمركز جميع المصانع تقريبا في جنوب بلجيكا فإنه ناضل أيضا من أجل تطوير مناطقه.
ونجح في ذلك نجاحا باهرا. فقد أصبحت منطقة الفلاندريين الآن متطورة جدا بل وأكثر تقدما من منطقة الفالونيين الناطقين بالفرنسية والذين يسكنون الجزء الجنوبي من بلجيكا. وعلى هذا النحو فرض الفلامنديون أنفسهم على الدولة البلجيكية وطالبوها بإلغاء القوانين العنصرية ضدهم.
ومعلوم أن معظم الموظفين الكبار في إدارات الدولة ومعظم الوزراء كانوا من الناطقين بالفرنسية ومن منطقة الفالونيا بالذات. ولكن هذا الوضع تغير في السنوات الأخيرة بفضل نضال النخبة المثقفة الفلامندية.
ومؤخرا أصبح الفلامنديون أقوى في بلجيكا من الفالونيين. ولذلك رفعوا رأسهم وهددوا بتشكيل دولتهم الخاصة بهم والانسحاب من الفيدرالية البلجيكية. ولكن الأمور لم تصل إلى نقطة القطيعة بعد. وليس مؤكدا أن بلجيكا ستزول كدولة عن الخارطة.
*الكتاب:منطقة الفلاندر
*الناشر:مطبوعات جامعة أوكسفورد 2007
*الصفحات : 256 صفحة من القطع الكبير
Flanders : a cultural history
Oxford University Press2007
P.256

