صدر للصحافي والكاتب الإعلامي اللبناني رفيق نصر الله كتاب بعنوان «الأمن الإعلامي العربي: إشكالية الدور والهوية» عن مؤسسة رياض الريّس للكتب والنشر، علماً أن المؤلّف عمل مديراً لمكتب قناة أبوظبي في بيروت حتى العام 2006، وحاضر في عدد من الجامعات اللبنانية، وصدرت له مجموعات نثرية وشعرية مختلفة.

يتضمن الكتاب ستة فصول ناقش من خلالها بعضاً من إشكاليات الإعلام العربي الماضية والراهنة، حيث يتناول في بداية الكتاب مصطلح «الأمن الإعلامي العربي» فيعرّفه على أنه الحصانة المسبقة للحفاظ على شخصية الحالة الإعلامية وخصوصيتها، ووجود رادع غير قمعي، واعتبار الإعلام بكلّ وسائله أحد ركائز الأمن القومي لمصلحة الأوطان العليا، مثله في ذلك مثل المقوّمات والركائز الأخرى.

ويتساءل المؤلّف عن سبب غياب هذا الأمن على المستوى العربي كأولوية، بالرغم من كثرة العناوين التي أنتجها الصراع في الأدبيات السياسية العربية على مستوى النظام السياسي العربي العام، وعلى مستوى الأحزاب والعقائد، بالإضافة إلى الجماهير.

وكإجابة على تساؤله يرى المؤلّف أن البلدان العربية التي عرفت «الأمن العسكري والسياسي والاستراتيجي وغير ذلك، ظنّت أن الأمن السياسي كفيل بتأمين مظلة رادعة لأية مخاطر تواجه الأمن الإعلامي، بينما في المقابل امتلك الإعلام الغربي والإعلام الإسرائيلي تحديداً السيطرة على الوسائل الإعلامية الدولية، فحاصر الإعلام العربي وجعله غير قادر على الإفلات من هيمنته، فراح يفرض ما يشاء ويشارك في صنع القرار من خلال استخدامات ذكية لقدراته.

مما أفضى إلى أن يبقى الإعلام الغربي نقطة بثّ وصناعة على المستوى التلفزيوني باتجاه العالم العربي، وذلك لاهتزاز مصداقية الإعلام العربي لدى العربيّ نفسه أوّلاً، وثانياً للتطوّر التقني الذي كان يخطو خطوات ملموسة نحو الأمام، وثالثاً لأن الغرب كان يعرف كيف يحدث الخروق في الجسد الإعلامي العربي، ويمرر بوسائل متطورة وأفكار مدروسة ما يريده باتجاه التناقضات العربية إلى أن بدأت مرحلة البثّ الفضائي واستخدامه في عواصم عربية محدودة.

وإلى ذلك يشير المؤلّف إلى أن الإعلام العربي، وهو إعلام رسميّ بالكامل لم يمتلك رؤية للخروج من حالة التبعية الكاملة في تلقّي الأخبار الإقليمية والدولية، أو على الأقل إمكانية أن يكون شريكاً في صناعتها أو محصّناً من تبعيتها الكاملة. وبتعبيره فإن الهاجس الرسميّ ظلّ مهيمناً في بيروقراطيته على بنيوية المؤسسات الإعلامية الرسمية التي كانت تابعة لوزارات الإعلام، التي تدار عادة من أجهزة محددة في السلطة ضمن خطّ يمتدّ من رئيس الدولة مباشرة إلى وزير الإعلام.

وبالتالي وكنتيجة لهذا الواقع لم تنشأ القدرة على المبادرة، ولم تنشأ شرائح إعلامية قادرة على الخروج من النمطية السائدة، حتّى ولكأن مرحلة الثمانينيات بدت كما لو أن معظم المحطات التلفزيونية العربية استسلمت لهذا الواقع، فراح الإعلام الغربي والمسيطر عليه صهيونياً يصنع الحدث ويقولبه على هواه، ويحدث تبدلات في المفاهيم وفق أفق أهواء سياسية وعسكرية أحياناً، ليوجد قناعات جديدة ظهر فيما بعد أنها كانت تستند إلى خطة متكاملة العناصر بهدف كسر الذات العربية.

أما المرحلة الثانية التي يؤرّخ لها المؤلّف بالعام 1985، فيرى أنها أبرزت محاولات متواضعة لدى بعض المحطات العربية من أجل البدء باستخدام الرسائل الإخبارية المباشرة من هذه العاصمة أو تلك، بعد تجربة تلفزيون أبو ظبي عام 1982، بالتعاون مع وكالات عالمية مصوّرة، وتوسّع هذه الخدمة بعد أن تمّ إطلاق أول قمر صناعي عربي عبر مجموعة العربسات.

ويروي المؤلّف أنه في حرب الخليج 1990 تأكّد للمواطن العربي أن العقل الإعلامي العربي كان مستلباً بالكامل، إذ جاءت تجربة (سي.إن.إن) لتؤكّد أن معظم الإعلام العربي في تلك المرحلة كان غائباً وتائهاً وغير ذي فاعلية، لدرجة أن بعض المحطات كانت تتسابق في تقديم العروض لهذه المحطّة الغربية أو تلك من أجل الانفراد بإعادة بثّ المواد التي تقوم هذه المحطّات بتغطيتها من دون إدراك لما يشاهده المتلقّي.

وفي الوقت نفسه «كان مجرد شاهد يتحطّم ساعة بعد ساعة في ظلّ منطق المكابرة الذي صنعته المحطات وفق إيقاع الصراع وأحداث الشرخ المطلوب في الذات العربية، وهو ما تأكّد فيما بعد عندما رأى خبراء عسكريون ونفسيون من الغرب أن حرب الخليج بكلّ أهدافها الاستراتيجية انتهت فعلاً عند مشهد قيام جندي عراقي يحمل علماً أبيض ويقبّل حذاء جندي أميركي من أجل إطعامه».

وإلى ذلك فإن المؤلّف سوف يؤكّد أن هذا المشهد المتكامل العناصر، كان بإمكانه أن يحدث الصدمة الكاملة التي أراد الغرب أحداثها لتندمج القناعات التي يريدها، ومع الأسف، تولّى الإعلام العربي هذه المهمة بدليل أن المشهد أعيد لعشرات المرات. في الفصل الثاني من الكتاب يتّجه المؤلّف لقراءة الإعلام المؤدلج والهيمنة الأميركية على الإعلام العالمي بما في ذلك على أوروبا ذاتها، إذ سيطر هذا الإعلام على المنهج الفكري للإنسان الأوروبي وطاول هويته، نظراً للسيطرة شبه الكاملة من جانب الإعلام.

ويعتبر المؤلّف أن هذه السطوة أدت إلى سيطرة شبه كاملة من جانب الإعلام الأميركي أساساً وبعض الإعلام الغربي على الكرة الأرضية. وصار هو الدبلوماسية الناجحة القادرة على صناعة التحوّلات والقوّة المؤثّرة في ضرب قدرات (العدو) وأحداث خروقات فيها، وإلى ذلك فإن الميديا الإعلامية عبثت بعقول الكتل والمجتمعات وخرقت الأسرار وتداخلت في العادات، لأنها لم تكن يوماً محايدة، ولن تكون، نظراً لأن الإعلام بات قوة وسطوة وصناعة رأي.

أما عن دور الإعلام بعد الحادي عشر من سبتمبر، يتّجه المؤلّف إلى أن الشاشة التي نقلت دمار البرجين دمّرت في الوقت نفسه بعض الكبرياء الأميركية، وبات عليها الآن أن تصنع حروباً أخرى تعيد للأميركي ثقته بنفسه، وتعيد إقناع الآخر بسطوة أميركا. ومن هنا فإن الإرهاب سيكون عنوان الحروب القادمة، وأيّ حدث عالمي يتعارض وسياسة الولايات المتحدة الأميركية يمكن إدراجه إعلامياً تحت خانة الإرهاب، ليتحوّل إلى قناعة تبرر ما قد تقوم به السياسة الأميركية من إجراءات.

وإلى ذلك يشير المؤلّف أن الحروب الجديدة بدأت تخاض في الشاشات، ترافقها صناعة البروبغندا التي جعلت من هذه الشاشة قادرة على تسعير النزاعات وإعطائها أبعاداً مختلفة. أما من جانب الإعلام العربي، فإنه يرى أن بعض هذا الإعلام أحدث خرقاً في تبدّل بعض المفاهيم التي كانت رائجة فخاطب كلّ العرب وحرّك قضايا وعناوين، وطرحت أسئلة وارتفع مستوى الحوار والاعتراف بوجود الآخر في مجتمعه وخارج مجتمعه، وقد كشف هذا الحوار عن تدني مستوى الممارسة الديمقراطية لدى المحاور والمتلقّي.

ومما يؤسف له، يؤكّد المؤلّف أن هذا الإعلام ظلّ رهينة بالكامل لهوية المحطّة العربية وإدارتها، مما دفع بالإعلامي لممالئة السلطة وأصحاب القرار حتى ولو كان يعيش في الخارج. أما عن دور الإعلام في القضية الفلسطينية، فإنه يرى أنها القضية التي مازالت تعتبر «جوهر قضايانا القومية والوطنية»، وبذلك فإنه سوف يتتبع تطوّر الحراك الإعلامي تجاهها منذ الستينيات وحتى اليوم، وذلك للبحث عن كثير من الإجابات الحائرة لكثير من الأسئلة المطروحة.

وإلى ذلك فإنه يرى أن أهم ما قام به الإعلام العربي أنه كشف فلسطين أمامنا وصرنا شركاء في كلّ شارع ومخيّم، وبذلك فإن الإعلام كسر عنق الرقابة وكسر المحظور ومعهما سقط مفهوم الإعلام الموجّه من وراء المكاتب، ومن خلال تعليمات الأجهزة الرقابية والاستخبارية التي كانت تعمم مفاهيم محددة حتى حيال قضية كبيرة كالقضية الفلسطينية.

وإلى ذلك فإن الكتاب سيضمّ فصولاً أخرى عن إعلام الفدرلة وثقافة الأقليات، والإعلام العربي في زمن العولمة، ويمكن للقارئ العودة إليها، ومحاورته في ما طرحه من قضايا إشكالية وبالأخصّ قضية الأمن الإعلامي العربي، وإن كان ثمة حاجة فعليّة لمثل هذه الأطروحة، على الأقل، في ظلّ مجموعة كبيرة من الهواجس الأمنية التي تشغل بال الحكومات العربية، فتنحسر حرية التعبير لصالح ديماغوجيا خطابية رنانة تصدح بأصواتها في الفضائيات بدعوى الحفاظ على الثقافة العربية أمام المدّ الغربي وثقافة العولمة.

عزت عمر

*الكتاب:الأمن الإعلامي العربي - إشكالية الدور والهوية

*الناشر:رياض الريّس للكتب والنشرـ بيروت 2007

*الصفحات:132 صفحة من القطع المتوسط