ليس هناك من النقاد ولا من القراء من يمكنه اليوم أن يخالف الإجماع السائد كلية تقريباً على أن رواية آن بيكر الأولى «الغوص من رصيف كلوزين» قد فرضت حضورها بقوة على امتداد فترة ليست بالقصيرة كواحد من أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة، وقد كرس هذا العمل سمعة آن بيكر كإحدى الكاتبات الموهوبات اللواتي يرصدن تطورات الحياة الداخلية للنساء الأميركيات بدقة واقتدار.
أما الآن، فهي تمضي بنا عبر روايتها الثانية الصادرة مؤخراً بعنوان «أغنيات بلا كلمات» إلى رحلة تمتد طوال العمر في رصد صداقة تدفع أطرافها إلى نقطة التهشم والانكسار. وهي بحنكة واقتدار وموهبة حقيقية تستكشف ما يحدث عندما يحدث التضارب بين الصديقات وعندما يختل التوازن الذي تم تكريسه بجهد بالغ، من خلال أزمة مروعة. نحن في الرواية الجديدة مع ليز وسارابيث، اللتين كانتا جارتين منذ الطفولة في إحدى الضواحي بشمالي كاليفورنيا، وربتهما كأختين أمان جارتان، ولكنهما تقتربان أكثر إحداهما من الأخرى لدى انتحار أم سارابيث وهما لاتزالان في السادسة عشرة من عمريهما.
في العقود التي تلت ذلك، ومن خلال زواج ليز وميلاد ابنيها وعبر محاولات سارابيث لإيجاد حياة سعيدة لنفسها على الرغم من الظل المرير الذي ألقاه انتحار أمها على حياتها، تظل صلتهما مصدراً للاستمرارية والقوة. ولكن عندما تدخل لورين، ابنة ليز المراهقة، ساحة المتاعب، فإن هذه المتاعب تهدد بالزحف على العائلة، وبكشف النقاب عن خطوط الانكسار في الصداقة القائمة بين ليز وسارابيث، وبالتالي تجبران على أن تعيدا النظر في أعمق أفكارهما حول الصلة التي تربطهما.
بهذا المعنى فإن رواية «أغنيات» تبرز لنا بحسبانها عملاً يدور حول الأدوار التي تقوم بها في إطار أوثق صلاتنا، حول الأساطير العائلية التي تشكلنا كأطفال ثم كآباء، وحول ضوابط الصداقة وقوتها التي نوجدها عندما نكون في صدر العمر.
هكذا فإن آن بيكر تتبدى لنا من جديد وقد تمكنت من كتابة رواية على جانب كبير من القوة والتماسك، الذي قد يراه البعض راحلاً إلى آفاق التعقيد والتشابك، لكنه لا يشكل عيباً حقيقياً في هذه الرواية المؤثرة والعميقة، والقادرة على استقطاب القارئ بشدة. ويلفت نظرنا أن الاهتمام بهذه الرواية لم تنفد به المطبوعات المتخصصة في عروض الكتب، وإنما امتد أساساً إلى الصحف والمجلات ذات التوزيع الكبير، وذلك في انعكاس مباشر لما تحظى به أعمال بيكر من ذيوع وانتشار.
تبادر صحيفة «نيويورك تايمز» إلى القول عن بيكر إنها: «تعرف كيف تشيد صرح عمل روائي، فروايتها تفضح عن تمكن من الإحساس بالإيقاع والسرعة، وحس عميق بالشخصية، وسخاء في تعمق المشاعر والعواطف». وتقول صحيفة «لوس انجلوس تايمز» بدورها عن هذه الرواية: «تكتب بيكر عن الصداقة بين النساء بتفهم مدهش لزخمها العاطفي. وإحدى نقاط قوة بيكر ككاتبة تتمثل في قدرتها على الانتقال المراوغ بالنغمة والصوت في غمار المضي بنا إلى أغوار شخصيات بالغة التباين والاختلاف، والسرد ينتقل بسلاسة مدهشة».
وتقول مجلة «بيبول» في ترحيب جارف برواية بيكر الجديدة «مرحبا بالعودة إلى عالم بيكر، إلى أرضها النفسية الغنية، حيث لا نجد أن التوازن بين المسؤولية تجاه الآخرين والالتزام حيال النفس أمر واضح أو سهل التحقيق». وبدورها تقول صحيفة «واشنطن بوست» في إيجاز مدهش: «كتاب مكتوب برشاقة وقدرة على اجتذاب القارئ. إنه عمل متألق حقاً.
غير أن ذلك لا يعني أن المطبوعات المتخصصة لم تبد اهتماماً حقيقياً بهذه الرواية، فقد تناولتها مطولاً بالتحليل والاهتمام مطبوعات «كيركوس» و«بوكليست» و«بوكبيج» و«ببلشرز ويكلي».
وربما كان يمكننا تلخيص الاتجاه العام السائد في هذه المطبوعات المتخصصة في غمار تناولها لرواية بيكر بإلقاء نظرة سريعة على ما قالته مجلة «بوكليست» المتخصصة، حيث تشير إلى أن هذه الرواية: «عمل طموح.. وهذه الرواية الحساسة ستخاطب عشاق ابداع سو ميللر وأليس سيبولد».
في الصباح
«الساعة السادسة صباحاً. وكان ذلك الوقت من الأوقات المفضلة عند ليز في النهار، فالجميع نيام، وبرودي لا يزال في فراشه بلا حراك. لقد نهضت لتوها، الأبناء في الطابق العلوي، لم يعودوا مراهقين في نومهم، وإنما هم نماذج أكبر من ذواتهم الأصغر، الطفولية، والتي كانت على وشك أن تصدق أنها ستستيقظ وتسعى إليها لتستمد الراحة البدنية منها، على نحو ما تعودت.
كانا في الثالثة عشرة والخامسة عشرة من العمر، ولكنها كان لا يزال بمقدورها أن تفتح بابيهما وأن تطل عليها وهما غارقان في النوم، كيف يرقد جوي مستلقيا على ظهره وقد نفض عنه نصف بطاطينه إلى حد الجانبين، وفمه مفتوح قليلاً، وكيف تطوي لورين أطرافها على نفسها، وقد غدت رأسها كالشطيرة بين وسادتين وانثنت قبضتها تحت ذقنها.
في المطبخ، وضعت ليز القهوة بالملعقة في ماكينة إعدادها من طراز كروبس وانحنت لتشم الرائحة الغنية للبن. أخرجت أربعة أطباق وأربع أكواب للعصير. وتحركت نحو التقويم الميلادي، وألقت نظرة مدققة على اليوم، ولكنها كانت تعرف، فجو سيقضيه في لعب كرة القدم، وبرودي سيعود متأخراً قليلاً إلى الدار من لعب التنس.
أما لورين فإنها لم تفعل شيئاً بعد المدرسة هذا العام. واعتادت ليز على التخطيط لوجبات العشاء التي تقتضي عملاً مكتثفاً ولذا فإنها تكون في المطبخ إذا أرادتها لورين. ولسوف تذهب لتسوق مواد البقالة بعد تلقي درس اليوجا الخاص بها».
مقتطف من رواية «أغنيات بلا كلمات»
*الكتاب: اغنيات بلا كلمات
*الناشر: الفريد نوف - نيويورك 2007
*الصفحات: 352 صفحة من القطع المتوسط
Songs Wilhnt Words
Ann Packer
Alfred Knopf- N.Y. 2007
P. 253

