أبو نواس هو الحسن بن هانئ بن عبد الاول بن صباح، الفارسي الأصل المولود في (سوق الاهواز) إحدى قرى (خوزستان) وتعرف الآن باسم عربستان، عام 140 هجري، وبعد وفاة والده هاجرت أمه (جلبان) مع أولادها إلى البصرة، حيث أخذت تعمل في الحياكة والنسيج، ووزعت أولادها للعمل في الحوانيت وقد أسلمت ابنها ابا نواس إلى عطار، حيث التقى بعد فترة بمعلمه الأول الشاعر الماجن (والبة بن الحباب) الذي أغراه بحياة التهتك والفسق وأخذه معه إلى الكوفة.

وفي الكوفة دأب أبو نواس على حضور مجالس الشعراء مع معلمه (والبة) وكانوا يعقدونها كل يوم للشراب والمنادمة، وكانوا يتناولون أشعار القدامى والمحدثين بالنقد أو الإطراء أو التفسير وكانوا يقترحون في بعض الأحيان موضوعات يرتجلون فيها الشعر. وقد كانت مشاركة (ابي نواس) لهم في تلك المجالس ذات أثر عميق في حياته وفي نفسه، فقد تعود على الارتجال ومرن على النقد، ووقف على مختلف الأساليب التي كانت سائدة في عصره، واعتنق مبادئ ما كان ليعتنقها لو لم يتصل بهذه المجالس الأدبية التي كانت أشبه ما يكون بمدرسة لتخريجه وتثقيفه.

رجع أبو نواس بعد عام إلى (البصرة) واتصل بـ (خلف الاحمر) الذي سلك في تعليمه طريقا أخرى، أمره أن يحفظ كثيرا من القصائد والأراجيز لفحول الشعراء، فحفظ ما أمره به وامتحنه (خلف) امتحانا عسيرا شاقا وانتظر أبو نواس أن يأذن له معلمه في النظم، ولكن المعلم قال له: لا آذن لك حتى تنسى ما حفظت. وحدث أن أحب أبو نواس جارية تدعى (جنان) حبا عنيف فكتب فيها ارق أشعاره على طريقة لم يكتب فيها من قبل، ولم يحاول أن يقلد أحدا، وقد تم له من صدق العاطفة وحرارة الشعور أن يبتكر من المعاني ما لم يسبقه فيها سابق.

ثم هاجر إلى بغداد ولم تكن الحاجة إلى الدافع بل كان يأسه من (جنان) التي هجرته فطلب بغداد لنسيانها، ولكن الشاعر ظل قلبه معلقا في البصرة حيث جنان. أما خمرياته تلك التي جعلته فريدا في شعراء عصره والعصور التي جاءت بعده فهي بلا شك من أقوى أشعاره فقد وقف حياته على التغني بها والثناء عليها، وقد وصل به شغفه إلى أن جعل منها كائنا حيا يحس ويشعر وله تاريخ مكتوب وماض مسطور.

وهو لهذا لم يترك شيئا يتصل بالخمرة إلا تناوله بالوصف وعرج عليه بالمدح والثناء، فقد وصف الأكواب والدنان والسقاة والخمارين والندمان والكروم، ولم يفته أن يذكر أصناف الخمور وطريقة صنعها، ولم ينس أن يفرق بين هذه وتلك في الطعم واللون والرائحة، ولم يقصر في بيان النشوة ودبيبها في الأعضاء. وهكذا وصل في حبه للخمر إلى الحد الذي نسميه عبادة وتقديسا.

وإذا نظرنا إلى ما قاله في الغزل وجدناه يرتفع فيه إلى مثل افقه في الخمر، وشعره الغزلي من ارق أشعار الغزل في الشعر العربي، إضافة إلى جانب من الغزل الجديد في الحياة العربية وهو التغزل بالمذكر، ولعل ذلك تعبيرا عن الإباحية في ذلك العصر، فضلا عما اتصف به من الصدق والصراحة.

ولعل شاعرنا أدرك انه قد تمادى كثيرا فعاد إلى الزهد وهو صورة للانفعالات التي تراود الذين أسرفوا في المجون ثم عاودهم رجاء المغفرة، وشعره هنا لا يقل جمالية عن شعره الغزلي من حيث البنية الشعرية، ولعل ذلك يمثل نوبات الندم التي كانت تعتريه وبخاصة في السنوات الاخيرة من عمره.

لقد كان أبو نواس ممثلا لروح العصر الذي عاشه وكان معبرا عنه اصدق تعبير، إضافة إلى أن شاعرنا كان مصورا ساحرا لجوانب إنسانية، ومن هنا عشقته النفوس وتعلقت به القلوب، لأنها وجدت في أشعاره ما يرضي نزوعها وشغفها. وقد نسجت الأساطير حوله والطرائف، وصنعت له الحوادث والأخبار، حتى أصبح أسطورة تتناقلها الألسن في كل زمان ومكان ولم يحدث أن رزق شاعر مثل هذه الحظوة عبر القرون والأجيال.