مؤلف هذا الكتاب هو الرئيس الحالي لجمهورية السنغال منذ 19 مارس عام 2000. يحمل شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون، وهو أيضاً مؤسس الحزب الديمقراطي السنغالي الذي كان حزب المعارضة الرئيسي لسنوات طويلة قبل أن يصبح الحزب الحاكم.

«قدر من أجل إفريقيا» هو بنفس الوقت كتاب عن تاريخ إفريقيا الحديث وخطة حول مستقبل هذه القارة. ويحاول المؤلف ـ الرئيس فيه تقديم عدة مفاتيح لفهم الواقع الإفريقي القائم في إطار العولمة اللبرالية السائدة.

وهذا أيضاً كتاب ـ دعوة لتحقيق حلم صاحبه في قيام الولايات المتحدة الإفريقية، والذي يتمنى أن يكون هو «قدر إفريقيا». إن مؤلف هذا الكتاب يرسم من موقع العارف والمسؤول بنفس الوقت صورة لما تواجهه القارة الإفريقية اليوم من تحديات على جميع الأصعدة.

تحديات بيئية ليس أقلها خطراً تعاظم ظاهرة التصحر وانحسار الغابات وتحديات سياسية على رأسها حالة التفرقة والتمزق السائدة على صعيد القارة. وأحياناً على صعيد هذا البلد أو ذاك وما تتم ترجمته أحياناً بمجازر يذهب ضحيتها الملايين كما حدث في رواندا خلال صيف 1994.

وقد اختار عبد الله واد للفصل الأول من كتابه عنوان «تحديات» ليشرح فيه بالإضافة إلى ما سبق الواقع الديموغرافي الذي تشهده القارة السوداء التي لم يكن عدد سكانها يزيد على 100 مليون نسمة في نهاية القرن التاسع عشر ليصل إلى 150 مليون عام 1950 ثم ليتضاعف بعد ذلك بمعدل زيادة ما بين 5. 2 بالمئة إلى 3 بالمئة سنوياً.

ويعتبر المؤلف في هذا السياق أن مرض «الايدز» الواسع الانتشار في إفريقيا يشكل الخطر الأكبر أمام إفريقيا السوداء. وتتم الإشارة إلى أن عدد حاملي «الفيروس» في بعض بلدان شرق إفريقيا يتضاعف كل ثمانية أشهر وأن بلدانا مثل زائير وزامبيا وكينيا وتنزانيا مهددة بفقدان ثلث سكانها بسبب إصابتهم بهذا المرض القاتل.

ومن الأخطار التي يشير لها المؤلف تزايد عدد اللاجئين في إفريقيا ممن يتركون بلدانهم لأسباب مختلفة والذين يقدّر عددهم بما بين سبعة وعشرة ملايين لاجئ. وأخطار المجاعات والكوارث الطبيعية والأوبئة.

كما يتم الحديث في هذا السياق عن الديون الخارجية التي تثقل على كاهل إفريقيا والتي تصل «خدمتها» أحياناً إلى ما يعادل 30 بالمئة إلى 40 بالمئة من إجمالي الدخل القومي. ولا يتردد المؤلف ـ الرئيس في الحديث عن «الديمقراطية وحقوق الإنسان» في إفريقيا وعن مخلّفات الحقبة الاستعمارية ونظام التمييز العنصري «ابارتهايد».

الفصل الثاني من الكتاب يحمل عنوان «فلسفة العبودية والثقافة»، وهو يتحدث أولاً عن «عالم العبودية» والذي كانت القوى الإمبريالية قد وجدت تبريره سابقاً في عدد من النظريات التي تقوم على أساس التفوّق «البيولوجي» الذي وضع «السود» في مرتبة أدنى بكثير من «البيض» فيما يتعلق بنسبة الذكاء.

هذا إلى جانب التأكيد أن الأفارقة لا يزالون يتحلّون بـ «ذهنية بدائية» وأن فنونهم وموسيقاهم وآدابهم تحاكي مثل هذه الذهنية. وبالتالي هم بعيدون عن أية فلسفة «عقلانية». لكن مقابل هذه الصورة يتم التأكيد على أن المجتمعات الإفريقية قد تطورت كثيراً، وأن عملية تحويل التكنولوجيات الحديثة من البلدان الغربية المتقدمة إلى البلدان الإفريقية قد سمحت بـ «انفتاح» المجتمعات التقليدية وتأقلمها مع مستلزمات «العالم الحديث».

ويرد عبد الله واد على الفكرة السائدة في الغرب والقائلة ان «الثقافة السوداء» لا تمتلك أي مفهوم حول «الحرية»، بل تقيم علاقة حصرية مع مفهوم «السلطة» المرتبطة بفكرة «القائد» الفرد. والتي يتم على أساسها تفسير آلية عمل الأنظمة الدكتاتورية القائمة في أوروبا.

ما يحذر منه المؤلف أولاً هو خطر «التعميم» ثم خطر التوقف عند لحظة معينة من التطور. ويقارن بعد ذلك بين المسارين الإفريقي والأوروبي ليشير إلى أن فرنسا قبل عام 1789، أي قبل الثورة الفرنسية الكبرى لم تكن تمتلك مفهوماً واضحاً عن «الحرية» و«الديمقراطية».

ثم إن السنغال اليوم تتمتع بنظام جمهوري يتم فيه انتخاب رئيس الجمهورية عبر الاقتراع الشعبي المباشر. بكل الحالات يؤكد واد على أن «القبول العام» يشكل أساساً هاماً لكل دولة وأن استقرارها يتعلق إلى حد كبير بـ «درجة القبول العام» لها.

ولعل هذه هي أكبر المشاكل التي تعاني منها الدولة في إفريقيا. إن المؤلف يكرّس العديد من صفحات هذا الكتاب وتحليلاته للدفاع عن فكرة توحيد الصوت الإفريقي، ويشير إلى فكرة «الانتماء الإفريقي» التي دافع عنها «كوامي نكروما»، أحد رموز المقاومة الإفريقية ضد الاستعمار، باعتبارها تعبيراً عن تطلعات أبناء إفريقيا و«الحضارة الإفريقية السوداء».

هذا بعد أن كانت القارة قد عانت من ثلاثة قرون من العبودية فرضها أولاً البرتغاليون والاسبانيون والفرنسيون والهولنديون. وجرى أثناءها نقل الملايين من الأفارقة السود إلى «العالم الجديد»، أي أميركا التي تشكل اليوم أحد أكبر المراكز في الاقتصاد العالمي. لكن تلك الهجرات «القسرية» وبعدها «الإرادية» أوجدت بعض الأصوات الإفريقية القوية في القارتين الأميركية والإفريقية.

ويقيم المؤلف مشاعر الانتماء «القومي» الإفريقي إلى ثلاثة عوامل رئيسية. العامل الأول هو إدراك الأفارقة لـ «وحدة مصيرهم» وحيث انهم كانوا قد خاضوا معارك التحرير من الاستعمار ونيل الاستقلال.

والعامل الثاني هو وجود بناء اقتصادي تدريجي على المستوى مناطق القارة بل وعلى صعيد القارة كلها. والعامل الثالث هو تكوّن نوع من الرؤية السياسية التي يتم التعبير عنها أحياناً عبر تنظيم بعض الندوات ذات التطلع الإفريقي العام.

ويتم التأكيد في هذا السياق على فعل المقاومة الذي أبداه الأفارقة ضد «تجارة العبيد عبر الأطلسي، أو ما يسميها المؤلف بـ «ثورة سبارتاكوس الأسود». إن العدد الذي يقدمه المؤلف لأولئك «العبيد الأفارقة» الذي تمّ نقلهم خلال أربعة قرون من شواطئ إفريقيا إلى العالم الجديد بحوالي 100 مليون إفريقي.

أما بداية إلغاء العبودية فيتم ربطه بالظروف التي رافقت نهاية الحرب الأهلية الأميركية عام 1865. ثم جاءت اتفاقية جنيف الموقعة بتاريخ 10 ديسمبر 1945 للتصديق على القبول «الكوني» العام بإلغاء العبودية.

كذلك يكرس المؤلف عدداً من صفحات الكتاب للحديث عن مقاومة الأفارقة لما أسماه بـ «العبودية العربية» للأفارقة. لكن المقاومة الإفريقية لم تتجسّد ضد العبودية وتجارة الرق فقط وإنما تجلّت أيضاً بحركات التحرير ضد الاستعمار بما في ذلك المقاومة المسلّحة والتمرّدات الشعبية. هذا ويقدّم المؤلف العديد من أمثلة المقاومة في كل من السنغال وتنزانيا وناميبيا والموزمبيق وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى.

كذلك يقدم المؤلف على مدى فصل كامل العديد من رموز الحركة «القومية» الإفريقية الشاملة وعلى رأسهم «هنري سلفستر وليام» والدكتور «وليام بورغات دوبوا» الأميركي الأسود والذي كان قد أسس عام 1905 الحركة المسماة «نياغارا» للدفاع عن حقوق الملونين والدكتور «مكدونالد ميلليار».

وتتم الإشارة في هذا الإطار للتطورات التي عرفتها حركة الانتماء القومي لإفريقيا التي كانت قد عقدت ندوتها الأولى في لندن عام 1900 ثم شهدت باريس انعقاد المؤتمر الأول ما بين 19 و21 فبراير من عام 1919 حيث استمرّت المؤتمرات حتى عام 1945.

الفصل ما قبل الأخير من الكتاب مكرّس لدراسة «استراتيجية الولايات المتحدة الإفريقية». ويبدأه المؤلف بالجملة التالية: «إن بناء منطقة سياسية على مستوى القارة اسمها الولايات المتحدة الإفريقية، هذا هو الهدف».

ويشير إلى أن كوامي نكروما كان قد كتب عام 1963 دراسة تحت عنوان: «إفريقيا، ينبغي أن تتحد». ويتم التأكيد على الدور الذي يمكن، بل ينبغي، أن يلعبه الإعلام، وعلى ضرورة انتهاج سياسات اقتصادية مشتركة وصولاً إلى تبنّي عملة موحّدة ومحاولة تأمين تمويل ذاتي للتنمية. ومن أجل هذا كله لا بد من الاعتماد على العلوم والتكنولوجيات الحديثة.

ولا ينسى المؤلف ـ المسؤول السياسي التأكيد على ضرورة توحيد الصوت السياسي الإفريقي ربما وصولاً إلى «حكومة على مستوى القارّة» على غرار مقولة «الحكومة العالمية». وبالطبع يرى واد أنه ينبغي للأميركيين ذوي الأصول الإفريقية ـ الدياسبورا ـ أن يلعبوا دوراً في دفع إفريقيا الموحّدة إلى الأمام.

الفصل الأخير من الكتاب يحمل عنوان: «التعاون الدولي» ويبدأه المؤلف بالحديث عن «التعاون العربي ـ الإفريقي» ويشير أولاً إلى الاقتراح الذي كان قد تقدّم به عام 1973 حول تأسيس «وكالة عربية ـ إفريقية للتنمية» وكرر ذلك الاقتراح في جامعة الخرطوم عام 1986.

ويؤكد أن «البعد الإسلامي» يشكل أحد «السمات الثقافية» للتعاون العربي ـ الإفريقي وهو يقترح في هذا الكتاب إيجاد «جمعية للاقتصاديين العرب والأفارقة». في الصفحات الأخيرة من الكتاب يتعرض المؤلف لما يسميه «الدور الأساسي»،

أو «المفتاح» الذي تلعبه كل من فرنسا والولايات المتحدة في مجال التعاون الدولي مع القارة الإفريقية السوداء، وذلك بحكم التاريخ وواقع دور الأفارقة السود في كل من البلدين. بكل الحالات: «من أجل الوصول إلى البحر ينبغي اتباع مجرى النهر» كما يقول مثل لاتيني قديم اختاره المؤلف كآخر جملة في كتابه.

*الكتاب: قدر من أجل إفريقيا مستقبل قارّة

*الناشر:ميشيل لافون ـ باريس 2006

*الصفحات:260 صفحة من القطع المتوسط

A destiny for Africa. the future of a continent

Michel Laffon- Paris 2006

p.260