قام بتأليف هذا الكتاب واحد من أشهر علماء الجغرافيا السياسية في فرنسا: الباحث ايف لاكوست. فهو رائد هذا العلم في بلاد موليير منذ ربع قرن على الأقل. ومعلوم أنه ولد في المغرب الأقصى حيث أمضى طفولته، ثم جاء إلى فرنسا لإكمال دراساته، وبعدئذ سافر إلى الجزائر للتدريس فيها بين عامي 1952-1955.

وقد وقف إلى جانب الشعب الجزائري أثناء نضاله من أجل نيل استقلاله. ثم أصبح بعدئذ أستاذا في السوربون لسنوات عديدة. وقد أسس أهم مجلة جغرافية - سياسية فرنسية عام 1976. وخلع عليها اسم المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت.

ولا تزال هذه المجلة تصدر بشكل فصلي حتى الآن. هذا وقد نشر إيف لاكوست عدة كتب لافتة للانتباه نذكر من بينها: ابن خلدون، ولادة علم التاريخ (1965)، قاموس الجيوبوليتيكا (أو علم الجغرافيا السياسية) (عام 1995)، إفريقيا الشمالية، الجغرافيا والتاريخ (1957)، من المناظر الطبيعية إلى علم الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيكا) 2006، الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يواصل إيف لاكوست أبحاثه عن هذا العلم الجديد الهام ويتحدث عن الجغرافيا السياسية لحوض البحر الأبيض المتوسط كله. وهو مشروع ضخم يتخذ أبعادا مصيرية في هذا الجو من الصدام بين الشرق والغرب أو بين الضفة الشمالية الغربية للمتوسط والضفة الجنوبية الشرقية.

يقول المؤلف منذ البداية موضحا: إن مصطلح الجغرافيا السياسية قد اتخذ معاني شتى في زمننا الراهن. ولكن معناه الحقيقي هو التالي: إنه العلم الذي يدرس منافسات السلطة والنفوذ التي تجري على أراض جغرافية معنية وتخص شعوبا محددة تماما. فهناك دائما تنافس على السلطة والثروة والنفوذ بين البشر في نطاق جغرافي معين. وهذا التنافس السياسي هو ما ندعوه بالجغرافيا السياسية أو علم الجيوبوليتيكا.

ثم يضيف العالم الكبير ايف لاكوست قائلا:إن هذه المنافسات على السلطة والنفوذ تكون سلمية أو حربية بحسب الظروف والمنعطفات التاريخية. ولا تجري فقط بين الدول وإنما أيضا بين المجموعات أو الحركات السياسية.

وهدف هذه المنافسات أو الصراعات هو السيطرة على النطاق الجغرافي المعنيّ سواء أكان واسعا شاسعا، أم صغيرا محدودا. وحالة الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني الجاري منذ نصف قرن تثبت أن صراعا يدور حول مساحة ضيقة من الأرض قد يكون شرسا جدا بل وله انعكاسات عالمية ضخمة.

ويرى إيف لاكوست أن العالم يشهد حاليا صراعا بين كلتا ضفتي البحر المتوسط. والأصوليون يرون فيه صراعا بين الأديان الكبرى، أي الإسلام والمسيحية، أي صدام حضارات. ولكن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك، فالضفة الشمالية للمتوسط، أي الدول الأوروبية كفرنسا وإيطاليا واسبانيا والبرتغال وسواها، لم تعد مسيحية بالمعنى القديم للكلمة وإنما هي علمانية في معظمها.

وهي ليست معادية للدول العربية أو الإسلامية في مجملها. يضاف إلى ذلك أن أكبر الدول المؤثرة على حوض البحر الأبيض المتوسط لم تكن متوسطية. ونقصد بها انجلترا التي سيطرت على المنطقة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية بفضل أسطولها الانجليزي الذي لا يقهر.

ثم حلت محلها بعد عام 1945 الولايات المتحدة عن طريق الأسطول السادس الذي يجوب شواطئ المنطقة طولا وعرضا. وهو يمتلك قوات جوية ضخمة لم يكن يمتلكها الأسطول الانجليزي، وأميركا هي الأخرى ليست دولة متوسطية، ولكنها تسيطر على النطاق الجغرافي للبحر الأبيض المتوسط.

وكان متوقعا أن تصل قوات الغزو الأميركي إلى العراق عن طريق تركيا. وكان متوقعا أيضا أن يساهم الأسطول السادس في إنزال القوات على الشواطئ التركية وبعدئذ تأخذ الطريق البري لكي تصل إلى العراق من ناحية الشمال حيث توجد مناطق الأكراد المعادية جدا لصدام حسين.

ولكن السلطات التركية استنكفت في آخر لحظة عن قبول هذا المرور للقوات الأميركية في أراضيها، والسبب هو خوفها من أن يؤدي ذلك إلى انتفاضة أكراد تركيا عليها. وبالتالي فالأمور الجيوبوليتيكية في حوض البحر الأبيض المتوسط أكثر تعقيدا مما نظن.

فهذه المنطقة الحساسة من العالم لا تسيطر عليها منذ مئتي سنة قوى متوسطية وإنما قوى آتية من خارج حوض البحر الأبيض المتوسط: اي انجلترا أو أميركا أساسا. ثم يردف إيف لاكوست قائلا: والواقع ان هذه المنطقة يمكن أن ندعوها بالمنطقة الأوروبية العربية، ولكن بسبب وجود تركيا فإننا مضطرون لأن ندعوها بالمنطقة المتوسطية الأوروبية-الإسلامية.

صحيح أن معظم الدول الواقعة على شواطئ المتوسط التي تبلغ أربعة آلاف كيلومتر من الغرب إلى الشرق هي إما أوروبية وإما عربية. وحدها تركيا تشذ عن القاعدة. فهي ليست أوروبية ولا عربية ولكن إسلامية. ولا يمكن أن نستهين بنفوذها الجيوبوليتيكي على هذه المنطقة. فهي بلد كبير بحجمه وإمكانياته.

ثم يتحدث المؤلف في كتابه عن مختلف البلدان من منظور جيوبوليتيكي. أقصد البلدان الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسط. ولكي يوضح كل هذه التعقيدات السياسية والجغرافية فإنه يقسم كتابه الضخم إلى خمسة أقسام، ولكن تسبقها مقدمة عامة طويلة تتجاوز الخمسين صفحة.

في هذه المقدمة يتحدث المؤلف عن الموضوع التالي: البحر الأبيض المتوسط والمجموعة الجيوبوليتيكية المتوسطية الكبرى. وهنا يقدم نظرة شاملة عن الموضوع. أما في القسم الأول من الكتاب فيتحدث عن منطقة المتوسط الغربي: أي عن الضفة الغربية أو الأوروبية للبحر الأبيض المتوسط.

ويبتدئ الحديث عن اسبانيا بكل موقعها الجغرافي وإمكانياتها الطبيعية والبشرية. وهنا يقدم صورة حية عن هذا البلد بكل فئاته العرقية ومشاكله الداخلية ودرجة نموه الاقتصادي، الخ. ثم يتلوه بفصل عن فرنسا يدرسها من كافة النواحي أيضا مبينا مدى أهمية موقعها الجيوبوليتيكي أو الجغرافي السياسي. وقل الأمر ذاته عن إيطاليا.

وفي القسم الثاني من الكتاب ينتقل المؤلف إلى الضفة الجنوبية للمتوسط لكي يتحدث عن الدول العربية. ويبتدئ بتونس، وهنا يقدم أيضا معلومات دقيقة عن وضعها الجيوبوليتيكي. ثم ينتقل إلى الجزائر ذات الأهمية الضخمة بسبب مساحتها الجغرافية التي تزيد على مساحة فرنسا أربع مرات ونصف.

ويتحدث عن مكوناتها العرقية والسياسية وإمكانياتها الطبيعية وثرواتها الضخمة. وبعدئذ ينتقل إلى المغرب الأقصى لكي يفعل الشيء ذاته. ومعلوم أن هذا البلد يحتل مكانة جيوبوليتيكية متميزة على خارطة المتوسط، فهو أقرب بلد عربي إلى أوروبا من الناحية الجغرافية، ولذلك دعوه بالمغرب الأقصى .

كما وأنه البلد العربي الوحيد الذي يقع على بحرين لا بحر واحد: البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن البرتغال. وفي الجزء الثالث من الكتاب يتحدث المؤلف عن الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط والدول الواقعة عليها. ويبدأ بتركيا فمنطقة البلقان فدول يوغسلافيا السابقة فألبانيا وبلغاريا واليونان.

وأما الجزء الرابع من الكتاب فمكرس لدراسة الدول الواقعة على الضفة الجنوبية الشرقية كمصر وليبيا أساسا. ثم يتحدث بعدئذ عن الأحوال الجيوبوليتيكية لدول عربية متوسطية أخرى كسوريا ولبنان وفلسطين بل وحتى الأردن التي وإن لم تكن متوسطية إلا أنها قريبة جدا من المتوسط. وكذلك يتحدث عن إسرائيل.

ثم يختم الكتاب بالتحدث عن بلدين كبيرين مهمين هما العراق وإيران. فهما وإن لم يكونا واقعين على البحر الأبيض المتوسط إلا أن تأثيرهما ضخم على مجريات الأمور فيه. بل إنهما يشغلان العالم حاليا وقد يشغلاه أكثر فأكثر إذا ما اندلعت الحرب بين أميركا وإيران بسبب الملف النووي.

*الكتاب:الجغرافيا السياسية للبحر الأبيض المتوسط

*الناشر:أرمان كولان ـ باريس 2006

*الصفحات:480 صفحة من القطع الكبير

Géopolitique de la Méditerranée

Armand Colin- Paris 2006

p.480