مؤلف هذا الكتاب هو الباحث روبرت سيرفيس المختص بشؤون الثورة البلشفية والاتحاد السوفييتي، وكان قد نشر سابقا كتابا بعنوان «لينين» 2000 وآخر بعنوان «ستالين» 2005 . وهو هنا يقدم كتابا شاملا عن التاريخ العام للشيوعية وكيف حكمت الشعوب بالحديد والنار قبل أن تسقط مؤخرا عام 1989.

يقول المؤلف بما معناه: إن تاريخ الشيوعية العالمية يشمل بالدرجة الأولى تاريخ الثورة البلشفية التي اندلعت في روسيا عام 1917 بقيادة لينين ورفاقه. ولكنه، أي هذا التاريخ، يشمل أيضا كل البلدان التي انتشرت فيها الشيوعية وحكمت: أي الصين وبقية بلدان أوروبا الشرقية. بل إن الأحزاب الشيوعية انتشرت في شتى أنحاء العالم ولم يبق بلد واحد إلا وظهر فيه حزب شيوعي بما فيها البلدان العربية والإسلامية والإفريقية والأميركية اللاتينية، الخ. والشيوعية تعني حكم الرفاق لبلد ما وتطبيق نظرياتهم الاقتصادية والسياسية عليه.

وهذا يعني محاربة الرأسمالية وتأميم وسائل الإنتاج والتوصل إلى مجتمع خال من الطبقات تماما: أي مجتمع يحقق المساواة الكاملة بين الجميع. كما وتعني الشيوعية محاربة كل العقائد الأخرى غير العقيدة الماركسية اللينينية وفرض الإلحاد على المجتمع ككل.

فالنظرية الماركسية تصبح هي الحقيقة المطلقة في المجتمع الشيوعي، وجميع الرفاق يتبنونها على هيئة مادية ديالكتيكية ومادية تاريخية. والحزب الشيوعي هو الذي يقود مسيرة التطور أو قل يحدد لجهاز الدولة البيروقراطية التوجهات العامة التي ينبغي عليها تنفيذها من خلال الخطط الخمسية للتنمية. ولا يوجد في المجتمع الشيوعي تعددية حزبية أو صحافية أو سياسية وإنما يوجد حزب واحد هو الحزب الشيوعي، وتوجد صحيفة واحدة هي صحيفة الحزب أو الدولة. ويتمتع الرفاق، أي أعضاء الحزب، بمكانة خاصة داخل المجتمع بطبيعة الحال، ولهم امتيازات ليست لغيرهم من أبناء الشعب.

ولا توجد انتخابات حرة في المجتمع الشيوعي ولا برلمان بالمعنى المتعارف عليه للكلمة ولا تناوب على السلطة ولا معارضة. فخط الحزب القائد هو وحده الصحيح ولا يمكن أن يعارضه إلا الطابور الخامس والرجعية والعملاء للإمبريالية. ويرى المؤلف أن الحركات السياسية المعادية للرأسمالية ولدت في أوروبا حوالي عام 1840. وقد نشأت في أوساط الطبقة العمالية الفقيرة والمتزايدة العدد. وكانت نشأتها في بلدان صناعية تحتوي على معامل عديدة وطبقة عمالية كبيرة بطبيعة الحال.

ولكن على إثر فشل كومونة باريس الشيوعية التوجه حصل انشقاق بين الماركسيين والفوضويين. فقد اختلف الطرفان حول المنهجية التي ينبغي اتباعها من أجل تصفية الملكية الفردية السائدة في المجتمع الرأسمالي. فالماركسيون قالوا بأنه يلزمنا مرحلة انتقالية قبل تحقيق هذا الهدف. أما الفوضويون فقالوا إنه ينبغي القضاء على الملكية الفردية فورا. والواقع أن هذا أمر مستحيل كما برهنت على ذلك التجربة العملية لاحقا.

ويرى المؤلف أنه وجدت في التاريخ عدة أشكال من الشيوعية. فهناك الشيوعية البدائية التي سادت في بعض أنماط التنظيم الاقتصادي لبعض المجتمعات البدائية والتقليدية. وهناك الشيوعية التي تحدث عنها أفلاطون في كتابه الشهير: الجمهورية. وهناك الشيوعية المسيحية التي سادت في بعض بلدان أميركا اللاتينية على هيئة لاهوت التحرير. ولكن هنا نلاحظ أن الإلحاد مرفوض وأن الشيوعية تعني أساسا العدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم والإقطاع وتواطؤ الكنيسة الرسمية مع الأنظمة الرأسمالية الاستبدادية.

ثم جاء دور الشيوعية الماركسية وهي أشهر أنواع الشيوعية. وعندما يلفظ الناس كلمة شيوعي أو شيوعية فإنهم يفكرون بماركس أولا لا بأفلاطون ولا بسواه. فماركس هو الذي نظّر للمجتمع الشيوعي وهو الذي أصدر البيان الشيوعي الشهير مع انجلس وهو الذي شرّح بكل عبقرية لبنية الرأسمالية وآليات الاستغلال في كتابه الشهير: رأس المال. وهو الذي طرح شعارات ديكتاتورية البروليتاريا وصراع الطبقات وحتمية انهيار الرأسمالية لاحقا، الخ.

ولكن هناك منظّرين آخرين جاؤوا بعده من أمثال روزا لوكسمبورغ، وانطونيو غرامشي، ولينين، وتروتسكي، وماوتسي تونغ... ويرى المؤلف أن الثورة البلشفية التي اندلعت عام 1917 وقلبت النظام القيصري الإقطاعي الأصولي القديم هي الحدث السياسي الأكبر الذي دشن القرن العشرين. ولكن انهيار الشيوعية بعد سبعين سنة من ذلك التاريخ، أي عام 1989، هو الذي أغلق القرن العشرين أيضا.

بمعنى آخر فإن القرن العشرين القصير زمنيا ابتدأ بالشيوعية وانتهى بالشيوعية. والواقع أن هذه الثورة عندما اندلعت أشعلت آمالا كبارا لدى البعض ورعبا كبيرا لدى البعض الآخر. فالكاتب الفرنسي الشهير جول رومان قال عنها آنذاك: يا له من شعاع نور يبزغ من الشرق! وأما المؤرخ المعروف فرانسوا فوريه فقد تحدث عن الجمال الكوني لشهر أكتوبر، وذلك قبل أن ينقلب كليا على الشيوعية والشيوعيين.

ولكن الثورة التي جاءت لكي تقضي على الإقطاع القيصري والفقر والجوع والتفاوت الكبير بين الطبقات الاجتماعية لم تستطع أن تحقق كل أهدافها. لا ريب في أنها حققت الكثير من الإنجازات وبخاصة في الفترة الأولى ولكنها فشلت في نهاية المطاف عندما استولى ستالين على الثورة وراح يقيم نظاما توتاليتاريا قمعيا لا مثيل لها.

وبعدئذ أصبحت الشيوعية مرتبطة بحكم الحزب الواحد والقائد الواحد والرأي الواحد الذي لا يناقش. فمن يناقشه يعتبر بورجوازيا صغيرا أو كبيرا حاقدا على الثورة هذا إن لم يكن رجعيا يحن إلى العهد القديم.

ويرى المؤلف أن أكبر خطيئة ارتكبتها الشيوعية هي أنها فرضت نفسها كحقيقة مطلقة على الجميع. ومن لم يقبل بذلك سحق سحقا في المعسكرات الستالينية أو في الثورة الثقافية الصينية. وكلتاهما أديتا إلى سقوط ملايين الضحايا. ولهذا السبب فشلت الشيوعية في نهاية المطاف وانصرف الناس عنها وكرهوها.

ولكن في البداية كانت تمثل حلما جميلا بدون شك. إنها حلم إنساني رائع يهدف إلى وضع حد لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان وتحقيق نظام قائم على المساواة والعدل وخال من التفاوت الهائل بين الطبقات.

ولكن الحلم تحول إلى كابوس أثناء التطبيق الستاليني والماويّ وسواهما. ولهذا السبب انتصر النظام الرأسمالي الغربي على الرغم من ظلمه ومساوئه على النظام الشيوعي. فالأول يسمح على الأقل بالتعددية السياسية والصحافية والحريات الفردية. كما أنه كذب أطروحة ماركس عندما لم يفقر العمال إلى الحد الذي تصوره. على العكس لقد عرفت الرأسمالية كيف ترفع مستوى العمال إلى الحد الكافي الذي يمنعهم من الثورة الشاملة عليها.

فالعامل في المجتمعات الرأسمالية أصبح يملك سيارة شخصية وشقة وبعض وسائل الترفيه له ولعائلته. ولذلك قال بينه وبين نفسه: صحيح أن النظام الرأسمالي نظام استغلالي وطبقي ولكنه على الأقل لا يميتني من الجوع كما قال ماركس ولا يمنعني من الاعتراض والانتقاد وفتح فمي إذا أردت. وبالتالي فالنظام الشيوعي سقط في ختام الحرب الباردة لأنه فاشل اقتصاديا وقمعي سياسيا ولا يعترف بالحريات الشخصية أو الفردية.

لقد انتصر النظام الليبرالي الديمقراطي الغربي على الرغم من نواقصه واحتقاره للعدالة الاجتماعية والطبقات الدنيا لأنه اعترف بالحاجيات الأساسية للإنسان. وهي حاجيات طبيعية وضرورية: كحق الاختلاف والاعتراض والاعتقاد أو عدم الاعتقاد. فالإنسان ولد حرا في البداية. فلماذا يقيدونه في الأصفاد إذن؟ كل نظام لا يعترف بحرية الإنسان فاشل لا محالة مهما طال الزمن.

ثم يخلص المؤلف إلى القول: لقد أنشأ الرفاق في كل مكان وصلوا فيه إلى الحكم نظاما استبداديا خانقا. ولذلك فشلوا واندحروا، فالناس لا يمكن أن ينتسبوا كلهم إلى نفس الحزب ولا يمكن أن يقرأوا صباحا نفس الجريدة المملة ولا يمكن أن يتحولوا إلى قطيع من الأغنام بلا فكر ولا إحساس ولا إبداع. وبالتالي فقد فشل تدجين الناس عقائديا في النظام الشيوعي. وكان هذا التدجين من أبشع ما تعرض له الإنسان لأنه يعني غسل الدماغ لا أكثر ولا أقل.

*الكتاب: أيها الرفاق ! تاريخ الشيوعية العالمية

*الناشر: مطبوعات جامعة هارفارد 2007

*الصفحات: 592 صفحة من القطع الكبير

Comrades ! A history of world communism

Robert Service

Harvard University Press 2007

p.592