في جميع مشكلاتنا السياسية نلقي باللوم على الغرب، وتدين عقلية «نحن مستهدفون من الغرب» كل من يحاول أن يوصّف مشكلات المنطقة، وسيكون أقل وطنية ولربما خائناً إذا لم يلق اللوم على الغرب.

الغرب بمفهومه، الآخر المسيحي الذي ينظر إلى الشرق الإسلامي نظرة دونية عمرها مئات السنين ،هو السبب في مآل أحوال المنطقة إلى الخراب، وهو الذي يحمل إليها الموت والدمار ويسوق إلى بيوتها الحزن والقهر.

هذه النظرة المستعجلة أفرزت طيلة عقود حقداً تجاه الآخر بكل صوره، ومن دون تميز، لذلك كان من الطبيعي أن تضرب تلك العقلية أميركا وقطارات لندن ومدريد على بعد آلاف الأميال بينما لا تفكر في الاقتراب من إسرائيل التي على مرمى حجر!

طيلة عقدين من الزمن لم تفرز الساحة الشبابية العربية سوى مجموعات هائجة يغذيها خطاب متهور يحمّل الآخرين كل المشكلات ولا ينظر إلى نفسه نظرة ناقدة بأبعاد تنويرية، باعتبار أن العقيدة التي ينتمي إليها لا تحتمل النقد أو الملامسة الفكرية، لذلك هي مصدر الإلهام المطلق، وكل متنمّر يفسر العقائد على هواه يمكنه أن يطلق الفتاوى ويصدر أحكام القتل، وليس على هؤلاء الشباب سوى تنفيذ الأوامر.

حتى وقت قريب كانت هناك محاولات في دول عربية علمانية لخلق خطاب نقدي لا يحمّل الآخرين تبعات الدمار فقط، بل ينظر إلى المرض الداخلي الذي ينخر عظام العالم العربي والإسلامي منذ ثمانية قرون على الأقل، أي منذ انهيار الحضارة العربية والإسلامية الكلاسيكية.

لقد تراجعت العلمانية وحلت مكانها ثقافة هوجاء تكفيرية تخوينية، ترى في الغرب عدواً مستمراً، وفي نقاد العقلية الأصولية خونة يستحقون الإعدام. ثقافة لا تشبهها سوى محاكم التفتيش، ولا تصل إليها مخيلة روائية أو سينمائية.

لم يعد هناك صوت آخر في المنطقة يدعو إلى الفهم والتحاور بدلاً من استعداء الآخرين ومحاربتهم، وتقلصت مساحة الشباب المتنورين الذين يحللون ويفكرون ويحاكمون عقلانياً مشكلاتهم ومشكلات مجتمعهم، على حساب شباب يستمدون ثقافتهم من فتاوى مجحفة أو من مواقع إلكترونية تحض على الكراهية أو من خطب ومواعظ تتسلل مجاناً إلى مدارسنا وجامعاتنا وأسواقنا وبيوتنا تكفر وتخون وتدعو للجهاد!؟

يبدو أنه آن الأوان لإغلاق ملف الفوضى الفكرية التي سيجت الحياة، وأعطت الحق للتأخر بدعوى أن الغرب لا يريد لنا أن نتقدم، ولكن نظرة بسيطة إلى الصين وماليزيا وسواهما من المجتمعات الأخرى تؤكد أن التغيير ليس لمسة سحرية مصدرها الغرب،

وتنطبق المسألة بالدرجة الأولى على اليابان التي خرجت من الحرب العالمية الثانية صفر اليدين ولكنها اليوم تصدر ثقافتها الاقتصادية إلى العالم باعتبارها أنجح الاقتصاديات خلال نصف قرن.

قبل لوم الآخر الغربي علينا النظر إلى الداخل نظرة نقدية فاحصة لكل الخطاب الثقافي الأصولي وما يفرزه من مشكلات سيكون علاجها أكثر صعوبة مستقبلاً، نظرة جادة صارمة حتى لا نستمر قروناً أخرى في تراجع وانحطاط.

hussain@albayan.ae