الفارق بين ذاكرة الأمس واليوم أنها كانت تحفظ الأرقام والتواريخ والمصطلحات والتعاريف، وتتوسع شرحاً في كل موضوع تبحثه، في حين أن ذاكرة اليوم تعوض صغر مساحتها ضخامة الآلة التي يحصل المرء على كل شيء منها بكبسة زر واحدة.

ذاكرة الأمس كانت بشرية، وذاكرة اليوم إلكترونية، اجتهد أشخاص لتخزينها في أقراص وشرائح رقيقة، أشخاص قلائل مقارنة بعدد المستفيدين منها، بينما كانت ذاكرة الأمس جماعية، قاسمها المشترك المعرفة طولاً وعرضاً، واعتماداً على طاقة عقلية نشطة جداً وحاضرة دائماً.

ذاكرة الأمس لا يقصد بها سحيق الزمن، بل سنوات قليلة لربما كانت ذروتها في السبعينات والثمانينات، حيث كان هدف المعرفة بناء جسر مشترك مع الآخرين للعيش في بنية اجتماعية صحيحة تتواصل من خلال الأفكار والمعلومات، فالكل كانت لديه أرضية متشابهة مع الآخرين حيث يعرفون قضايا الساعة وإفرازاتها سياسياً وثقافياً واجتماعياً، الكل كانت لديه تطلعات إيجابية نحو المجموعة التي من خلالها تتسع مداركه وتتضح معارفه، وتتقايس من خلالها ثقافته بثقافة أبناء جيله، فتحدث تلك العملية الكيميائية التي تحول ما هو فردي أحادي إلى جماعي مشترك.

على الأقل كانت شريحة الشباب ذات بعد رؤيوي واحد، ترى في المدارس الفكرية بعداً معرفياً يستحق أن يطلع عليه المرء حتى لو لم يتفق معها في الرؤية. لذلك كان نادراً ألا يعرف شباب تلك المرحلة المدرسة الوجودية أو الفلسفة الماركسية أو لا يعرف مفكراً مؤثراً مثل سارتر أو ثائراً أممياً مثل غيفارا، وكان يبدو معيباً لطلبة الجامعة ألاّ يعرفوه، فهو الذي تحولت حكايته الأسطورية من أميركا اللاتينية حتى الكونغو إلى أغنية ترجمت إلى قبعات تحمل صورته وقمصان عليها ملامحه، بل حملت مقاه كثيرة ومحال تجارية اسم هذا الثائر الأممي.

ذاكرة اليوم حولت المرء إلى آلة متحركة أمام شاشة صماء، وعبر محرك البحث العملاق يستطيع أي عابر سبيل أن يعقد صداقة مع غيفارا أو سارتر أو جاك بريفير، ولن يوفر لينين إذا اقتضى الأمر بعداً ماركسياً لزوم التفاخر أمام الآخرين. ولا يكفي أن ذاكرة اليوم أطاحت بثقافة الناشئة بل عزلتهم اجتماعياً وأصبح حوارهم من خلف رقائق الشاشة وليس وجهاً لوجه، وهذا يفسر طلاقتهم في حوار العزلة وبؤسهم في حوار المواجهة، لقد ضعفت الشخصية الشبابية، وأحاطها الخجل بسياج من الخوف والتردد.

ذاكرتان تفصل بينهما سنوات قليلة، ولكنها كافية لتمر مياه كثيرة تحت الجسر، فقد حولت ثورة الاتصالات العالم إلى قرية صغيرة، ولكن في بيوت معزولة باردة الأركان تفتقد إلى دفء الحياة، وها هي أجيال جديدة تتبعها أجيال أخرى تفقد بوصلتها الإنسانية، وتتعطل ذاكرتها البشرية تاركة المجال لمجموعة صغيرة جداً تخزّن الشرائح وتبثها عبر الفضاء الإلكتروني، ليستفيد منها كسالى الحوارات الذين يترهلون ضجراً في عزلتهم الباردة.

hussain@albayan.ae