بعد ست سنوات من انطلاق رواية ريتشارد روسو «الإمبراطورية تسقط» التي فازت بجائزة بوليتزر، يعود إلينا اليوم بروايته «جسر التنهدات» التي توسع بشكل أكبر نطاق انجازه الذي حظى بتقدير كبير.

ونحن في هذه الرواية الجديدة مع لويس تشارلز لينش الذي أمضى كل سنوات عمره الستين في مدينة توماستون الصغيرة الواقعة في شمالي ولاية نيويورك، وتزوج من المرأة نفسها، سارة، على امتداد أربعين عاماً، وقد أصبح ابنهما رجلاً كبيراً ناضجاً متزوجاً بدوره.

ولويس، شأن أبيه الراحل المحبوب، رجل متفائل، على الرغم من أنه ليست لديه أسباب تدعو إلى ذلك، وفي مقدمتها أمه التي لا تزال تتشبث بالحياة في عناد. غير أن ذكاءها جنباً إلى جنب مع التفاؤل الذي يميز عائلة لينش هما اللذان أطلقا العائلة في المسار الصحيح وأجد «إمبراطورية» من المتاجر التي توشك على الانتقال إلى الجيل التالي.

ويستعد لويس وسارة كذلك للانطلاق في رحلة العمر إلى ايطاليا، حيث نفى أقدم صديق لهما، وهو فنان تشكيلي شهير، نفسه بعيداً عن أي شيء عرفاه في طفولتهما. وفي الحقيقة إن الطبيعة المحددة للصداقة التي تربطهم تشكل أحد الألغاز التي يأمل لويس في حلها في «التاريخ» الذي يكتبه عن بلدته وعائلته.

ومع تداخل قصته مع قصة نونان، الابن الذي هرب منذ وقت طويل، فإن المصائر التي تبنى حولهما وحول سارة أيضاً تمضي بلا هوادة مثيرة للدهشة باستمرار وكاشفة عن أسرار مذهلة طوال الوقت.

بهذا المعنى فإن «جسر التنهدات» هي رواية كلاسيكية من روايات روسو، تحفل بإيقاعات المدن الصغيرة ومطالب العائلة، ومع ذلك فإنه يتم توسيع نطاقها على نحو رائع من خلال تجارب وحوافز الفنان التشكيلي الذي أمضى حياته في ايطاليا. هكذا فإن القارئ يجد نفسه أمام بلدة وكذلك أمام عالم تحددهما تناقضات رائعة وتوشك أن تكون مدمرة.

هنا، على وجه الدقة يلفت الناقد جيفري فرانك نظرنا، في مقال مطول له حول الرواية نشرته مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة، إلى أن اللوحات التي يرسمها ريتشارد روسو للحياة في المدن الأميركية الصغيرة يمكن أن تقرأ ليس كروايات رائعة فقط، وإنما أيضاً كأدلة ثمينة تقود خطانا إلى التراجع الاقتصادي الذي تعرض له الشمال الشرقي لأميركا.

وقد نشأ روسو في جلوفرزفيل بولاية نيويورك، التي استمدت اسمها من القفازات التي لم تعد تنتج هناك، ويمكن العثور على جانب كبير من ملامح جلوفرزفيل في منتصف القرن العشرين في رواياته الأولى، وبصفة خاصة «موهوك» و«مسبح المخاطر».

وهي تعاود الأطلال مجدداً في رواية «جسر التنهدات» وهي السجل الرائع للحياة في مدينة توماستون بولاية نيويورك، حيث يؤدي إفلاس المدابغ إلى تحويل كل شيء إلى أطلال. والسرد الروائي في هذا العمل، الذي يغطي أكثر من نصف قرن، يتكشف من خلال عيني بوبي ماركوني أيضا، الصديق القديم للويس لينش،

وكذلك من خلال عيني سارة بيرج وهي فنانة موهوبة يتزوجها لويس وهي تحب بوبي أيضا. وتتقاطع حياة آل لينش وآل بيرج وآل ماركوني بطرق متنوعة، بعضها يوحي بالسعادة. وكل عائلة لها نصيبها من المخاوف والمتاعب، فوالد لويس وهو رجل خشن يعمل بحلب الأبقار يمضي بحياته إلى حياة سلاسل المتاجر التي ستصبح إمبراطورية،

أما عائلة بوبي ماركوني فإن الضرر يلحق بها على يد أب درج على الإساءة إلى كل من يحيط به، وتتحرك سارة بين أبوين، هما أب يعمل مدرساً وتساوره أحلام العظمة الأدبية وتحاصره فضيحة في ماضيه وأم تعيش في لونج آيلاند وتحيا حياة أبعد ما تكون عن المثالية.

ينسج روسو هذه المادة كلها ويضفرها معاً بثقة كبيرة، غارسا المفاتيح الدالة والعناصر المتفجرة بخبرة على امتداد النص، عارفاً متى وكيف سيتم استكشافها أو تفجيرها في الوقت المناسب. وتترتب على أحداث تعود إلى الصبا، مثل علقة ساخنة وغواية مجردة من الحب، عواقب تمتد طويلاً على امتداد العمر. وتصبح مدينة توماستون نفسها نوعاً من العائلة الممتدة، من بين أعضائها التعساء التي تواجه الدمار بالفعل.

هكذا فإن «جسر التنهدات» رواية حافلة بالشجن، والعنوان يشير إلى لوحة يعكف بوبي على انجازها، حيث يصبح فناناً تشكيلياً شهيراً، كما يشير إلى المعلم الشهير في مدينة البندقية الايطالية، وأيضاً إلى الحزن الذي يتخلل حتى حياة أكثر الناس شعوراً بالرضا.

ولويس، في غمار كتابته عن نفسه وعن مدينته المحتضرة التي يغلب على سكانها طابع ذوى الياقات الزرقاء، يعرب عن اعتقاده بأن فقدان مكان ليس مختلفاً بصورة حقيقية عن فقدان شخص. فكل منهما يختفي بلا إذن، تاركاً الذات وقد تقلصت، وغدت في حاجة إلى دليل وبرهان.

ويلفت نظرنا أن روسو لديه فهم عميق وحقيقي للطموحات المقموعة، والأسرار التي يحتفظ بها الناس، في بعض الأحيان للأبد. هكذا فإن «جسر التنهدات» تظل في كل صفحة من صفحاتها رواية حافلة بحياة تنتمي إلى ماضي أميركا القريب الذي لا يزال يواصل الاختفاء.

وبدورها تعرب الناقدة جانيت ماسلين في مقال لها عن هذه الرواية في مجلة «كريتيكس» عن اعتقادها بأنه ليس من الممكن وصف ما يقوم به روسو دون أن تزحفو إلى النصف كلمة «مراوغ»، ويرجع ذلك إلى أن جانباً كبيراً من رواية «جسر التنهدات» يدور حول التفاصيل الغريبة،

من التنافسات الصغيرة بين عائلتي لينش وماركوني إلى النزاع داخل عائلة لينش نفسها حول كيفية إدارة متجرها، ولكن في وسط كل هذه الأمور الصغيرة، تبرز الملامح والخطوط الكبيرة للرواية. وهي مستحضرة على نحو شديد الثراء ومصاغة بشكل جميل للغاية، وتقدم للقارئ في يسر خادع.

وبعض اللحظات الأكثر استعصاء على النسيان في هذا الكتاب تأخذ شكل القص الحاد والطريف. والبعض يظهر من خلال الرؤى الحدسية. وكل من الشخصيات الرئيسية لها جسر تنهدات منغرس في مكان ما من وعيها.

إن روبرت نونان يصل على جناحي إحدى لوحاته، وسارة تفصح عن نفسها من خلال الفن كذلك.ولويس موجود في حالة من شبه الوعي زحف إليها بحرص منذ ذلك الاضطراب الذي حدث في الطفولة. وهي حالة تغريه بالخروج من مدينة توماستون، بينما روسو يغري القراء بالدخول إليها.

اسمي لويس

«دعنا نبدأ بالحقائق أولا. اسمي لويس تشارلز لينش. وأنا في الستين من العمر، وعلى امتداد أربعين عاماً منها كنت الزوج المخلص وإن لم يكن شديد الاهتمام على نحو فظيع للمرأة الجميلة ذاتها، وكذلك والد أوين، ابننا، وهو الآن رجل ناضج ومتزوج. وهو وزوجته لم ينجبا، ويحتمل ويا للحسرة أن يظلا كذلك.

وفي وقت سابق من زواجنا بدا كما لو أننا سنسعد بابنة، ولكن حادثة سيارة عندما كانت زوجتي حاملاً في الشهر الرابع تسببت في فقدانها جنينها. وكان ذلك منذ وقت طويل، ولكن ساره لا تزال تفكر في الطفلة وكذلك أنا.ربما كان الشيء الأكثر بروزاً فيما يتعلق بحياتي هو أنني عشتها كلها في البلدة الصغيرة نفسها في شمالي ولاية نيويورك، وهو شيء لم يسمع به في هذا اليوم والعصر.

وقد انتقل والدا زوجتي إلى هنا عندما كانت طفلة صغيرة، وبالتالي فهي لها ذكريات قليلة للغاية قبل مدينة توماستون، وموقفها لا يختلف كثيراً عن موقفي. وبعض الناس، لدى علمهم بالكيفية التي عشنا بها حياتنا، يعجزون عن إخفاء أساهم علينا، حيث أن حياتنا محدودة للغاية على هذا النحو، كما لو أن تجربة مقتضبة جغرافياً بهذا الشكل لا يمكن أن تكون تجربة غنية ولا مرضية.

وعندما أؤكد لهم أنها تمتعت بهذين الجانبين معاً، فإن ابتساماتهم تشير إلى أن حياتنا مترعة بخداع الذات كأسلوب للتعويض عما فاتنا. وأنا أذكر مثل هؤلاء الناس بأنه حتى وقت جد قريب. كانت حياة غالبية كاسحة من الناس تحاصر بالطريقة ذاتها، وأن حياة الناس يمكن أن تحاصرها أمور كثيرة أخرى، كالعوز، المرضى، الجهل، الوحدة، والافتقار إلى الإيمان».

*الكتاب:جسر التنهدات

*الناشر:الفريد نوف - نيويورك 2007

*الصفحات:544 صفحة من القطع المتوسط

Bridge of Sighs

Alfred Knopf- N.Y.2007

544.P