مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والتربوي الفلسطيني علي خليل حمد المقيم في الضفة الغربية، وسبق له أن أصدر كتاب «حقوق الإنسان في مناهج التعليم الديني العالي في فلسطين» بالاشتراك مع عدد من الباحثين الفلسطينيين.
ويتناول كتاب المؤلف المفكر الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد، الذي يعتبر من المثقفين الذين انخرطوا في قضايا المجتمع والعالم والإنسان، وخاض في إشكاليات وقضايا العصر الذي عاشه، حيث احتلت أعماله البحثية والنقدية مساحات واسعة في الفكر والثقافة الإنسانيين، والتي اتبع فيها منهجاً نقدياً وعلمياً لم يجامل / ولم يساوم فيه أحداً. وباتت أعماله ومواقفه محطّ بحث ودراسة وتحليل من طرف العديد من الباحثين والكتاب في مختلف أنحاء العالم، وخصوصاً بعد وفاته، حيث صدرت مؤلفات عديدة، تناولت أفكاره ومواقفه وطروحاته.
وفي هذا السياق يبحث علي خليل أحمد في كتابه «التسامح في فكر إدوارد سعيد» في البيئة التي ترعرع فيها إدوارد سعيد وأثّرت في نظام قيمه واتجاهاته، كي يبيّن تجليات التسامح في فكره ومواقفه، ثم يوسع مجال دراسته ليطاول الكيفية التي تناول بها إدوارد سعيد قضية فلسطين وتغطية الإسلام في الخطاب الغربي والاستشراف وسواه من القضايا والمواضيع.
وتكمن أهمية إدوار سعيد على المستوى النظري، وعلى مستوى الممارسة النظرية من موقعه التأسيسي في الدراسات والنقد ما بعد الكولونيالي، حيث أكّد على الوظائف السياسية والثقافية للكتابة، ما جعله علماً في التيار الرئيسي للنظرية المعاصرة.
وكشف إدوارد سعيد عن الكيفية التي تكون فيها النظرية واقعية بشكل ما هي عليه في الحقيقة، بوصفها موجودة في كل مكان، ولسبب من الأسباب، وضمن تاريخ محدّد. وتجلى هذا في الموضوعات الواسعة التي أخضعها إدوارد سعيد للبحث والدراسة والمساءلة، بدءاً من تناوله الأدب الإنجليزي، وتعقيدات النصوص وكيفيات تشكلها واشتغالها، وصولاً إلى السبل التي سلكها الغرب للسيطرة على العالم، ودور المثقفين في المجتمع، وانتهاء بالفن والموسيقى.
ويرى مؤلف الكتاب أن تعددية نشأة إدوارد سعيد مثيرة، وتكشف النقاب عن نزعته الإنسانية، بوصفها حددت بدرجة كبيرة مجالات تفكيره حيال القضية الفلسطينية والإسلام والإمبريالية والتسامح. وساهمت في تحديد مواقفه الخاصة في معالجتها، فضلاً عن تكوينه العلمي والإنساني وانحيازه إلى العدالة، وانتصاره لحق الضعفاء في مقابل باطل الأقوياء دون تجاوز حدود التسامح والذي يمنع إلغاء أي من الطرفين أو إقصاءه.
وكان الهمّ النقدي سمة ملازمة لإدوارد سعيد أو هوية، إذ مارسه بوصفه الوسيلة الأهم للإبقاء على الجوهر الإنساني للأشياء، ولإزالة ما يحيط بها من انحياز وتشوه وخداع. وعليه حارب إدوارد سعيد مختلف أشكال التعصب، من موقعه كمثقف عضوي، وجهد كثيراً في الكشف عن مختلف أشكال التعصب الدينية والقومية والصهيونية، وقدم حلولاً للتخلص من مشكلات التعصب، تتمحور حول احترام حقوق الإنسان الضعيف، وتنهض على الحوار واللا عنف، الأمر الذي جعله يستحق عن جدارة لقب «فيلسوف التسامح».
وفي سياق محاولته الكشف عن العوامل التي أسهمت في تهيئة ادوارد سعيد لفكر التسامح، يرى المؤلف أنها تتجسد في البيئة الفلسطينية المتسامحة، وحياته المدرسية بين طلبة من مختلف الأعراق والديانات، إلى جانب ما عاناه من تشرد عن وطنه، ونفي دائم بفعل العصبية الصهيونية، التي بلغ من تعصبها على العرب والفلسطينيين أمثاله تلقيبها له بفيلسوف الإرهاب بدلاً من لقبه الجدير به وهو «فيلسوف التسامح».
ومن ينظر في حياة ادوارد سعيد سيعثر على سجل خاص من نضال دائم من أجل تبلور شخصيته الحقيقية، ومن أجل الحفاظ على استقلاليتها من كل الظروف المحيطة بها، فقد نشأ هذا الرجل في القاهرة من دون أن يتملكه الشعور بأنه مصري، ثم عاش فترة هامة من شبابه في القدس، حيث تشبع بإحساس الانتماء إلى فلسطين، إلى أن غادرت أسرته القدس إثر قيام الدولة الإسرائيلية في عام 1948.
ولم يكف، حتى في منفاه النهائي إلى الولايات المتحدة الأميركية، عن محاولته لإيجاد ذاته المستقلة. حيث تمكن من أن ينهي دراسته العليا بعد التخرج في الولايات المتحدة الأميركية، ونال شهادة الدكتوراه، ثم صار أستاذا للأدب الإنجليزي في الجامعة. وتشربت حياته منذ ذلك التاريخ الثقافة الأميركية، وأصبح مفكراً وباحثاً مرموقاً.
ولم يتبرأ إدوارد سعيد، بوصفه فلسطيني، من جنسيته الأميركية، كما لم يستخف بها، لكنه لم يكف ـ في الوقت ذاته ـ عن البحث في ذاته عن كينونته ووجوده، وربما لازمه قلق هذا البحث الوجودي منذ طفولته، وعمّقته المأساة الفلسطينية، حيث أنها شغلت حيزاً هاماً من حياته، وكانت قضيته الأساسية.
وربما ساعدت مشكلة النفي والاغتراب إدوارد سعيد في أن يتحقق من كل شيء في حياته، من جهة كونها تتعلق بتوازنه النفسي، ومن جهة تعلّم الكيفية التي يكون فيها دقيقاً في البحث، وأميناً في التعرف على الحقيقة. وهو أمر انعكس على كتاباته العلمية والأكاديمية وسواها، إذ استطاع السيطرة على أهوائه وعواطفه، وعزلها عن مهام ومتطلبات البحث والدراسة.
واتبع منهجاً يعتمد على تحليل الوقائع والأفكار، بعيداً عن الذاتية، وعن التأثير الانفعالي. وعلى هذا الأساس فهم إدوارد سعيد التسامح بوصفه بناء ثقافياً إنسانية، فاتجه نحو الكشف عن جذور العصبيات في الخطابات الداعمة لها.
ويرى المؤلف أن إدوارد سعيد طرح حلولاً لا عنفية، تتصل بقضايا القومية والإسلام والقضية الفلسطينية، وتعتمد على مبادئ، يمكن إجمالها باعتماد خلفية طباقية، تتحاور فيها خطابات الأطراف ذات الصلة بالقضية، والبحث عن بديل إيجابي للحل، وعدم إبقاء الوضع الإشكالي على حاله،
واعتماد الحوار لا العنف في المعالجة، وضرورة اعتراف الطرف الظالم بمسؤوليته عما وقع من ظلم على الطرف الآخر، وعدم التمييز ضد حقوق أي من الطرفين المتنازعين، والاستناد إلى مرجعية حقوق الإنسان، واعتماد التربية القائمة على العلمانية، والديمقراطية، والعقلانية، كوسيلة لزرع بذور التسامح وحل المشكلات.
والواقع هو أن إدوارد سعيد، بوصفه مفكراً علمانياً، وقف في موضوع الإسلام وقفة منسجمة مع علمانيته وتسامحه، وعمل على كشف عن تحيزات الخطاب الغربي ضد الإسلام، والتي تضفي على الإسلام صفة أحادية سلبية لا تاريخية وتدمغه بالأصولية، مقابل التغاضي عن الأصوليات اليهودية والمسيحية، ونادى بطرح رؤية بديلة عن الإسلام، لا تكتفي بتفنيد صورة التعصب الحالية، بل تجسد واقع الإسلام المتنوع والمعتدل. وذكّر بالعلاقات الطبيعية بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين وغيرها من البلدان العربية، وذكّر كذلك بالحضارة الأندلسية التي تجاوزت التسامح إلى التعايش بين مختلف الأديان.
وبصدد القومية، يرى المؤلف أنها تشبه الدين من منظور إدوارد سعيد للعصبيات؛ من حيث أنها تشكل واحدة من العصبيات التي ينبغي للمثقف أو المفكر أن يحذر من الوقوع في شرك تحيزاتها ونظرتها الإقصائية لما سواها.
وقد تركزت معالجة إدوارد سعيد للقومية في كتابه المعروف «الثقافة والإمبريالية»، حيث بيّن تأثر الدول «المتحررة من الاستعمار»، ونظمها وسلوكها وثقافتها بنظائرها الاستعمارية السابقة، إضافة إلى أن موضوع الكتاب السابق الذكر هو مناقشة التشوهات التي يمكن أن تتسرب إلى الخطاب القومي، وبخاصة كمخرجات للتربية والتعليم.
أما بخصوص القضية الفلسطينية فيعتبرها المؤلف القضية الأكثر إشكالاً من منظور التسامح لدى إدوارد سعيد، مع أن الأخير لم يكف عن فضح المزاعم العنصرية في الخطاب الصهيوني، والكشف الطبيعة العنصرية للقوانين والممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ومن ذلك رفض تنفيذ القرار 194 القاضي بعودة الفلسطينيين إلى وطنهم، وفي المقابل منح كل يهود العالم حق المواطنة الإسرائيلية.
ورأى إدوارد سعيد أن من الشروط الضرورية لكسب الصراع مع الصهيونية، التركيز على المستوى الأخلاقي، والانطلاق في المفاوضات من موقع قوة أخلاقي، وطرح القضية على أساسه ضد الظلم الذي يمثله الاحتلال العسكري الإسرائيلي المتطاول، انطلاقاً من الموقف المتمثل في «الحق يخاطب القوة» دوماً.
عمر كوش
*الكتاب: التسامح في فكر إدوارد سعيد
*الناشر:مركز رام الله لحقوق الإنسان ـ رام الله 2007
*الصفحات:160 صفحة من القطع المتوسط
