البروفيسور محمد الحموري مؤلف هذا الكتاب أستاذ القانون والعميد المؤسس لأول كلية حقوق في الأردن (الجامعة الأردنية)، وأستاذ زائر في كلية الحقوق بجامعة فرجينيا، وهو حاصل على بكالوريوس وماجستير في القانون بجامعة القاهرة ودكتوراه في القانون من جامعة كامبردج بالإضافة إلى دبلومية المعهد القضائي الفيدرالي بواشنطن.

تطرق الحموري في كتابه «قراءات المشهد اللبناني» إلى تحليل الأوضاع السياسية في لبنان من الناحية القانونية ـ السياسية مفسرا العديد من الجوانب وكشف النوايا الآثمة لأميركا وإسرائيل وخطتها في منطقة الشرق الأوسط التي بدأت باحتلال العراق وخلق الفوضى والتوتر في لبنان والقضاء على المقاومة اللبنانية بقطع شرايين التغذية

وسبل الحياة لحزب الله وبالتالي القضاء على سوريا التي أصبحت الهدف من خلال لبنان، ليسهل بعدها التعامل مع إيران بعد أن تبقى وحيدة في الميدان، وبالتالي تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.

و يتساءل المؤلف عما إذا جاء مقتل رفيق الحريري في سياق توريط و اتهام سوريا بالقتل؟ وهل الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في 2006 لتدمير حزب الله وبالتالي هزيمة سوريا كانت وسيلة أخرى رديفة وجاءت في السياق المذكور أيضا؟

وفي هذا السياق يرى المؤلف بأن الانفجار الذي أودى بحياة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري بتاريخ 14 فبراير 2005الذي أحدث دويا هائلا في لبنان والوطن العربي و العالم والمجتمع الدولي (أميركا)، حيث قرر مجلس الأمن تشكيل لجنة تحقيق دولية ووضع بين يديها جميع الإمكانيات البشرية والفنية لمعرفة القاتل،

مشيرا إلى طول مدة التحقيق والذي يعود سببه إلى رفض عشر دول التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، وفقا لما بينه المحقق براميرتس في تقريره المقدم إلى مجلس الأمن مخالفة بذلك قرارات مجلس الأمن.

ويعتبر البروفيسور أن أميركا وفرنسا وإسرائيل هي من بين الدول الرافضة للتعاون في حين أنها لديها أقمار تجسسية تسبح في فضائنا العربي وخاصة ـ أميركا ـ ولديها تسجيلات مصورة لكل ما يجري على الأرض، ومنها تسجيلات تستطيع أن تكشف الغموض الذي يحيط بجريمة اغتيال الحريري وطواقم الشهداء الذين طالتهم يد الغدر من أبناء لبنان.

ومن هنا يذهب المؤلف إلى أن رفض الدول سابقة الذكر للتعاون يعني أن لديها ما تخفيه حول اغتيال الشهيد الحريري وتتستر على القاتل الحقيقي ليظل الاتهام موجها لغيره، وهكذا فإن التحقيق الذي يجريه براميرتس سيطول ويمتد إلى ما بعد مغادرة الرئيس بوش وحزبه الجمهوري موقع السلطة في أميركا.

وينتقل الحموري إلى قراءة قانونية فاحصة لنصوص الاتفاق ونظام المحكمة الدولية اللذين أقرتهما الحكومة، معتبرا تفصيلها قد تم على نحو يتعارض مع الدستور اللبناني، ومع أبسط القواعد المستقرة في العالم في موضوعات الاتهام والتجريم والعقاب، فمن وجهة نظر الكاتب ذلك لا يرجع إلى عدم معرفة بالقانون والدستور اللبناني عند من وضعوا الاتفاق والنظام في مجلس الأمن،

وإنما مرجعه جعل المحكمة محكمة سياسية ووسيلة للوصول إلى الإجهاز على المقاومة اللبنانية قيادة وتنظيما، وعلى من يساندها أو يقف معها، وذلك بأسلوب قانوني منظم يتمثل في نظام المحكمة الذي تم إقراره من الحكومة بذات الصيغة التي ورد فيها من نيويورك.

ويؤكد الكاتب على عدم توافق نظام المحكمة الدولية التي تتجاهل القوانين الإجرائية الجزائية اللبنانية والقوانين التي تحكم الأدلة وعدم تطبيقها على جريمة وقعت على أرض لبنان، وتقوم هذه المحكمة بوضع مثل هذه القواعد لنفسها، الأمر الذي يتعارض مع دستور الدولة اللبنانية،

وعلى الرغم من أن الطابع المحلي لجريمة اغتيال المرحوم الحريري وبعدها عن الطابع الدولي لم يمنع الحكومة اللبنانية من إخراج المحكمة من يدي الدولة اللبنانية وتسليم أمرها إلى القوى الدولية، لتصبح بتفصيلاتها الغريبة والشاذة محكمة سياسية تسيطر عليها جهات أجنبية تستطيع من خلالها تحقيق غاياتها ومصالحها الخاصة، وتكون الضحية في النهاية هي العدالة المتعلقة بمعاقبة من اقترفوا جريمة اغتيال الحريري.

ويعتقد البروفيسور بأن الطابع الدولي للمحكمة بنظامها الحالي يشكل إعلانا لحرب عالمية ثالثة تتمكن من خلالها أميركا ومن يسير في فلكها من شن معارك قانونية ضارية، على كل من يقف في مواجهة أميركا وحلفائها ويتصدى لمشاريعها الشرق أوسطية وهكذا تكون أميركا قد لجأت إلى طريق آخر هو نظام المحكمة ذات الطابع الدولي للإجهاز على المقاومة ومن يناصرها بعد انتصار المقاومة اللبنانية في الحرب.

وفي قراءته القانونية والتحليلية لتقرير ميليس يعتبر الحموري هذا التقرير يحتوي على مفارقات وتجاوزات تخرج على أبسط مبادئ التحقيق، والتنكر للبديهيات القانونية في هذا المجال، والذي كان مقصودا ليبعد الأنظار عن الفاعل الحقيقي للجريمة ـ علما بأن القوانين الجزائية تستوجب التحقيق، الادعاء، وتوجيه الاتهام،

ثم المحاكمة ـ وباعتبار مرحلة التحقيق الجزائي في الجنايات التي لا يعرف من هو الفاعل فيها تنص قوانينها على أن يظل التحقيق سريا ويمنع كشفه تحت طائلة عقوبات قاسية وذلك وفقا للنظم القانونية في العالم كله،

إلا أن تحقيق ميليس حول اغتيال الحريري تم كشفه ونشره في كافة أنحاء العالم وهو ما يتنافى والنظم القانونية، ويؤكد البروفيسور بأن هناك دوافع سياسية وإعلامية كانت وراء ذلك لتحقيق غايات معينة، في حين أن القوانين التي تحكم أصول التحقيق وسرية التحقيق تحرم هذا الكشف أيا كانت دوافعه وغاياته.

ويرجع المؤلف أن تقرير ميليس الأولي يخلق جوا دوليا ينطوي على توجيه الاتهام والإدانة منذ البداية إلى سوريا ليستقر ذلك في وجدان الرأي العام، مع ما يستتبع ذلك من إمكانية إبعاد الأنظار عن الفاعل الحقيقي المحتمل للجريمة ذلك أن التحقيق المنشور يتكون من (223) بندا، وينص البند (209) منه على أن اللجنة تستخلص أن جميع خيوط الجريمة تتجه مباشرة إلى تورط مسؤولي الأمن السوريين في اغتيال الحريري.

ويعتقد الحموري بأن هذا التحقيق سار في اتجاهات ومسارب من شأنها أن تبعد التفكير عن طرف آخر محتمل والذي يمكن أن تكون له مصلحة في هذه الجريمة، عندما وجه التقرير الأنظار إلى سوريا على نحو شبه يقيني، و أن هذا التقرير تكتنفه العديد من الثغرات لم يتمكن واضعوه من سدها.

وفي تحليله لعملية الاغتيال استعرض الباحث وسائل التفجير المستخدمة التي يعتبرها وسيلة فنية ترسل أشعة من مكان معين أرضي أو علوي، بحيث لا تؤثر عليها أجهزة التشويش العادية الموجودة في سيارات موكب الحريري، ومثل هذه الوسيلة الفنية لابد من أن تكون متقدمة ومعقدة من حيث نوع الأشعة وموجة ارتباطها بجهاز التفجير الموجود في السيارة،

بحيث يرى البروفيسور أنه من السهولة بمكان رصد هذه الوسيلة من قبل الأقمار الصناعية الأميركية السابحة في الفضاء وفقا لمدارات يسلم فيها كل قمر إلى القمر الذي يليه مهمة الرصد والتصوير ليظل مدى التجسس متواصلا دون انقطاع من خلال تناوب الأقمار، الأمر الذي يثير تساؤل المؤلف عما إذا اكتشفت الأجهزة الأمنية الأميركية من خلال أقمارها السابحة في الفضاء الجهة الحقيقية التي كانت وراء الانفجار وسكتت عن كشفه، ليظل الاتهام موجها إلى سوريا؟؟

كما يستعرض المؤلف في قراءته التحليلية للتقرير الثاني لميليس مبرزا التجاوزات القانونية التي تضمنها والثغرات القانونية التي تعصف بمصداقيته، والدلائل الواضحة لارتباط مقتل التويني بمقتل الحريري والجهات التي يمكن أن تقف وراء هذه الجرائم في لبنان وأسباب تغيير أميركا لموقفها، ثم توظيف عبد الحليم خدام النائب السابق لرئيس الجمهورية في سوريا للتغطية على الحقائق التي تكشفت.

ومن هنا يوجه الحموري نداءه إلى كل القيادات وأصحاب الرأي والسلطة في لبنان لتتدارك المفارقات والتجاوزات الخطيرة الواردة في نظام المحكمة ذات الطابع الدولي ومدى خطورة هذا النظام الذي سيصبح سابقة يمكن تطبيقها على أية دولة عربية أخرى عن طريق اغتيال لقيادات وشخصيات كبيرة فيها، من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والدولية، وتوظيف ذلك لمزيد من الابتزاز والتمزيق.

ناهد رضوان

*الكتاب:قراءات في المشهد اللبناني بين الحقوق القانونية والمصالح السياسية والدولية

*الناشر:دارالأميرللثقافة والعلوم - بيروت 2007

*الصفحات: 175 صفحة من القطع المتوسط