كان بيل كلينتون، مؤلف هذا الكتاب، رئيسا للولايات المتحدة الأميركية ما بين عام 1993 وعام 2001. وهذا ليس كتابه الأول وإنما هو الثالث بعد «عندما يلتقي التاريخ والأمل» الصادر عام 1996 و«حياتي» عام 2004.
«العطاء» عمل مكرّس للنشاطات الإنسانية التي يقوم بها الرئيس الأميركي السابق كلينتون إلى جانب العديد من «فاعلي الخير» الأميركيين، أشخاصا كانوا أم هيئات ومؤسسات من أجل مكافحة الأوبئة المستعصية، وعلى رأسها مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز». وأيضا من أجل تشجيع التربية والسلام بين الشعوب، هذا دون نسيان النضال ضد الفقر وسخونة المناخ.
يقول بيل كلينتون في مقدمة هذا الكتاب أنه مُهدى إلى العاملين والمتطوعين والشركاء وجميع أولئك الذين يدعمون «مؤسسة كلينتون» ومكتبتها ويخص بالإهداء «ايلين فيرويج» الممرضة الهولندية التي توفيت وهي تعمل في إطار برنامج «مؤسسة كلينتون» لمحاربة «الايدز» في «ليسوتو».
ويؤكد الرئيس الأميركي السابق أنه كان قد قرر تكريس وقته وكفاءاته وإمكانياته المالية لمشاريع فيها خدمة البشر اعتبارا من اللحظة التي ترك فيها البيت الأبيض. يقول: «لقد أردت المساهمة في إنقاذ حياة البعض وفي حل بعض المشاكل الخطيرة وتمكين العديد من الشباب من تحقيق أحلامهم».
ومن خلال التجربة التي عاشها في خدمة «الأعمال الخيرية» ومحاربة البؤس في العالم خرج بقناعة تقول أنه بإمكان كل منّا، ومهما كانت الإمكانيات التي يملكها متواضعة، ومهما كان الوقت الذي يستطيع التصرف به قصيرا، ومهما كان عمره وكفاءاته، التصرف بطريقة مفيدة بالنسبة للآخرين وبالتالي تمتين الأواصر بين البشر. ومن هنا جاء العنوان الفرعي للكتاب: «كيف يمكن لكل منّا أن يغيّر العالم».
وإذا كان هذا الكتاب يتضمن دعوة صريحة للجميع كي يشاركوا «بقدر المستطاع» في خير البشرية فإنه مؤلفه الرئيس الأميركي السابق يريد أن «يشكر» أولئك الذين عاضدوه في مشروعه. هكذا يزخر الكتاب بالأسماء التي لم يسمع الكثيرون بالنسبة لقسم كبير منها وأيضا بأسماء المشاهير.
لكن هناك بين الجميع قاسم مشترك واحد هو «المشاركة» في عمل مفيد للآخرين بميدان ما وفي هذا البلد أو ذاك. وذلك تمثّلا بالكلمة الشهيرة التي قالها القائد الأميركي الأسود «مارتن لوثركينغ» والتي ينقلها المؤلف وجاء فيها: «يمكن لكل إنسان أن يكون عظيما، ذلك أنه يمكنه أن يكون مفيدا».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة عشر فصلا تدل عناوينها على ميادين العطاء والفائدة التي يتحدث عنها المؤلف. وبعد المقدّمة يشرح بيل كلينتون في الفصل الأول «انتشار ظاهرة العطاء» ويبدأ بملاحظة أن «الذكاء أو الطاقة» موجودان في كل أنحاء العالم، الغنية منها مثل الولايات المتحدة والأكثر فقرا مثل العديد من البلدان الإفريقية الآسيوية.
لكن مثل هذا التقسيم «العادل» لا نجده بالمقابل على صعيد فرص العمل والاستثمارات والتنمية ووجود المنظّمات الفعّالة. النتيجة هي بكل بساطة وجود مليارات من البشر يعانون من ضنك العيش بل إن عدة ملايين منهم يموت جوعا كل عام.
مثل هذا الواقع لا يمكن أن يجهله الآخرون في هذا العالم «المتداخل» و«الصغير» الذي أصبحنا نعيش فيه. ولا يزال حتى اليوم ربع الوفيات سببه أمراض معدية مثل الايدز والسل والملاريا والأوبئة العائدة لنقص مياه الشرب.
ولا يزال أكثر من 100 مليون طفل في العالم محرومين من الدراسة. ولا تزال المعمورة التي نسكنها مهددة من مختلف أشكال عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. إن حوالي نصف سكان العالم لا يزالون يعيشون بأقل من 2 دولار يوميا.
ويرسم بيل كلينتون صورة لأميركا الحالية يؤكد فيها على واقع وجود نمو اقتصادي هام منذ أربعين سنة تقريبا وزيادة كبيرة في الإنتاجية وفي أرباح الشركات والمؤسسات الكبرى. لكن أجور الأعمال التي تمارسها شرائح كبيرة من الأميركيين لم تتطور،
بل إن معدل الفقر لدى الأسر المحرومة من العمل يتعاظم. ويتم في هذا السياق التأكيد على أن القسم الأكبر من الأرباح التي جرى تحقيقها خلال السنوات العشر الأخيرة قد ذهب إلى ال10 بالمائة من أصحاب الدخل الأكثر ارتفاعا في الولايات المتحدة الأميركية.
هذا الوضع «المتناقض» السائد في العالم هو الذي دفع بيل كلينتون، كما يقول، إلى إنشاء «مؤسسة كلينتون» عندما ترك البيت الأبيض عام 2001، وذلك بهدف «متابعة» الدفاع عن «الضعفاء» خاصة البلدان الفقيرة.
ويذكر أنه في منتصف عام 2007 كان هناك 000 750 مريض إضافي «بالايدز» يتلقون الدواء بفضل عمل مؤسسته، أي ما يعادل «ثلث عدد المرضى الذين يتلقون مثل ذلك العلاج.
ويؤكد كلينتون أن «فاعلي الخير» يلقون «الاعتراف» من قبل العالم. هكذا كرّست مجلة «التايم» في عام 2005 «بيل وميلندا غيتس» على أنهما «شخصيتا العام»، وذلك «جزاء» لإنفاق مؤسستهما ما يزيد على مليار دولار كمساعدات طبية لإفريقيا والهند،
بالإضافة إلى مئات ملايين الدولارات من أجل البحث عن «لقاح» ضد مرض الايدز وأكثر من 250 مليون دولار كتبرعات للمدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأميركية. وفي عام 2002 حصل الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر على جائزة نوبل للسلام من أجل «أعماله الإنسانية».
ونال الجائزة نفسها عام 2006 البنغالي «محمود يونس» صاحب فكرة «بنك الفقراء» الذي تشكل النساء «الفقيرات» نسبة 97 بالمائة من زبائنه. وفي بنغلاديش التي يقل دخل الفرد فيها سنويا عن 500 دولار قام «بنك الفقراء» بإقراض ما يزيد على 7 ملايين دولار منذ عام 1983.
ويؤكد كلينتون أنه وزوجته هيلاري قد «استلهما» من هذه التجربة خلال سنوات الثمانينات من أجل إنشاء هيئة «من نفس النوع» لتشجيع التنمية في أرياف اركانساس. «العطاء بالمال» و«العطاء من الوقت» و«عطاء الاستياء والمنتوجات»، هذه هي عناوين الفصول الثلاثة التالية.
إن كلينتون يتحدث فيها بالأسماء والأرقام والإحصائيات عن مختلف أشكال العطاء هذه. هكذا نفهم أن 70 بالمائة من الأميركيين مثلا يقدمون «هبات» مالية تتراوح من دولار واحد إلى ملايين الدولارات كل عام. ويؤكد أن مثل هذه الظاهرة تتسع أكثر فأكثر.
ويقدم في هذا السياق رقم 300 مليار دولار تبرع فيه الأميركيون عام 2006 أي ما يعادل 2 بالمائة من إجمالي إنتاجهم الداخلي. بيل غيتس أحد الأمثلة البارزة على أولئك الذين أعطوا من مالهم ومن وقتهم لتقليص هوة «اللامساواة» في العالم خاصة في ميادين الصحة والتربية والتنمية.
وينقل بيل كلينتون عن غيتس قوله في كلمة له أمام خريجي جامعة هارفارد لعام 2007 قوله حيال ضرورة محاربة أشكال الفقر واللامساواة في العالم ما مفاده: «إذا توصلنا إلى تصور حل يمكنه،
إلى جانب الاستجابة لمطالب الفقراء، تأمين مرابح للشركات وأصوات لرجال السياسة فإننا نكون قد وجدنا طريقة مستدامة لتقليص أشكال اللامساواة في العالم. هذه المهمة لا نهاية لها وينبغي تجديدها دون توقف. لكن إذا بذلنا الجهود من أجل التغلّب على هذا التحدّي فإننا نستطيع تغيير العالم».
وإذا كان المال ليس موزعا بالتساوي بين البشر فإنهم يمتلكون جميعهم 24 ساعة كل يوم. لا شك أن البعض يمتلكون أقل من «الوقت الحر» مما يمتلكه غيرهم. لكن بيل كلينتون يصر على أنه يمكن للجميع أن «يحرروا بعض وقتهم من أجل تكريسه للآخرين». بكل الحالات يؤكد أنه لو أعطى كل إنسان ما «يستطيع» من وقته،
فإن ذلك قد يكون كافيا لمساعدة الملايين من الأشخاص. يتضمن الكتاب في هذا الإطار العديد من الإحصائيات التي تؤكد مثل تلك الحقيقة. فالوقت له ثمنه، وليس الإحصائيات فقط، وإنما أيضا الأسماء مثل «بوب هاريسون» المجاز من جامعات كورنيل واكسفورد ويال، وكان قد عمل لمدة 25 سنة في «وول ستريت» كموظف كبير.
لكنه قرر الانخراط منذ سنوات في النشاطات الرامية لإنقاذ الأطفال في العالم. الأمر الذي يعلق عليه كلينتون بالقول: «من الواضح أن بوب هاريسون يكسب كمية أقل جدا من المال بعمله من أجل الأطفال مما كان يكسبه في وول ستريت. لكن أليس الخير الذي يفعله أجمل المكافآت»؟
وتحت عنوان «مصالحات ونقاط انطلاق جديدة» يشرح بيل كلينتون كيف أن النزاعات السياسية، منذ نهاية الحرب الباردة، قامت خاصة بين مجموعات اثنية ودينية مختلفة. وقد استغل الساسة ذلك من أجل ضمان الدعم الشعبي لسعيهم إلى السلطة أو ربما للسيطرة على بعض الموارد. ومهما كانت أسباب هذه الحروب فإن ضحاياها الرئيسيين هم من المدنيين وغالبا من النساء والأطفال.
وفي مختلف الأمكنة التي يسود فيها العنف، في البلقان أو الشرق الأوسط أو إفريقيا أو أية منطقة تعاني من تخريب وتدمير العنف الطائفي أو الاثني لا بد من إعادة الاعتبار ل«الآخرين» على أساس أنهم كائنات بشرية إذا كان يراد إعطاء روحا جديدة للنهوض. هذا ما يؤكده بيل كلينتون ويضرب نلسون مانديلا ك«نموذج حقيقي في هذا الصدد».
ويروي بيل كلينتون في هذا السياق أنه خلال زيارة إلى اندونيسيا بعد إعصار تسونامي قابل في إحدى المستشفيات أسرة فقدت أطفالها التسعة ولكنها رزقت بمولود ذكر أثناء الزيارة. التقى كلينتون بالأب الذي الذي بادره بالقول مبتسما: «هذا مولودنا الأخير. فهل تتكرم بإعطائه اسما».
فطلب منه الرئيس الأميركي السابق: «هل توجد في لغتكم كلمة تعني الانطلاقة الجديدة» وكانت الإجابة «نعم، هناك كلمة فجر»، وأصبحت هي اسم الطفل. يقول كلينتون: «إن الانقسامات التي تمزق العالم تقوم على أساس فكرة عبثية هي أن خلافاتنا أكبر مما نشترك فيه كبشر.
وإذا كنتم تترددون في إعطاء الوقت أو المال أو الطاقة من أجل تشجيع انطلاقة جديدة، فتأمّلوا بأولئك الأهل الشجعان الذين فقدوا تسعة أطفال وأعطوا للمولود الذي بقي لهم اسم فجر». «إذا كنتم في طرف الشارع أو في الطرف الآخر من المحيط، العالم بحاجة لكم»، هكذا تقول الجملة الأخيرة من الكتاب.
*الكتاب:العطاء، كيف يمكن لكل منّا أن يغيّر العالم
*الناشر:هتشنسون ـ نيويورك 2007
*الصفحات:256 صفحة من القطع المتوسط
Giving : How each of us can change the world
Hutchinson - new york 2007
P.256
