أجرى موقع بورزوي الإلكتروني الثقافي المتخصص هذه المقابلة مع الروائية الأميركية آن بيكر مع إطلاق روايتها الجديدة التي طال انتظارها تحت عنوان «اغنيات بلا كلمات»، حيث ألقت الضوء على الخطوط التي تصل هذه الرواية الجديدة بروايتها الأولى «الغوص من رصيف كلوزين» التي قوبلت بنجاح مدو، وترجمت إلى عشر لغات حتى الآن.

وأوضحت العالم الخلفي الذي نبعت منه الرواية الجديدة، مشيرة إلى أنها تنطلق من مخاوف الجيل الذي تنتمي إليه من الآباء والأمهات من أن أن تفوته التحذيرات المتعلقة بحياة الأبناء والمخاطر التي يتعرضون لها، ونوهت إلى أن عملها الجديد، وهو مجموعة قصصية تعكف على كتابتها، تمد الجسور بينها وبين اهتمامات مختلفة عما قد يتوقعه القراء. وفيما يلي نص الحوار:* «أغنيات بلا كلمات» هي روايتك الثانية منذ أصدرت روايتك الشهيرة «الغوص من رصيف كلوزين». هل كان نجاح رواية «الغوص» المدوي على هذا النحو مفاجأة لك؟

ـ كان مفاجأة هائلة. وكانت الإشارة الأولى إليه في مأدبة عشاء لمسؤولي المكتبات والمنافذ المتخصصة في بيع الكتب قبيل إصدار الرواية مباشرة، فما أن وصلت إلى مقر المأدبة حتى أحاط بي الحاضرون، وبادروا إلى سؤالي بمزيد من اللهفة والانفعال كيف أنهيت الرواية على نحو ما فعلت. وأتذكر أنني مضيت أحدث نفسي بأنه من الغريب أنه يبدو أنهم يهتمون بكل هذا القدر، ثم أبلغني الكثير منهم بأنهم لم يستطيعوا وضع الرواية من أيديهم إلا بعد الانتهاء من قراءتها،

وقد أدهشني ذلك كثيراً، فلم تكن لديَّ فكرة حول أنها ستكون على مثل هذه الدرجة من القدرة على اجتذاب القراء وإثارة فضولهم وشغفهم. وكم هو غريب حقاً أن المؤلف يعرف مثل هذا القدر المحدود عن الجانب الآخر من تجربة قراءة العمل الروائي. * تستكشف رواية «أغنيات بلا كلمات»، شأن رواية «الغوص»، الروابط التي تصل بين كل من العائلة والأصدقاء. فهل تعكس الصداقة في «أغنيات» صداقة في حياتك؟

ـ ليست صداقة واحدة. لا. أعتقد أنها تنبع بصورة أكبر من الإحساس الذي استشعرته من الكثير من صداقاتي، وكذلك من ملاحظة الآخرين، بأن الديناميكية، بين الناس يمكن أن تظل على حالها لوقت طويل للغاية، وغالباً ما يكون ذلك لوقت يتجاوز بكثير جدوى هذه الديناميكية. وبصفة عامة فإنني مهتمة للغاية بالكيفية التي يعتمد بها أحدنا على الآخر أو لا يعتمد عليه.

* تعيش الشخصيتان الرئيسيتان في رواية «أغنيات»، وهما ليز وسارابيث حياتين مختلفتين، فليز أم تعيش في الضواحي وتتلقى دروساً في اليوغا وتعد طعام العشاء لأبنائها، بينما سارا بيث تعيش وحيدة وتنسى بصورة روتينية القيام بمهام من قبيل غسيل الأطباق. هل تعتقدين أن الروابط التي نمدها في الطفولة تتجاوز اختلافاتنا ونحن كبار؟

ـ نعم، أعتقد أن تلك هي الحالة في الكثير من الأوقات، فلدينا أصدقاء لكي نكون معروفين. هذا أحد الأسباب على أية حال. ولدينا فكرة عن أقدم أصدقائنا قوامها أنهم يعرفوننا بشكل أفضل من الآخرين لأنهم عرفونا وقتاً أطول. وأعتقد كذلك أن التمتع بالأنشطة ذاتها أو عيش نوعية الحياة نفسها على نحو ما يفعل أصدقاؤك يصبح أقل أهمية كلما أوغلت في العمر، وبصفة خاصة بالنسبة للنساء.

* تتناول رواية «أغنيات» مخاوف الآباء المعاصرين، حيث أن ليز أم تبقى معظم الوقت في البيت ويراودها شعور هائل بالذنب بسبب عدم تعرفها صرخة الاستغاثة التي تطلقها ابنتها. فهل هذا خوف شائع بين الآباء، أي الخوف من العجز، أو من عدم رصد تأشيرات التحذير الصادرة من أبنائهم؟ وهل خضت تجربة شخصية مع اكتئاب المراهقين؟

ـ أعتقد أن الخوف بصفة عامة يتخلل على نحو لا يصدق صفوف الجيل الذي انتمي إليه من الآباء والأمهات، الخوف من عدم الانتباه لمؤشرات التحذير، الخوف من القيام بخيارات غير موفقة، الخوف من فعل الشيء الخطأ. وفكرة عدم إدراك شيء إلا بعد أن يكون الأوان قد فات ويواجه ابنك أو ابنتك متاعب حقيقية، هذه الفكرة المتعلقة بالندم الذي يثيره هذا هي فكرة بالغة القوة.

ربما يكون الاكتئاب هو الذي نخاف من عدم رصده أو ملاحظته، أو قد يكون شيئاً مختلفاً عن ذلك تماما، وذلك على الرغم من أن المخاطر تبدو رهيبة إلى حد كبير في حالة الاكتئاب. ولست أعتقد أن لي تجربة كمراقبة ـ بالتأكيد ليس كمراقبة من الكبار ـ ولكنني أنا نفسي كنت مراهقة مكتئبة، وذلك على الرغم من أنه لم يكن اكتئابا يقترب بحال من ذلك الذي عانت منه شخصية لورين في الرواية.

* في مقابلات أجريت معك حول رواية «الغوص» رددت صراحة على أسئلة وجهت إليك حول أبيك وإقدامه على الانتحار، والانتحار يلعب دوراً كبيراً في رواية «أغنيات» فهل من الصعب عليك الكتابة عن هذا الجانب أم أن الكتابة توفر منفذاً للتعامل مع المشاعر التي تساورك حول الموت؟

ـ ليست الكتابة عن هذا الجانب بالشيء الصعب، ولكنها ليست منفذاً للمشاعر أيضاً.

على الأقل أنا لا أفكر فيها بهذه الطريقة، فأنا لا أختار الموضوعات لكي أتعامل مع تجربتي. ولكن ذلك هو، بالطبع، ما يحدث. وإن لم يكن ذلك على وجه الدقة تماماً. المسألة ليست مسألة تعامل، وإنما هي مسألة انجاز شيء ما، انجاز فن، حسبما يأمل المرء، استناداً إلى ما هو موجود لديك. والنقل الصامت قد يكون الاصطلاح المناسب، وبعد أن تقوم بذلك فإنه يمكن أن ينقلك إلى موقف مختلف حيال تجربتك.

* من المحتم أن روايتك تؤثر في أناس لهم ظروف مماثلة. فهل يمكن للروايات أن تساعدنا في اجتياز تجارب صعبة؟

ـ أعتقد أن الروايات تساعدنا في معرفة كم نجد أمامنا من الطرق المختلفة لمعايشة الحياة، وأحسب أنها يمكن أن تكون مصدر عون إلى حد كبير، ولكنني يغلب على ظني أن هذا العون لا يكون في الغالب فوريا، فقراءة كتاب عن الخسارة والفقدان قد يعدنا لمواجهة الخسائر التي لم تحل بساحتنا بعد، تماماً كما أن قراءة كتاب عن أناس أصغر منا بكثير قد تساعدنا على فهم من كنا في وقت سابق من حياتنا.

وعندما أفكر في الكتب التي عنت لي الكثير على الصعيد العاطفي، فإنني أتوصل إلى خارطة لتجربة الحياة، ولكن مع وجود أراض أبعد ما تكون عن التنظيم والترتيب.

* البطلة في رواية «الغوص» تستخدم الحياكة كآلية للهرب وللمساعدة في تكريس هويتها. وسارابيث في رواية «أغنيات» تقوم بصنع الأباجورات بطريقة فنية كنوع من العلاج النفسي، وأيضاً كهواية مترفة. لماذا تجتذبين إلى المهارات الفنية كرموز في كتاباتك؟ ما الذي يمثله صنع الأباجورات بالنسبة إليك؟

ـ عندما بدأت كتابة شخصية سارابيث لأول مرة، كان لديَّ شعور بأنها لها وجود مرتبط بالعمل من الناحية المهنية، لكنني لا أتذكر كيف توصلت إلى صنع الأباجورات كأحد الأشياء التي تقوم بها لكسب عيشها. لقد كان عليها أن تقوم بشيء ما، فهي من دون ذلك كان يمكن لحياتها أن تكون جدباء تماماً.

وأنا لا أفكر بصورة تحليلية في المراحل الأولى من الكتابة، ولكن بمقدوري الآن أن أدرك أن ذلك كان بمثابة طريقة لغرس الأمل بالنسبة لها، فكرة ما عن أن شعورها بعدم الاكتمال قد ينحسر قليلاً أو حتى حل محله شيء أكثر استقراراً واشد إرضاء.

وإذا كان بمقدورها إكمال هذه الأشياء فإن التفكير سوف يتبدد، وسوف توجد أشياء يمكن أن تكون نافعة لأناس آخرين، وعندئذ سيكون لدى القراء سبب يدفعهم إلى الاعتقاد بأنها يمكن بالفعل أن تكون إنسانة مكتملة. مكتملة من حيث ماذا؟ أعتقد أنها مكتملة من حيث تطورها، أو تواصل رحلة الاكتمال علي أية حال، ابتداء من حيث كانت هذه الرحلة قد توقفت، أولاً من خلال حياة أمها ثم من خلال موت هذه الأم.

* ما هي خطوتك المقبلة ككاتبة؟

ـ كتابي المقبل سيكون مجموعة قصصية، تتألف من «نوفيلا» أي رواية قصيرة وعدة قصص. وأنا أشتغل على هذه الرواية القصيرة في الوقت الحالي. وهي تقوم على أساس عدة صفحات كنت قد كتبتها قبل وقت طويل حقا.

وقد كان شيئاً طريفاً بالنسبة لي أن أشق طريقي عائدة إلى هذه المادة القديمة، وأن أتذكر ما الذي اجتذبني إليها في المقام الأول، ولكن في الوقت نفسه تتاح لي رؤية الأشياء التي يتعين عليَّ تغييرها لكي تكون مثيرة للاهتمام بالنسبة لي الآن.

محطات في مسيرة بيكر

* نشأت الروائية الأميركية آن بيكر في كاليفورنيا، ودرست في جامعة ستانفورد التي كان أبواها أستاذين بها، ودرست في جامعة يال كذلك، وعملت عدة سنوات في إحدى دور النشر النيويوركية ثم التحقت بورشة أيوا للكتاب الابداعية، وحصلت على الزمالة من معهد وسكونسن للكتابة الابداعية.

* نشرت عدداً من القصص القصيرة في مجلات بارزه منها «النيويوركر»، ثم نشرت مجموعتها القصصية الأولى بعنوان «مندوسينو وقصص أخرى».

* عكفت عشر سنوات على كتابة روايتها «الغوص من رصيف كلوزين» التي نالت نجاحاً كبيراً وترجمت إلى عشر لغات، وحظيت عنها بجوائز عدة منها جائزة كتاب جريت ليكس وجائزة رابطة المكتبات الأميركية وجائزة كيت شوبان الأدبية.

* صدرت لها مؤخراً روايتها الثانية «أغنيات بلا كلمات» وتعكف في الوقت الحالي على كتابة مجموعة قصصية جديدة

منى مدكور