أجرت صحيفة «الغارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الروائي المصري علاء الأسواني، بمناسبة صدور الطبعة السابعة من روايته «شيكاجو» والاستعداد لإطلاقها في فيلم يستند إلى إنتاج ضخم مصري ـ أجنبي مشترك، وفي الوقت نفسه عكوفه على كتابة رواية جديدة حرص على تكتم كل التفاصيل المتعلقة بها.
وألقى الأسواني الضوء في هذه المقابلة على العالم الخلفي الذي انطلقت منه رواية «شيكاجو»، مؤكداً أنها تصدر في المقام الأول عن التفاؤل الشديد، وأعرب عن اعتقاده أن الأدب لا يكون أدباً حقيقياً إلا إذا كان ثورياً وأخلاقياً، وذلك في مواجهة الانتقادات التي وجهها العديد من النقاد والقراء التي تكثيف تناول العلاقات الحميمية بين أبطال «شيكاجو»،
ولفت النظر إلى أن هذا التناول ليس هدفاً في ذاته وإنما هو جزء أصيل من إضاءة العالم الذي يعيشه هؤلاء الأبطال بكل تعقيداته سواء في مصر أو في الولايات المتحدة. وحرص كذلك على التشديد على حقيقة أن آراءه وأفكاره السياسية لا تظهر بالضرورة في رواياته، ومن يريد تلمس ملامحها فليعد إلى مقالاته التي تنشرها الصحف القاهرية.
أما الرواية فلها منطقها النابع من هويتها كقالب أدبي له خصوصيته، ويتسم بقدر لا يستهان به من الصعوبة والتعقيد، وفيما يلي نص الحوار:
* وصف البعض روايتك «شيكاجو» التي صدرت الطبعة القاهرية السابعة منها مؤخراً بأنها رواية لحركة التغير الجماهيرية، فإلى أي مدى يتصف هذا الوصف بالدقة؟ وهل تعلق الآمال على الحركة الجماهيرية في مصر حقاً؟ أم أنك ترى في هذا قراءة غير دقيقة للواقع المصري؟
ـ إنني متفائل أشد التفاؤل، ولي في التاريخ خير دليل على أن تفاؤلي هذا في موضعه، فموقع مصر كان وبالا عليها، فمنذ الإسكندر الأكبر حتى جورج بوش من الثابت أنه لا يمكنك أن تسيطر على العالم إلا إذا سيطرت على مصر،
فأصبح المصري مهيأ ليتعايش مع الاحتلال والاستبداد، نشأت لدينا نوعية من المرونة والازدواجية جعلت المصري لا يمكنك أن تتعرف على آرائه إلا من خلال عينيه، فهو لا يتكلم إلا عندما يرى أن ما يقوله سيحدث تغيراً في المجتمع، وقد نتج عن ذلك أنك لا يمكنك أن تتوقع الفترة التي ستهب فيها رياح الثورة.
وتعد ثورة 1919 الدليل الأكثر وضوحاً على ذلك، فعندما تم نفي سعد زغلول كانت جميع تقارير السفارة البريطانية المرفوعة إلى لندن تؤكد أن قيام الثورة من المحال، فالجميع منهمك في حياته، والمشارب والمقاهي يتردد عليها الناس كعادتهم، وعندما اتجهت مجموعة من الطلاب إلى رفاق سعد في بيت الأمة حتى يعتصموا اعتصاماً سلمياً، قوبل عرضهم بالرفض،
وفور خروج الطلبة من بيت الأمة، التهبت الثورة، ويمكننا القول إن ذلك ينطبق على ثورة 1952، فالثورة كانت غير متوقعة. وكل ما نستشعره الآن أن مصر تنتقل من حالة إلى حالة، فالقديم لم يعد مناسباً، والجديد لم تتضح ملامحه بعد، وأعتقد أننا نحيا في هذه الحالة.
* رواية «عمارة يعقوبيان» أظهرت ضباط عهد الثورة على أنهم حلوا محل أثرياء العهد الملكي، فما هي رؤيتك لثورة 1952؟
ـ من المؤكد أن ثورة يوليو هي ثورة عظيمة. ومن المهم أن أوضح هنا أن رأيي السياسي لا يشترط بالضرورة أن يكون في رواياتي، فالروائي يشبه فنان العرائس المتحركة الذي يختفي وراء الحائط الخشبي، وظهوره أمام الجمهور يذهب بمتعة العرض. كذلك الأمر بالنسبة للروائي،
فعندما تقرأ في رواية «عمارة يعقوبيان» عن شخصية زكي الدسوقي باعتباره رجلاً قضت عليه الثورة، الأمر الذي يدفعه إلى أن يهاجمها بآرائه، فهو يرى أنها قضت على مستقبله السياسي، ولذا فإن آراءه تخصه هو وحده باعتباره شخصية روائية، أما آرائي السياسية فستجدها منشورة في جريدتي «العربي» و«الكرامة» القاهريتين، وكلاهما جريدتان ناصريتان.
* هل كان لرواية «عمارة يعقوبيان» الفضل في تخلصك من فكرة الهجرة إلى الخارج بشكل نهائي؟
ـ بالطبع، حيث كنت قد نشرت قبل هذه الرواية مجموعتين قصصيتين، لكنهما لم تلقيا النجاح الذي توقعته لهما، الأمر الذي جعل اليأس يتسرب إلى نفسي، وكنت قد وهبت الأدب كل طاقتي ووقتي، ورفضت عروضاً مغرية للعمل، كطبيب أسنان، وتركت جامعة إلينوي عائداً إلى مصر، في ضوء عشقي للكتابة، الأمر الذي جعل اليأس ينخر في فؤادي، فحبي للأدب لم يمنحني إلا القلق الدائم.
* هذا السؤال ينقلنا إلى سؤال منطقي، هو: هل تؤمن بوجود ما يسمى بالأدب الثوري؟
ـ إنني أعتقد أن الأدب لا يكون أدبا حقيقياً إلا إذا كان أدباً ثورياً وأخلاقياً بالضرورة، فالأدب يجعلك كائناً إنسانيا أفضل، ويمنحك رؤى وقيما إنسانية أكثر رحابة، بحيث أنك لا تميل إلى الأحكام المطلقة، وتتفهم النفس الإنسانية، وتحترم فيها ضعفها،
وهذا كله يصب في النهاية في مصلحة الثورة، غير أنه لابد من ملاحظة أن اصطلاح الأدب الثوري قد أسيئ فهمه إلى حد كبير، فأصبح الأدب المعبأ بصورة عشوائية بالحكم والمواعظ يسمى أدباً ثوريا، وأنا أختلف مع هذه الرؤية، ولا أعتقد أنه يوجد معنى أكثر دلالة على الثورة واليسار من ذلك.
* في ظل القطب الأميركي الأوحد، هل ترى أن التصورات اليسارية لاتزال قادرة على دفع المجتمعات للأمام أن العالم ينبغي أن يودع الاشتراكية تماماً؟
ـ اليسار يحوي الكثير من المعاني، وهناك من يحصره عن غفلة في التجارب الماركسية في العالم الغربي، فاليسار يعني التغير والإنسانية، ويعني أن تطبق قيما إنسانية بعيدة كل البعد عن السوق والمنفعة الشخصية، فاليسار اصطلاح رحب لا يمكننا حصره بتجارب منيت بالفشل في الغرب لظروف تاريخية بعينها، وهو قادر دائماً على التغير،
وأنا أجزم أنه لا يوجد أديب حقيقي إلا وله صلة باليسار بهذا المعنى، وأنا لا أقصد أن يكون ماركسياً، فأنا لست ماركسيا، ولابد لنا من تذكر أن هناك في تاريخ الإسلام من أعلن عن إيمانه العميق بتلك الرؤى التي نصفها باليسارية قبل أن يكتب كارل ماركس كلمة واحدة عن اليسار، فاليسار من منظوري يعني الإنسانية بالمعنى الرحب، بينما اليمين يعني التركيز على المصلحة الذاتية.
* ما هي رؤيتك للحركة الطلابية باعتبارها حركة فاعلة ومؤثرة في تغير مصر على الرغم من تعسرها الحالي ونموها المتباطئ؟
ـ في اعتقادي أن الحركة الطلابية تعد تقريباً من أكثر الحركات تشكيلاً لتاريخ مصر الحديث ، فمن الأسباب التي دفعت الرئيس المصري الراحل أنور السادات للتعجيل بحرب أكتوبر كانت الحركة الطلابية التي ازدهرت ما بين عامي 1968 و1972. ولا ننسى أيضاً الحركة الطلابية في عام 1946 التي استشهد فيها العديد من الطلاب، ومن أبرزهم عبد الحكم الجراحي.
محطات في مسيرة الأسواني
*ولد الكاتب والروائي المصري علاء الأسواني في القاهرة في عام 1957 لعائلة تهتم أشد الاهتمام بالأدب والثقافة وعرف أبوه الذي كان يعمل محامياً بمساهماته الأدبية وبحضوره في الوسطين الأدبي والفني.
* درس الأسواني طب الأسنان في مصر والولايات المتحدة، ومارس هذا النوع من الطب إلى جوار الكتابة الإبداعية. وله عدة روايات أشهرها «عمارة يعقوبيان» الصادرة عام 2002 والتي نفدت طبعتها الأولى في أربعين يوما، وأعقبتها تسع طبعات حتى اليوم، وروايته «شيكاجو» التي تستلهم تجارب دراسته في الولايات المتحدة. والصادرة مؤخراً، وينتظر تحويلها إلى فيلم شأن سابقتها.
*يعتبر الأسواني من الناشطين في حركة «كفاية» المعارضة ويكتب أعمدة ومقالات عدة تصدر في الصحف المصرية والعربية.
منى مدكور
