مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الانغلوساكسونية شيري بيرمان أستاذة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا بنيويورك. وهي مختصة بالسياسة الأوروبية والتنمية الاقتصادية والمقارنة بين مختلف الأنظمة السياسية الأوروبية والأميركية.
وكان أول كتاب لها مكرسا لدراسة كيفية نشوء الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا وبخاصة في السويد وألمانيا. ثم واصلت أبحاثها في نفس المجال ونتج عن ذلك كتابها الأخير الذي توصلت فيه إلى نتائج جديدة.
ومنذ البداية تطرح الباحثة الانجليزية السؤال التالي: لماذا تراوح تاريخ أوروبا منذ عام 1914 بين فترتين مختلفتين ومتناقضتين؟ بين الحربين العالميتين سادت الفوضى والأزمات والمنافسات بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الفاشية.
وبعد الحرب العالمية الثانية شهدت أوروبا الغربية ولمدة ستين سنة متواصلة، أي حتى الآن، نوعا من الاستقرار المدهش والرفاهية الاقتصادية التي لا مثيل لها. فما هو سر هذا النجاح الاقتصادي والاستقرار السياسي يا ترى؟
تقول المؤلفة مجيبة: على هذا السؤال هناك جوابان لا جواب واحد، الأول يقول إن هذا الازدهار ناتج عن انتصار الديمقراطية على أعدائها. فقد انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة الفاشية على طريقة موسوليني والنازية على طريقة هتلر.
ثم بعد ذلك بعدة عقود من السنين انتصرت الديمقراطية الليبرالية على الشيوعية الستالينية وأطاحت بالاتحاد السوفييتي. وبالتالي لم يبق في الميدان إلا حديدان: أي الأنظمة الديمقراطية الليبرالية والدستورية.
وهذا الشيء لم يكن مؤكدا في البداية. إنها لمعجزة أن تنتصر الديمقراطية الليبرالية على أعدائها. ففي القرن التاسع عشر ما كان كبار المفكرين يتنبأون بكل هذا المصير السعيد. من المعلوم أن الليبراليين من الفيلسوف الفرنسي توكفيل إلى المفكر الاقتصادي الانجليزي هايك كانور يعتقدون أن الديمقراطية القائمة على الانتخابات الحرة سوف تسقط في أيدي الجماهير الجاهلة التي لا تعرف معناها ولا قيمتها. لماذا؟
لأن عدد هذه الجماهير غير المتعلمة أو غير المثقفة أكبر من عدد الليبراليين الديمقراطيين المستنيرين. وأما الماركسيون المعادون للفلسفة الليبرالية فكانوا يتوقعون الشيء ذاته ولكن لأسباب مختلفة. كانوا يقولون بأن الرأسمالية القائمة على اقتصاد السوق الحرة والليبرالية الديمقراطية سوف تنهار بفعل نضال طبقة العمال البروليتارية.
فهذه الطبقة لن تقبل بوضعية الاستغلال إلى الأبد. وبالتالي فسوف تطيح عاجلا أو آجلا بالنظام الليبرالي الديمقراطي إما بالوسائل السلمية وإما عن طريق الثورة والعنف. ولكن لحسن الحظ فإن هاتين الاحتماليتين لم تحصلا. فالديمقراطية عرفت كيف تتصالح مع اقتصاد السوق ولم تدخل في نزاع تدميري معه كما كان متوقعا.
والرأسمالية القائمة على اقتصاد السوق عرفت كيف ترفع من مستوى الطبقة العاملة ولم تفقرها إلى الحد الأقصى كما تنبأ الماركسيون ولم تجّوعها. على العكس لقد أمّنت لها الحد الأدنى من المعاش بل ورفعت مستواها المعيشي والاستهلاكي إلى درجة مرضية. ولهذا السبب فإن الثورة على الرأسمالية لم تحصل في أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية.
ومن لعب الدور الأكبر في هذا التطور الكبير الناجح؟ إنه الاشتراكية الديمقراطية في رأي المؤلفة. فهي التي صالحت بين الرأسمالية والطبقة العاملة، أو بين الرأسمالية والعدالة الاجتماعية. وحفظت بذلك السلام المدني في كافة المجتمعات الليبرالية الغربية.
وتضرب المؤلفة على ذلك مثلا ما حصل في البلدان الاسكندنافية حيث سيطرت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على السلطة لفترة طويلة من الزمن. فهي التي أمّنت الرفاهية الاقتصادية ونظام الضمان الاجتماعي لكل المواطنين بدون استثناء.
وفي ذات الوقت لم تتخل عن الاقتصاد الحر والنظام الليبرالي. ولكنها تدخلت فيه وعدلت منه لصالح الطبقات الشعبية في المجتمع. لقد عرفت كيف توزع الثروة على الجميع فلا تبقى كلها في أيدي حفنة من الرأسماليين الكبار.
ومعلوم أن السويد تضرب كمثل على هذا النجاح وتعتبر الدولة التي حققت الرفاهية لجميع سكانها بفضل سياستها الديمقراطية والاشتراكية على حد سواء. وأثبتت بذلك أنه يوجد خط وسط بين النظام الشيوعي التوتاليتاري والنظام الرأسمالي الظالم الذي لا يرحم. هناك خط الاشتراكية الديمقراطية التي تؤدي إلى توزيع الثورة بشكل عادل أو شبه عادل على الجميع.
فلا بأس من أن نأخذ بعض فائض أموال الرأسماليين وشركائهم ونوزعه على الفقراء وذوي الدخل المحدود. وعندئذ لا يعود هناك من فقير في المجتمع. وهكذا تنتفي مشاعر المرارة والحقد على الطبقات الغنية في أوساط الطبقات الشعبية ولا يعود أحد يفكر في قلب نظام الحكم عن طريق الثورة المسلحة.
وترى المؤلفة أن النظام السويدي خصوصا والاسكندنافي عموما أصبح النموذج الذي تحتذيه وتقلده معظم دول أوروبا. ولكن المجتمع الأمريكي لا يزال رأسماليا أكثر من اللزوم بحسب رأي المؤلفة. والسبب هو السياسة الرأسمالية الفاحشة التي انتهجها ريغان وسار على خطاه فيما بعد جورج دبليو بوش.
ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن مارغريت ثاتشر المشهورة بتعاطفها مع الرأسماليين وكرهها للطبقات العمالية والشعبية. ومعلوم أنه اندلع في عهدها أطول إضراب عمالي في تاريخ البلاد. وكاد أن يشل انجلترا كلها، ولم تتراجع المرأة الحديدية حتى آخر لحظة.
ولكن لحسن الحظ انكلترا فإن الاشتراكية الديمقراطية خلفتها على الحكم في شخص شاب طموح يدعى: توني بلير. فقد استطاع هذا الرجل بذكائه وألمعيته أن يقلّص نسبة الفقر إلى حد كبير في المجتمع البريطاني.
وكل ذلك بفضل اتباع الخط الثالث: أي الخط الذي يتحاشى تطرفات الشيوعية وتطرفات الرأسمالية على حد سواء. وهكذا أعاد للمجتمع البريطاني ثقته بنفسه وصالح الطبقات الاجتماعية ببعضها البعض. ولذلك استطاع أن يبقى في الحكم عشر سنوات متواصلة.
ثم تضيف المؤلفة قائلة: بل وحتى في فرنسا نلاحظ أن الاشتراكية الديمقراطية هي التي أنقذت البلاد من اليمين الرأسمالي الذي كان يحكمها على مدار التاريخ الحديث ما عدا فترة قصيرة إبان الجبهة الشعبية التي قادها ليون بلوم. فوصول فرانسوا ميتران إلى السلطة أدى إلى تصالح الاشتراكية الفرنسية مع الاقتصاد الرأسمالي الحر.
وهكذا تحاشت فرنسا الثورة العنيفة التي كانت متوقعة من قبل معظم المثقفين ذوي التوجه اليساري الماركسي. نعم لقد صالح النظام الاشتراكي بين الطبقات الاجتماعية عن طريق إعطاء بعض الحقوق للفئات الشعبية والطبقة الوسطى أيضا.
ونلاحظ الآن أن الحزب الاشتراكي الفرنسي قد تخلى عن ماركسيته السابقة وتصالح مع اقتصاد السوق بعد أن كان يعاديه منذ بداية القرن العشرين. واكتشف الجميع أن الخط الاشتراكي الديمقراطي هو الحل الأنجع. بل وتشكلت في القرن العشرين الأممية الاشتراكية التي تجمع معظم الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في العالم.
وهي تعقد مؤتمراتها السنوية كل عام للتناقش في شؤون الاقتصاد والسياسة وكيفية تحجيم الرأسمالية وامتيازاتها المجحفة. وبالتالي فالمستقبل هو لخط التطور المعتدل والإصلاحي الذي وإن كان لا يقضي على التفاوتات الطبقية داخل المجتمعات الرأسمالية إلا أنه يقلّصها إلى أكبر حد ممكن. ثم إنه يؤدي إلى تقديم بعض التنازلات الهامة للطبقات الشعبية المحرومة.
*الكتاب:أولوية السياسة الديمقراطية الاشتراكية وصياغة وجه أوروبا في القرن العشرين
*الناشر:مطبوعات جامعة كامبردج - 2007
*الصفحات :218 صفحة من القطع الكبير
The primacy of politics social democracy and the making of Europe's twentieth century
Cambridge University Press2007
P. 218

