هذا كتاب جماعي جرى إنجازه في إطار نشاطات «المرصد الفرنسي للأوضاع الاقتصادية» الذي تأسس عام 1981 وتشرف عليه المؤسسة الوطنية الفرنسية للعلوم السياسية. مهمة المركز هي دراسة الاقتصاد الفرنسي والاقتصادات الأجنبية وأوضاعها الراهنة وبناها وآفاقها وتوجهاتها المستقبلية. وقد أشرف على إنجازه اريك هايير، الباحث في المرصد إلى جانب العديد من الباحثين الآخرين.
تتوزع مواد الكتاب بين قسمين رئيسيين يخص الأول منهما «تحليل تاريخي واستشرافي» للاقتصاد الفرنسي الذي تتم دراسته منذ نصف قرن من الزمن. أي منذ الفترة المسماة ب«الثلاثينات المجيدة» بعد الحرب العالمية الثانية حتى تفشّي ظاهرة البطالة التي تطال حوالي 10 بالمئة من القادرين على العمل في فرنسا.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن العالم الغربي كله كان قد عرف فترة من الازدهار الاقتصادي الكبير بعد الحرب العالمية الثانية بفضل مسيرة التجديد التكنولوجي وما ترتب عليه من زيادة في الإنتاجية.
لكن الصدمة البترولية الأولى عام 1973 على خلفية حرب 1973 بين العرب وإسرائيل كبحت ذلك الازدهار الاقتصادي. هكذا شهد عام 1975 «انحسارا» اقتصاديا على الصعيد العالمي بحيث تراجع معدّل النمو الاقتصادي إلى أقل من 3 بالمائة سنويا حتى عام 1979.
في الوقت نفسه تعاظمت نسبة التضخم كثيرا. أمام ذلك الواقع المزدوج المتمثل في وجود تضخم كبير ونمو اقتصادي ضعيف أظهرت السياسات الاقتصادية في أوروبا والعالم الغربي عدم قدرتها على إيجاد حلول ناجعة، لاسيما وأن معدّل البطالة قد وصل في عام 1973 إلى 8 بالمائة بينما لم يكن سوى حوالي 3 بالمائة خلال سنوات الستينات. كانت تلك سمات عامة في الغرب الرأسمالي كله.
وتعتبر التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب أن الأوضاع الاقتصادية الأوروبية والأمريكية «افترقت» انطلاقا من بداية عقد الثمانينات الماضي، وذلك على قاعدة تبني توجهات مختلفة على صعيد السياسات الاقتصادية.
لقد انتهجت الولايات المتحدة سياسة نقدية متحررة من المستلزمات الخارجية مما شجع استئناف النمو الاقتصادي اعتبارا من النصف الثاني لعقد الثمانينات وبالتالي انحسار ظاهرة البطالة. كانت الريغانية ـ نسبة للرئيس رونالد ريغان ـ قد حققت نجاحا اقتصاديا أفضل بكثير مما عرفته السياسات «غير المنسّقة فيما بينها بأوروبا». هكذا أصبح «الفارق كبيرا بين معدّل البطالة في أميركا ونظيره في أوروبا.
ما يؤكده اريك هايير في تحليله «التاريخي والاستشرافي» هو أنه من المفروض أن يعرف الاقتصاد الفرنسي نموا بمعدل 1. 2 بالمائة بالنسبة لعام 2007 مقابل 2. 2 بالمئة في عام 2006. وهاتان النسبتان تشكلان نوعا من «القفزة» بالقياس إلى عام 2005
حيث دلّت إحصائيات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء أن النمو في تلك السنة كان 4. 1 بالمائة فقط، هذا رغم «الهبّة» التي عرفها عام 2004. وكان عام 2003 هو الأضعف و«الأكثر تخييبا للآمال» منذ ذروة التقهقر الاقتصادي الفرنسي عام 1993.
وعلى سؤال: «ضمن أي مقياس يمكن أن يكون النهوض الاقتصادي مستداما في أفق عام 2007 وكيف يمكن تفسير تباطؤه في المرحلة السابقة؟» يقدم المؤلف عدة تفسيرات في مقدمتها السعر المرتفع لليورو، «العملة الأوروبية الموحّدة التي تبنّتها فرنسا مع مجموعة من الدول الأوروبية الأخرى»، مقابل الدولار الأمريكي، والليونة التي تتسم بها سياسة الميزانية والسياسة النقدية التي تبنّاها البنك المركزي الأوروبي يمكنها أن تكون كلها أسبابا كابحة للاقتصاد.
لكن لا بد أيضا لمعرفة الأسباب الحقيقية للركود من تحليل الأسباب التي جعلت النمو في أوروبا «أقصر من حيث الاستمرارية الزمنية» و«أضعف من حيث المردودية» مما هو في الولايات المتحدة الأميركية، كما يشير المؤلف مؤكدا بنفس الوقت على ضرورة النظر عن قرب ب«خيارات السياسات الاقتصادية» ومدى فاعليتها.
إن التحليلات المقدّمة للاقتصاد الفرنسي في جميع مكوناته تعتمد على معطيات عامي 2006 و2007، لكنها تضع هذه المعطيات في سياق التطورات التي أدت إليها على مدى عدة عقود سابقة، وهذا على مدى القسم الأول من الكتاب.
ويؤكد المساهمون في هذا العمل أن واقع الزيادة الكبيرة في سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأميركي وزيادة أسعار البترول يمكنهما وحدهما أن يفسرا، إلى درجة كبيرة، النتيجة السيئة التي عرفتها التجارة الخارجية الفرنسية منذ عام 2003، لكنهما بالمقابل لا يفسران واقع وأسباب أن فرنسا هي البلاد التي جنت أقل الفوائد في منطقة اليورو كلها من «دينامية الطلب العالمي».
ويتم التأكيد في هذا الإطار على أن الأسباب العميقة لذلك ينبغي البحث عنها في «التوجه الجغرافي» وفي «التركيز على قطاعات محددة». ذلك أن فرنسا قد ركزت كثيرا في مبادلاتها التجارية على منطقة اليورو جغرافيا،
كما ركزت على القطاعات الأقل طلبا عليها من قبل البلدان الصاعدة، مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا. وبالنتيجة لم تستفد فرنسا كثيرا ـ على عكس ألمانيا ـ من حالة النهوض الاقتصادي اعتبارا من الفصل الثاني عام 2003 في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة في آسيا وبلدان الشرق.
كذلك تؤكد التحليلات المقدّمة على عامل آخر في عدم ازدهار التجارة الخارجية الفرنسية ويتمثل في تخصصها المركّز على قطاع الصناعات الفضائية وفي بعض السلع الاستهلاكية ذات الأسعار العالية. وقد أدّى ذلك «التركيز» على القطاعات المعنية إلى تأثر فرنسا أكثر من شركائها عند نشوب أزمة القطاع الجوي إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن وأيضا تأثرها بسبب ارتفاع سعر اليورو ومما أضعف قدرتها على المنافسة.
ويحمّل المساهمون في هذا الكتاب ألمانيا وسياستها الاقتصادية منذ عام 2003 مسؤولية جزئية في خسارة فرنسا لجزء من حصتها من السوق لا يمكن اعتبار التوجه الجغرافي وزيادة سعر اليورو بمقابل الدولار مسؤولين عنها. نقرأ: «حسب حساباتنا كانت تلك السياسة ـ الألمانية ـ سببا في نصف خسائر فرنسا من حصصها في الأسواق خلال العامين الأخيرين».
وقد تمثل الإجراء الرئيسي في السياسة الاقتصادية الألمانية المعنية في «تخفيض أجور العاملين» و«تحسين العرض». ومع ذلك تميل التقديرات نحو التفاؤل بالنسبة لعام 2007 ولكن قد تصل نسبة العجز العام إلى 1. 3 بالمئة مقابل 9. 2 بالمائة بالنسبة لعام 2006.
وبشكل إجمالي أيضا تشير التحليلات المقدّمة إلى أن فرنسا، سوف تتابع تحسين وضعها الاقتصادي خلال الأعوام القادمة وبمعدلات نمو أعلى من شركائها الأوروبيين وخاصة من ألمانيا ومن إيطاليا، أي أكبر منافسين على صعيد القارة الأوروبية كلها مع بريطانيا.
ثم إن فرنسا قد حققت خلال السنوات العشر الأخيرة فائضا سنويا في اقتصادها يعادل 4. 0 نقطة بالقياس إلى مجموع بلدان منطقة اليورو ويعادل نقطة بالقياس إلى الشريكين الرئيسيين الألماني والإيطالي.
إن المسؤول الأول عن هذا التحسن يتم تحديده في التحليلات المقدمة ب«الدينامية الكبيرة في الطلب الداخلي». لكن استمرار تزايد أسعار برميل البترول يؤدي إلى الخوف من استئناف التضخم من جديد. لكن تسارع هذا التضخم لم يظهر حتى الآن بصورة ملموسة.
في الوقت نفسه تشير التوقعات المقدّمة إلى أن انخفاض نسبة العاطلين عن العاملين سوف يستمر، الأمر الذي سوف يسهّل عليه واقع قلة تزايد عدد «الوافدين» إلى سوق العمل. كما سيساعد على ذلك أيضا «تنشيط» سياسة إيجاد فرص العمل والتي كان قد بُدئ بها اعتبارا من عام 2005 واستمرت في عام 2006.
وإذا كان التفاؤل هو السمة الرئيسية للتحليلات المقدّمة في هذا الكتاب بالنسبة للاقتصاد الفرنسي خلال السنوات القريبة القادمة، فإن ذلك لا يمنع القول بوجود عدد من «المخاطر». والقسم الأكبر من هذه المخاطر يعود إلى المحيط الدولي مثل نشوب أزمة كبرى على صعيد الطاقة أو التباطؤ الكبير في النمو الاقتصادي على المستوى العالمي أو الانهيار الكبير والمديد لسعر الدولار في علاقته مع اليورو والعملات الرئيسية الأخرى، الخ.
وقد خلصت التحليلات إلى القول أن «المنظورات الإيجابية الخاصة بزيادة معدّل النمو الاقتصادي في فرنسا لعام 2007 بنصف نقطة يمكن أن لا تتم ترجمتها إلى واقع، بل وتبدو أنها منظورات خاطئة إذا استمر سعر برميل النفط على مستوى 70 دولارا وإذا وصل سعر اليورو إلى 40. 1 دولار».
في القسم الثاني ـ الصغير ـ من الكتاب يتم التعرّض لبعض الملفات المحددة على ضوء الشروحات المقدمة في القسم الأول. هكذا وفي الملف الأول الخاص ب«الحد الأدنى من الدخل الاجتماعي» المتعلق بتأمين سبل العيش الجميع يتم التأكيد على ضرورة تقديم «إجابات ملائمة للاحتياجات الخاصة». أي بمعنى البحث عن «أقلمة السياسة الاجتماعية بأفضل شكل ممكن مع احتياجات المواطنين» وليس تبنّي النظام القائم على «المساعدة»... وإنما تعزيز الحوافز المشجعة على العمل.
ويتم التأكيد في ملفات «عيانية» أخرى على ضرورة إجراء «إصلاح ضرائبي» ومعالجة مشكلة «نقل الشركات الفرنسية» لنشاطها إلى بلدان أقل كلفة من حيث الإنتاج. الفكرة الرئيسية المطروحة حيال هذه القضية تتمثل في التأكيد على ضرورة التنسيق بين «الإستراتيجيات الوطنية» لكل بلد و«الإستراتيجيات الأوروبية».
في المحصلة كتاب عن اقتصاد فرنسا خلال الخمسين سنة الأخيرة، ولكن أيضا وأساسا منظوراته المستقبلية في إطار الاقتصاد الأوروبي الأشمل... وكل المعلومات مدعّمة بالأرقام.
*الكتاب: الاقتصاد الفرنسي لعام 2007
*الناشر:لاديكوفيرت ـ باريس 2007
*الصفحات:124 صفحة من القطع الصغير
L'économie française 2007
La Découverte - Paris 2007
P.124
