حرص موقع باولز الثقافي الإلكتروني على إجراء هذه المقابلة مع الروائي الأميركي ريتشارد روسو بمناسبة صدور روايته السابعة بعنوان «جسر التنهدات» التي طال انتظار القراء لها ست سنوات منذ صدور آخر رواياته بعنوان «الإمبراطورية تسقط» التي فاز عنها بجائزة بوليتزر عام 2002.
حيث بادر إلى إلقاء الضوء على الجديد الذي يقدمه في هذه الرواية، التي لم يتردد في معرض التعقيب على العلاقة بين عنوانها وبين المعلم الشهير في مدينة البندقية بإيطاليا في القول إن لكل منا جسر تنهداته الذي يحلم بالوصول إليه يوماً، كما تطرق إلى جوانب من عالمه الروائي والعلاقة بين كتابة الرواية وانجاز سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية التي كتب بعضها مؤخراً. وفيما يلي نص الحوار:
* ما الذي تعنيه بالنسبة لك روايتك الجديدة «جسر التنهدات»؟
ـ أعتقد أنها الرواية التي ولدت لكي أكتبها، فعلى امتداد مسار طويل حافل بالمرح والإنسانية، تقدم هذه الرواية النطاق الكامل للتعبير عن الموضوعات التي كانت على الدوام كامنة في قلب أعمالي، وفي مقدمتها الصلة بالغة الأهمية بين الآباء والأبناء، اليأس الاقتصادي الذي يهيمن على أنشطة الأعمال في البلدات الصغيرة والنزاعات والصداقات التي تدوم طوال العمر، والتي تشكل المعالم الرئيسية
للحياة في المدن الصغيرة. وعلى امتداد هذا العمل نتتبع ثلاثة من أفضل الأصدقاء الذين نشأوا معاً في مدينة توماستون الصغيرة في شمالي ولاية نيويورك. وعلى امتداد خمسين عاماً ترصد الرواية جانباً من ألغاز الحياة الرئيسية، بما في ذلك تلك اللحظات غير المتوقعة في مقتبل العمر التي ستحدد للأبد حياة الأشخاص وهم كبار.
وستتركز بؤرة الاهتمام بصفة خاصة على لويس تشارلز لينش الذي ربطته حياة زوجية امتدت أربعين عاماً بزوجته سارة، وهما يقدر لهما أن يقطنا في الجزء المخصص للأثرياء من المدينة بفضل نجاح المتجر الذي ورثه تشارلز عن أبيه.
وبعد تخطيط يمتد طويلاً للقيام برحلة إلى البندقية، يحاول الاتصال بأفضل صديق له ولزوجته، وهو بوبي ماركوني الذي أصبح رساماً عالياً شهيراً يقيم في البندقية. وفي غضون ذلك نجد أن بوبي الذي يقترب من عامه الستين لا يزال منغمساً فيما دأب عليه.
من مطاردات للنساء ومشاجرات ومحاولات دائبة لإكمال أحدث لوحاته. هكذا فإن القارئ يجد نفسه أما جزئيات متحاورة من لوحات تقع في صميم الرواية لا تصور الشخصيات الرئيسية فحسب، وإنما كذلك عائلات هذه الشخصيات، وامتداداً المدينة الأميركية الصغيرة التي ينتمون إليها.
وهذه اللوحات هي في جوهرها الصحيح تحقيق للتداخل بين ذكريات الطفولة، حيث نجد في بعض الأحيان أن الذكرى الواحدة تروي من ثلاث وجهات نظر مختلفة، والأحداث المأساوية ومنها على سبيل المثال تحول النهر الذي كان يشكل دفق دماء حياة الصناعة المحلية إلى كيان نهري يشكل مصدراً لتسمم سكان المدينة، وأيضا الحوار الذي ينساب على امتداد الرواية طبيعياً، وطريفاً، ومؤثراً.
* هناك الكثير من الأرضية المشتركة بين هذه الرواية والروايات السابقة التي قدمتها للقراء من قبل، وخاصة فيما يتعلق بالمدن والبلدان الصغيرة. ولكن في رواية «الإمبراطورية تسقط» فإن النغمة العامة مختلفة، أكثر رقة ربما،
ولست أدري السر في ذلك على وجه الدقة، هل يعود الأمر إلى منظور الراوية، تلك العين المحلقة، ولكن الفصل الأول ينفتح وما يلز يطل عبر مين ستريت إلى المصنع المغلق من داخل «امباير جريل». إنها استهلالية أميركية تقليدية.
ـ أعتقد أن هذه الرؤية صحيحة. ورواية «مسبح المخاطرة» تسرد بضمير المتكلم، وأياً كان ما نراه في ذلك الكتاب، فإننا نراه من خلال عيني نيد هال. وهناك راوية كلي الحضور في رواية «الأحمق الغريب»، كما هي الحال في رواية «الإمبراطورية تسقط»،
ولكنك في رواية «الأحمق الغريب». لا يراودك الشعور بهذا الحضور الكلي، فالراوية يمكنه الذهاب إلى أناس مختلفين، ولكن في الغالب فإن ذلك يكون في الزمن الحاضر، حيث يمكن الذهاب إلى ما تقوم به سالي في الزمن الحاضر وكذلك الانتقال إلى ما تفعله الآنسة بيرل في هذا الزمن عينه.
والراوية في «الإمبراطورية تسقط» يملك منذ البداية ذاتها القدرة ليس على الولوج إلى وعي الناس المختلفين فحسب، وإنما كذلك العودة إلى الوراء ارتحالاً في التاريخ.
* إلى جوار رواياتك، فقد عكفت في السنوات القليلة الأخيرة على كتابة سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية. ومن الواضح أنك لا تفتقر إلى الكلمات.
ـ عندما يبدأ المؤلفون الذين يكتبون روايات «أدبية» في كتابة السيناريوهات فإن الجميع يذهب إلى القول: حسناً، تلك هي النهاية، ها هو مؤلف آخر لن يكتب بشكل جيد ثانية قط. السرعة، الإيقاع اللاهث النثر الذي يعكس وضع الفوشار. من الآن فصاعداً فإن هذا المؤلف الذي أنجز كتباً إضافية وكثيفة سينجز كتباً رشيقة، رشيقة. لسوف يتغير شيء ما بصورة أساسية نتيجة لكتابة السيناريوهات.
وهو إما أنه لن يكتب روايات بعد الآن، أو أنه لن يكتبها بصورة متزايدة كالسابق. ويرد إلى الذهن شخص مثل ريتشارد برايس، وهو كاتب جيد حقاً لكل من الروايات والسيناريوهات، ولكنه لم يكتب روايات لوقت طويل، لأنه كان عاكفاً على كتابة السيناريوهات.
وقد كتبت سيناريوهين، بينما كنت في وسط انجاز رواية «الإمبراطورية تسقط»، وفي كل مرة كنت أعود فيها إلى هذا الموضوع، كانت تحديات الرواية ومتطلباتها كقالب إبداعي، بالمقارنة بالسيناريوهات، تبرز مثيرة للاهتمام ومحررة للطاقات تماماً بحيث إن ذلك كان يثير ذهولي باستمرار.
وكان ذلك شيئاً جيداً أيضاً، لأنه مع انهماك الجميع في التكهن والتخمين فإنك بدورك تبدأ في التساؤل أنت نفسك: هل سألحق الضرر بنفسي؟ هل سأفقد مهارة بسبب عدم استخدامها؟ وبالنسبة لي، على الأقل، فإن الأمر هو على العكس من ذلك تماماً، فأنا أعود إلى الرواية وقد أشهرت كل أسلحتي.
* ما الذي تعتقده بشأن رواياتك المبكرة عندما تتأملها الآن؟
ـ لم ألق نظرة على رواية «موهوك» بصورة حقيقية منذ انجازها وعادة فإنني بحلول الوقت الذي انتهى فيه من جولة ترويجية لكتاب أكون قد أوشكت على إنهاء صلتي به. وقد قرأت رواية «مخاطرة المسبح» بمزيد من الاهتمام قبل حوالي عام. وذلك الكتاب له مكانة خاصة في قلبي، فقد ألفته عندما كان أبي يحتضر.
وفي ذلك الوقت كانت هناك طرق يتسرب فيها الدم ما بين الحياة والفن بالانتقال من أحدهما إلى الآخر. وهو الكتاب المفضل لدى زوجتي من كتبي حتى الآن، والكثير من الناس يعتبرونه أفضل رواياتي.
وقد قرأت هذا الكتاب منذ نحو عام لأنه بدا لي أن مشروع فيلم قد يقتبس منه، وقد كان الكتاب الذي قلت عنه «ما لم أكتب السيناريو له». وكان معنى ذلك أنني إذا كنت لن أسمح لأحد بكتابة السيناريو الخاص به، فإن عليَّ العودة إليه وإعادة قراءته من جديد.
* ماذا عن التطلع إلى الأمام؟ هل تعكف على كتابة رواية أخرى؟
ـ لسوف أبدأ في كتابة رواية أخرى في المستقبل القريب، وكنت قد أنجزت مؤخراً مجموعة قصصية، ولدي عقدان للانتهاء من سيناريوهين، وأعتقد أنه سيكونه أمراً جيداً أن أفرغ من كتابة هذين السيناريوهين. وآمل أن أعود إلى الكتابة قريباً للشروع في انجاز كتابي الجديد، فلدي بعض الأفكار التي تختمر، ولكنني لا أعتقد أنه أمر سيئ أن تتركها تختمر بعض الوقت قبل أن أسجلها على الورق.
محطات في مسيرة روسو
* حصل الروائي الأميركي ريتشارد روسو على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة أريزونا، وتخصص في الكتابة عن مدن أميركا الصغيرة التي يغلب على سكانها طابع ذوي الياقات الزرقاء مع التركيز على المدن الصناعية في شمال شرقي الولايات المتحدة.
* قدم روسو، حتى الآن، سبع روايات، ومجموعة من القصص القصيرة وعدداً من سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية، وأشهر أعماله «الإمبراطورية تسقط» وهي روايته التي فازت بجائزة بوليتزر للرواية في عام 2002، وكتب لها السيناريو لدي تحويلها إلى مسلسل لعب بطولته بول نيومان وإد هاريس وفيليب سيمور هوفان وهيلين هانت.
* أحدث رواياته هي: «جسر التنهدات» الصادرة مؤخراً بعد انتظار دام ست سنوات، وهو يعكف حالياً على الإعداد لكتابة رواية جديدة، حيث يقيم في كامدن بولاية مين الأميركية.
منى مدكور
