شمس الدين كيلاني، باحث سوري، نشر العديد من الدراسات والبحوث في الصحافة والدوريات العربية والمحلية في مواضيع الثقافة العربية ـ الإسلامية والديمقراطية والحركات الإسلامية والإسلام السياسي. صدر له العديد من الكتب، أشهرها : «صورة أوروبا عند العرب في العصر الوسيط، 2004» و«المثقف العربي والتحول إلى الديموقراطية 2004» و«رمزية القدس الروحية 2005».

في هذا الكتاب «الإسلام وأوروبا المسيحية»، يعرض المؤلف لطبيعة العلاقات التي ربطت العالم العربي ـ الإسلامي بأوروبا المسيحية وأشكالها ومداخلها وما تتضمنه من تنافس وصراع وتثاقف وبما تعكسه من جوانب التفوق في المجالات المختلفة لهذا الطرف أو ذاك، بحثاً عن البذور التي ارتبط بها التفوق الأوروبي فيما بعد، وتمتد هذه الحقبة من القرن 11 حتى بدايات القرن 17م.

لعل الحقبة التي يؤرخ لها رسمياً بقرنين، تبدأ بسيطرة الفرنجة على القدس (عام 1099 م) وتنتهي باسترجاع «عكا»، آخر معقل للفرنجة عام (1291 م)، تكشف من واقع نتائجها النهائية عند اختلال لموازين القوى لصالح العرب على الصعيد العسكري،

بالإضافة للمستويات الأخرى للحضارة.

لقد اتسعت معارف أوروبا بما في العالم العربي من جغرافيا بشرية وتاريخ وعلوم، وعلى أساس ذلك قامت عندهم نهضة في دراسة القانون والطب والمنطق، ووقفوا على فنون الشرق وصناعته وما فيها من رونق وفن ودقة،

فبدل اللباس الخشن المغزول باليد صار الأوروبي يرتدي الألبسة الشرقية الناعمة الجميلة، ويزين جدران بيته بالسجاجيد، وبدل المرآة البرونزية والفولاذية يستعمل مرآة الزجاج، وبدل المائدة القروية يستعمل المطبخ الشرقي بتوابله مع سلة فاكهة من وراء البحار،

واقتبسوا من الشرق العربي الطاحونة الهوائية وصناعة الورق والاشتغال بالجلود وتقطير الكحول واستخراج السكر، وارتداء العمائم والحمامات والألبسة التحتانية والفوقانية، وزراعة الأرز والبطيخ والمشمش والليمون والورد الدمشقي وقصب السكر.

فالشرقيون تمسكوا بفكرة أن أوروبا بلد «بربري» لا يمكن أن يقتبس منه أي شيء لقد خسر الفرنجة معركتهم الكبرى على حافة المتوسط الشرقية، وخسروا معها مراهناتهم على تحالف : مسيحي ـ مغولي ، لكنهم لم يتوقفوا عن التقدم في صقلية أو في شبه الجزيرة الأيبرية، وفي النهاية اعتنق المغول الإسلام، ولم تثمر رحلة «ماركو بولو» عام 1292 م عند «قوبلاي خان».

على الرغم من كل النتائج السلبية لغزوات المغول، فإن مجيئهم يعتبر عنصر تقوية وليس عنصر إضعاف للقوى السياسية والعسكرية للإسلام، وها هم بعد نصف قرن من الدمار المروع الذي أحدثوه في بغداد، سيكرس خلفاء «هولاكو» وقتهم لإحياء معالم الثقافة الإسلامية.

بدأ الوجود العربي يتآكل تدريجياً، منذ القرن الثالث عشر على جبهة الأندلس، أما في قلب العالم الإسلامي، في مصر والشام والحجاز فسيرث المماليك سلطة الأيوبيين نحو مئتين وسبعين سنة، من 1250 لغاية 1517 م، ومع أنهم كانوا أقل ثقافة، إلا أنهم تركوا المجتمع الأهلي يعبر عن نفسه ثقافياً، استمراراً لجدل العلاقة بين الجماعة والسلطان التي تميز التجربة العربية ـ الإسلامية.

«محمد الفاتح» سيجعل من عام 1453 م حداً زمنياً فاصلاً في تاريخ البشرية، عندما استولى على القسطنطينية، رمز العالم القديم واتخاذها عاصمة له، لقد سقط الحصن الذي طالما حمى أوروبا من آسيا أكثر من ألف عام،

وأصبحت طرق التجارة التي كانت مفتوحة في يوم من الأيام للسفن الغربية في أيد أجنبية، تعرض عليها المكوس أثناء السلم أو تسدها بالمدافع في وقت الحرب، ولم يمانع «محمد الفاتح» في إقامة شعائر الديانة المسيحية، ويضمن لهم الحرية الدينية، واحتفل بتثبيت رئيس طائفة الروم الأرثوذكس بنفس الأبهة التي كان يعامل بها البطارقة أيام ملوك بيزنطة، ومنحهم حق الحكم في القضايا الدينية والجنائية بشؤون طوائفهم.

حين توفي السلطان «محمد الفاتح» عام 1481م كانت قد دانت له آسيا الصغرى وبلاد اليونان ومعظم شبه جزيرة البلقان، ووضع أقدامه على جانبي بحر الأردياتيكي، بعد استيلائه على الجزائر الأيونية واشقودره واوترانتو، وهدد سلامة إيطاليا بل أوروبا أجمع.

الإمبراطورية الرومانية المقدسة والإمبراطورية العثمانية ستتغالبان وسيغطي صراعهما على الغلبة مساحة القرن السادس عشر برمتها، ستتجابه تلك القوتان على البرّ والبحر، وعلى نتائج تلك المعركة سيتوقف مصير العالم لعدة قرون، قوتان ارتدت كل منهما الجلباب الديني: الإسلام والمسيحية،

ولكنهما لم ينسيا ولا لحظة قضايا العالم الأرضية والمصالح المادية الرمادية للدول والبشر. لقد تميز موقف العثمانيين في بداية صعودهم بإظهار الولاء للخليفة العباسي المقيم في القاهرة وباهتمامهم الدائم ببلاد الحج، وهم لم ينسوا حكام مصر المماليك، ومثلهم أشراف مكة، بالهدايا والأعطيات والتبريكات والوفود عقب كل نصر يحرزونه على الجبهة.

المسلمون يخسرون الأندلس ولكنهم يقتحمون القسطنطينية، والأوروبيون يستعيدون إسبانيا ويخسرون بيزنطة وكل ممتلكاتهم في البلقان، إن عدد الذين انتزعوا من بلادهم قتلاً ونفياً، من سقوط غرناطة إلى القرن السابع عشر، يقدر بثلاثة ملايين شخص.

لم يقف أحد ضد الغرب إلا ووجد مساندة من العثمانيين، وما وقف طرف ضد العثمانيين إلا وجد في أحد جوانب سياسته بعداً يدل على تواطؤ مع الغرب، أو التحالف المعلن أو المضمر معه. هذه القاعدة ظلت سائدة حتى نهاية القرن الثامن عشر،

فقد تم للعثمانيين دفع الخطر الغربي عن البلاد العربية، وتمتع العالم الإسلامي بسلام خارجي لم تهدده أوروبا المسيحية. لم يشعر العرب عند التحاقهم بركب الدولة العثمانية أنهم في وضع الشعوب المحرومة الحقوق أو المضطهدة، بل لاحظوا التبجيل والتقدير للغتهم العربية والتقديس لتقاليدهم وتراثهم التاريخي.

باللغة العربية كتبت أسماء السفن والأقوال المأثورة على الأسلحة الشخصية والتذكارية والرموز والشعارات تنقش على رايات التشكيلات العسكرية باللغة العربية، ولم تعد تسمع الصلوات وتلاوة الآيات القرآنية إلا باللغة العربية، لقد حافظ العرب على لغتهم وثقافتهم وهويتهم القومية دون أي عائق يذكر.

بعد أن تمّ للأوروبيين تصفية الوجود العربي ـ الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، اندفع كل منهما من موقعه: البرتغال والأسبان، مباشرة نحو شواطئ شمال إفريقيا بقصد الغزو والتوسّع، كاستمرار لمعركتهم مع العرب ـ المسلمين في الأندلس، وأحتل الأسبان عدة نقاط مركزية على شاطئ المغرب العربي الكبير، كما أقام البرتغاليون مجموعة من المراكز التجارية بين طنجة وأغادير، ومن هذه الأماكن بدأ غزو العالم والسيطرة على التجارة فيه.

الاجتياح الصليبي للأرض العربية، وما رافقه من تدمير وقتل ومرارة، سيؤكد على جدية الخطر الفرنجي، وعلى تأكيد التعامل معهم كأعداء، وسيدفع بروح العداوة والبغضاء تجاههم إلى حدودها القصوى والتي كان من نتائجها، دفع العرب ـ المسلمين إلى الانكفاء على الذات دون التطلع نحو معرفة الآخر.

لعل ما يقوي هذه الاعتقادات،

الاطمئنان والثقة المطلقتان بقدرة الدولة وشعور العثمانيين بالاكتفاء الذاتي «مما جعلهم بعيدين عن إدراك التطورات الحقيقية التي كان يتمخض عنها مجتمع جديد في أوروبا، ولم تخرج الدولة العثمانية عن عزلتها وتنظر إلى الخارج إلا مع هزيمة 1699م الخطيرة النتائج، فاكتشف العثمانيون على نحو يقيني تخلف أجهزتهم العسكرية.

وإذا كان المسلمون قد أدركوا تقدم أوروبا، وتميزها عليهم على صعيد بناء القوة، فإنهم لم يدركوا الفجوة الثقافية الهائلة بينهم وبين أوروبا، التي أصبح يعبر عنها بالغرب بعد الانضمام الأميركي إلى العالم عبر أوروبا ـ إلا بعد الاختراق النابليوني لمصر في نهاية القرن الثامن عشر.

أوروبا المسيحية المهدّدة من التوسع الإسلامي، بين القرنين الثامن والعاشر «ستستمد من هذه التجربة الأولى أسسها الانفعالية لتمثلها للإسلام، وذلك التمثل المجبول أساساً بالعداوة»، كما يقول ادوار سعيد : «لم يكن بوسع أوروبا أن تقدم سوى الخوف والشعور بالرهبة»، من هنا أصبح يُنظر إلى الإسلام على أنه «إلغاء للمسيحية» و«أنه عدو لأوروبا»، وهكذا جابهت أوروبا المسيحية الشرق الإسلامي مجابهة ثقافية ودينية وسياسية وعسكرية.

هذه الرؤية تنطلق من عداء واسع للنبي محمد (ص) الذي وصف بـ «نبوة كاذبة أوقف تطور الإنسانية باتجاه المسيحية. وسوف تستعاد هذه الصورة بقوة أكبر فتنتشر رؤية شعبية تعتبر المسلمين وثنيين والنبي محمد (ص) ساحراً وزعيم شعب فاسد، إلى جانب التعلق بالجنس

فهناك أيضاً حب العدوان والقوة إلى جانب المسيحية التي تؤمن بالتضحية والفداء ومثالية الرسل. لقد برزت صورة مركبة عن الإسلام» صورة الشرق المدهش الفتّان والشرقي المتوحش البربري الفظ العنيف، كل هذا مغطى برؤية للإسلام كدين متعصب عدواني».

فمنذ استشعرت أوروبا تفوقها وقدرتها على التحكم بمصير الآخرين، أكدت لنفسها وللعالم إن مبادئ القانون الدولي لا تطبق خارج أوروبا، وإن ما يعد همجية في لندن أو باريس، يكون سلوكاً متمدناً في بكين، وإن ليس على الشعوب الأوروبية التزامات خلقية عند معاملة الشعوب الآسيوية، فالقانون الذي يطبق على الأرض الأوروبية، وحدها شعوب أوروبا من يستحقه، أما الآخرين فلا.

فيصل خرتش

*الكتاب:الإسلام وأوروبا المسيحية

*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2007

*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط