مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية ايفيت كاتان بنسامون الأستاذة في جامعة السوربون. وكانت قد نشرت سابقا كتابا بعنوان: المدن والمجتمعات الحضرية في القرن التاسع عشر. وكتابا آخر بعنوان: «وجدة، مدينة حدودية في المغرب» (1907-1956). وقد ساهمت معها في تأليف الكتاب الباحثة رنا شلق بالإضافة إلى جاك روبير كاتان.

ومنذ البداية تقول المؤلفة بما معناه: إن البلدان المغاربية تتمتع بوحدة جغرافية طبيعية ولكن فرقت بينها السياسة التي قسمتها إلى عدة دول. ثم أصبحت هذه الدول فيما بعد ذات خصوصيات قومية كالمغرب، وتونس، والجزائر. أما ليبيا فلم ندرسها هنا لأنها لم تتعرض للاستعمار الفرنسي ولم تتأثر بالثقافة الفرنسية كما حصل للدول السابقة المذكورة. وبالتالي فلها تاريخ خاص يكتب على حدة وإن كانت تنتمي جغرافيا وطبيعيا وبشريا إلى المغرب العربي الكبير، أو ما يدعى بشمال إفريقيا.

والمغرب الكبير مؤلف من عنصرين: البربر الأمازيغ والعرب الفاتحين الذين جاؤوا من المشرق حاملين لواء الإسلام. ولكن في الواقع نجد أن معظم العرب الساكنين للمدن عموما هم من البربر المستعربين بعد الإسلام. وبالتالي فهناك وحدة عرقية في بلدان المغرب الكبير على الرغم من التمايزات الجغرافية واللغوية التي حصلت بعد الفتح العربي الإسلامي والتي لا تزال آثارها بادية للعيان حتى الآن.

المغاربة هم شعب واحد ينبغي ألا ننسى ذلك أبدا. وهم جميعا مسلمون ما عدا أقليات صغيرة جدا من اليهود. فالمنطقة تعرضت لأسلمه كاملة بعد الفتح العربي الذي حصل بين القرنين السابع والتاسع للميلاد. ثم تردف المؤلفة قائلة:لا ريب في أن العرب لاقوا معارضة حقيقية من جهة السكان الأصليين: أي البربر الأمازيغ. وكلمة أمازيغ تعني هناك: الرجال الأحرار.

ولكن العرب استطاعوا في نهاية المطاف أن يفرضوا دينهم على المهزومين الذين أصبحوا فيما بعد أكثر تمسكا به منهم. وقد أدى هذا الحدث التاريخي الكبير إلى قلب مصير المنطقة رأسا على عقب. وانتشر المذهب المالكي في كل أنحاء المغرب الكبير وأصبح غالبا مهيمنا ما عدا في تونس حيث يتواجد المذهب الحنفي أيضا والذي جاء به الأتراك. ولكن المذهب المالكي موجود وبكثرة في تونس وإن لم تكن له الغلبة المطلقة.

والواقع أن وحدة النسيج الاجتماعي في المغرب العربي الكبير تعود إلى تأثير الإسلام على كل جوانب الحياة الاجتماعية. ففي كل مكان نلاحظ أن الدين متغلغل إلى أعماق الحياة اليومية. ولكن الإسلام يختلط أيضا بعقائد سابقة عليه بكثير وكانت موجودة في المنطقة منذ زمن طويل.

ولا يمكن القول بأن بلاد المغرب الكبير تنقسم إلى قسمين: المدن عربية والأرياف والجبال بربرية. فالواقع أن عرب المدن هم كما قلنا بربر مستعربون في معظمهم. يضاف إلى ذلك أن الأرياف عربت أيضا مع الفتح الإسلامي. وبالتالي فالقبائل البدوية التي كانت بربرية أيضا أصابها التعريب ليس فقط مع الفتح الإسلامي وإنما أيضا مع الغزو الهلالي للمنطقة الذي حصل لاحقا.

وبالتالي فعندما وصل الفرنسيون إلى المنطقة لم يجدوا أمامهم إلا مجموعتين كبيرتين هما: الناطقين بالعربية أو الناطقين بالبربرية. ولكن إذا كان الناطقون بالبربرية هم كلهم بربر، فإن الناطقين بالعربية لم يكونوا كلهم عربا وإنما كان فيهم بربر مستعربون كما ذكرنا.

ويبقى صحيحا القول بأن البربر يتمركزون في المناطق الجبلية الوعرة كما هو حاصل في الجزائر حيث توجد منطقة القبائل الكبرى. وأحيانا يتمركزون في الجزر كما في منطقة جربة بتونس. وكان البربر يشكلون خمسين بالمئة من السكان في الجزائر لحظة وصول الفرنسيين، و60 بالمئة في المغرب الأقصى.

وأما في تونس فما عادوا يشكلون أكثر من اثنين بالمئة نظرا إلى أن الفتح العربي كان هو الأقدم والأعرق في تونس. وبما أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم فإنها أصبحت اللغة المقدسة لكل المغاربة بدون استثناء. وأصبحت العربية بذلك دعامة الوحدة الثقافية والدينية لكل بلدان المغرب الكبير.

وأصبح من يتقن العربية قراءة «وكتابة» شخصا مرموقا في بلدان المغرب كلها. بل إن جميع موظفي إدارة الدولة ينبغي أن يتقنوا هذه اللغة الشريفة. وكانوا في معظمهم خريجي الجامعات الإسلامية التقليدية الشهيرة كالزيتونة في تونس، أو القرويين في فاس. ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن استعمار فرنسا لبلدان المغرب الكبير وذلك في الجزء الثاني من الكتاب. وهنا تتعرض للعلاقات التي كانت سائدة بين فرنسا والجزائر قبل عام 1830.

وتستعرض مطولا تاريخ المقاومة الجزائرية للاستعمار الفرنسي الذي لم يحصل بسهولة ولا بسرعة على عكس ما نظن. فقد ظلت المقاومة ضده مشتعلة لسنوات طويلة وبخاصة على يد الأمير الشهير: عبدالقادر الجزائري. ولم تستطع فرنسا أن تقضي على المقاومة الباسلة إلا بعد أن استخدمت كل أنواع التكنولوجيا الحربية الحديثة وبعد أن استقدمت معظم قوات جيشها لسحق آخر المتمردين. وقد استمرت العمليات العسكرية داخل الجزائر مدة سبعة عشر عاما حتى تمكنت فرنسا أخيرا من إخضاع البلاد لسيطرتها.

ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن موقف كل من تونس والمغرب الأقصى من غزو الجزائر وكيف أنهما حاولتا مساعدة شقيقتهما بالوسائل المتاحة، ولكن دون جدوى. وذلك لأن فرنسا كانت قوة عظمى آنذاك ولا تستطيع هذه الدول الضعيفة المحرومة من الأسلحة الحديثة أن تقف في وجهها. ولكنهما ساعدتا الجزائر كثيرا بعد مئة وعشرين سنة أثناء اندلاع حرب التحرير الوطنية التي أدت إلى الاستقلال.

وأما الجزء الثالث من الكتاب فمكرس لدراسة كيفية توسع الاستعمار الفرنسي لكي يشمل تونس والمغرب الأقصى بعد الانتهاء من استعمار الجزائر. وهنا نلاحظ أن فرنسا استخدمت نفس الأساليب تقريبا. فقد أغرقت حاكم تونس بالديون. وعندما طالبته بدفعها عجز عن ذلك. فاتخذت هذا الوضع ذريعة لكي تحتل بلاده.

ولكن هناك فرق أساسي بين استعمار الجزائر من جهة، واستعمار كل من المغرب وتونس من جهة أخرى. فاستعمار الجزائر كان استيطانيا: أي يهدف إلى امتلاك البلاد نهائيا بعد نقل مئات الألوف من الفرنسيين والأوروبيين إليها. أما استعمار تونس والمغرب الأقصى فكان سياسيا وعابرا أو مؤقتا ولا يهدف إلى البقاء في البلاد، وإنما فقط إلى استغلال ثرواتها.

وفي الجزء الرابع من الكتاب تتحدث المؤلفة عن الانقلابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على بلدان المغرب العربي بعد حصول الاستعمار الفرنسي. فمن الواضح أنه حصلت ديناميكية معينة في كافة المجالات نتيجة وجود قوة عظمى في هذه البلاد. فقد حصل الاحتكاك ولأول مرة بين الثقافة التقليدية للمغرب والثقافة الحديثة لفرنسا. وهذا ما يدعوه المثقفون عادة بصدمة الحداثة.

ومن نتائج الاستعمار على الصعيد الثقافي انتشار اللغة الفرنسية إلى حد أنها أصبحت اللغة الثانية في البلاد بعد العربية. بل إن الفرنسيين حاولوا تهميش العربية بكل الوسائل من أجل القضاء عليها وإحلال الفرنسية محلها، ولكنهم فشلوا في نهاية المطاف.

وأما الجزء الخامس من الكتاب فتكرسه المؤلفة للتحدث عن وضع إفريقيا الشمالية، أي بلدان المغرب العربي الكبير، في مرحلة ما بين الحربين العالميتين. وهنا نلاحظ انبثاق حركات المقاومة الوطنية المضادة للاستعمار في كل من تونس والجزائر والمغرب. فقد تشكلت الأحزاب الحديثة الهادفة إلى نيل الاستقلال: كحزب الاستقلال العريق والشهير في المغرب مثلا.

وظهرت حركات المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، وهي الحركات التي ستؤدي لاحقا إلى تشكيل جيش التحرير في المغرب، أو جبهة التحرير الوطني الجزائرية، أو حزب الدستور لبورقيبة في تونس، الخ.

وأما الجزء السادس والأخير من الكتاب فمكرس لدراسة أوضاع المغرب العربي الكبير إبان الحرب العالمية الثانية. وهنا نلاحظ أن شعوب المغرب تعالت على جراحاتها وساعدت فرنسا المحتلة من قبل الألمان على مواجهة النازية ودحرها في نهاية المطاف. وكانت تتوقع أن ترد لها فرنسا الجميل بعد انتهاء الحرب. وهذا ما لم يحصل فاضطرت الشعوب إلى الانخراط في خط المقاومة المسلحة حتى انتزعت حريتها واستقلالها بدم الشهداء.

*الكتاب:المغرب العربي الكبير من الإمبراطورية العثمانية وحتى نهاية الاستعمار الفرنسي

*الناشر: بيلان- باريس 2007

*الصفحات: 400 صفحة من القطع الكبير

Le Maghreb de l'Empire Ottoman à la fin de la colonisation française

Yvette Katan Bensamon

Belin- Paris 2207

p.400