مؤلف كتاب «التعريف بابن خلدون» هو «ابن خلدون» نفسه ولعل هذا هو الغريب في الأمر، فمن النادر أن يقدم لنا كاتب كتاباً يتحدث فيه عن نفسه بدءاً من نسبه إلى رحلاته إلى حياته ومجرياتها.
ابن خلدون هو: «عبد الرحمن ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون» ويعيد نسبه إلى حضرموت، من عرب الجنوب، إلى وائل بن حجر، ثم جاء جده خلدون بن عثمان إلى الأندلس، نزل بـ «قرمونه» في رهط من قومه حضرموت، ثم انتقلوا إلى «اشبيلية» وكانوا في جند اليمن.
ثم يعرج بعد شرح طويل بمسيرة أجداده، إلى نشأته حيث يقول:أما نشأتي فأني ولدت بتونس في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وربيت في حجر والدي رحمه الله، إلى أن أيفعت وقرأت القرآن العظيم.
ثم يعدد مشايخه ثم يقول: «وبعد أن استظهرت القرآن الكريم من حفظي قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفراداً وجمعاً، في إحدى وعشرين ختمة ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى» ليعدد بعد ذلك مشايخه في الفقه والكتب التي قرأها عليهم.
ثم يذكر لنا اتصاله بالسلطان «أبي عنان» آخر سنة ست وخمسين حيث قربه وأدناه واستعمله في كتابته حتى تكدر جوه عنده وكيف قبض عليه وأودع في السجن، وكيف أرسل له قصيدته يستعطفه فيها والتي مطلعها:
على أيّ حال لليالي أعاتب وأي صروف للزمان أغالب
كفا حزناً أني على القرب نازح وأني على دعوى شهودي غائب
وهي قصيدة طويلة نحو مئتي بيت.
ثم يذكر كيف كتب للسلطان «أبي سالم» والقصائد التي ألقاها له، وما هي المناصب التي تقلدها عنده.ويسرد بشكل مطول رحلته إلى الأندلس، والأماكن التي مر بها ومن هو القائم عليها والحاكم فيها، ليقدم لنا لوحة بانورامية عن ذلك الزمان وأحواله، إضافة إلى دراسة السكان وأصلهم وكيف جاءوا إلى هذه المقاطعة أو تلك والأحوال التي أصبحوا عليها ثم عودته إلى «بجاية».
وما كان بينه وبين أميرها الذي أستقدمه إليها «فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي، وأركب أهل دولته للقائي وتهافت أهل البلد عليّ من كل صوب يمسحون أعطافي، ويقبّلون يديّ وكان يوماً مشهوداً».
وهو لا ينسى المراسلات التي كانت بينه وبين أعيان الدولة ورجالاتها والعلماء والفقهاء راسما الأسلوب الذي كان العلماء يتراسلون به، وعارضاً في الوقت ذاته الرؤية الفكرية التي كانت سائدة، من خلال فهم ما تقدمه هذه الرسائل.
كذلك يقدم لنا الشخصيات التي صادفها وأعجب بها كالوزير «ابن الخطيب» وهنا يقدم لنا هذه الشخصيات ومساهمتها في الحياة الثقافية، يقول: «وكان الوزير ابن الخطيب آيةً من آيات الله في النظم والنثر والمعارف والأدب لا يساجل مداه، ولا يهتدى فيها بمثل هداه».
وكان ما تحدثه عن هذا الوزير يرسم الحياة السياسية إضافة إلى الحياة الثقافية والمعرفية. وبعد أن يتحدث طويلاً عن رحلاته داخل المغرب العربي، والسلاطين الذين قابلهم والذين استدعوه وما كان بينه وبينهم، ينتقل للحديث عن رحلاته إلى المشرق العربي، وتوليه ولاية القضاء بمصر، وهنا يقدم لنا «ابن خلدون» لوحة شبه كاملة عن الحياة الفكرية والسياسية في مصر آنذاك، من خلال سرده للأحداث التي عاشها والشخصيات التي قابلها.
ولكنه لا ينسى رغم كل الأحداث والمناصب أن يعزم السفر إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، وهنا أيضا نعرف من خلال سرده عن الحجاز أشياء قد لا يذكرها المؤرخون، وهي وإن كانت أحداث شخصية، إلا أنها تحمل في طياتها ما هو عام، وتعبر عن الأوضاع الحياتية والسياسية والفكرية للناس.
وبعد عودته يتسلم القضاء ثانية، لكن الأهم هنا هو مرافقته السلطان الذي أراد قتال التتار في الشام، وفي هذا القسم نرى «ابن خلدون» عالم الاجتماع وهو يتعرض للشعوب وحياتها وما كان بينها من حروب، وكيف كانت عظمة كل منها،
ثم ما كان بين التتار وحصارهم «دمشق» وكيف تدلّى من قلعة دمشق في سلة حتى وصل إلى «تيمور لنك» وما كان من حديث بينه وبين السلطان «تيمور لنك».لكن الأهم في هذا الكتاب آراء «ابن خلدون» في الاجتماع والتي كانت المؤسس لمقدمته الرائعة التي تعتبر الركيزة الأساس في علم الاجتماع.