نائلة الوعري ابنة القدس وسفيرتها في أنحاء المعمورة، باحثة من فلسطين مقيمة بين الخليج والأردن وناشطة ورئيسة جمعية (نساء من أجل القدس). قرأت في سجل النضال الوطني للمرأة الفلسطينية وتضحياتها في ندواتها التي أقامتها في البلاد العربية.
لها مؤلّف كبير قيد الصدور عن «المركز العربي للأدب الجغرافي ـ ارتياد الآفاق» في أبوظبي ولندن، بعنوان «المعجم الجغرافي لبلدانية فلسطين في كتابات الرحّالة والجغرافيين العرب والمسلمين»، عملت عليه على مدى سنوات، بمساعدة عدد من الباحثين في الجغرافيا والتاريخ، يغطي بصورة شاملة كامل الجغرافية الفلسطينية بين القرنين العاشر الميلادي والعشرين، في أربعة أجزاء، من شأنه أن يكون مرجعاً شاملاً لكل باحث أو دارس في التاريخ والجغرافية الفلسطينيَيْن. قدم للكتاب الباحث المعروف محمد عيسى صالحية أستاذ التاريخ في جامعة اليرموك الذي رأى أن أهمية الكتاب تبع من كونه وثيقة تاريخية مهمة، فلا تاريخ بلا وثائق حتى تعود الحقوق إلى أهلها رغم التكالب والتآمر والاستقواء، سوف يكون له مكانة في الدراسات المتعلقة بفلسطين في عصرها الحديث والمعاصر.
فقد شغلت فلسطين، قلب الوطن العربي، جغرافياً وروحياً، الأرض المقدسة، وبلد الأنبياء وورثة الحضارة الإنسانية حيزاً بارزاً في اهتمامات المؤلفة، فما من أمة تكالبت عليها القوى الأوروبية العظمى والصغرى كما وقع فيها.
إذ لجأت تلك القوى ذات الأطماع الضاربة في أعماق التاريخ في فلسطين خاصة والوطن العربي وحتى الإسلامي لكافة الوسائل والإمكانيات، سواء على الأصعدة العسكرية أو التبشيرية أو الثقافية والاقتصادية، وذهبت، إلى حتمية طرد عرب فلسطين من مسلمين ونصارى واستجلاب يهود أوروبا من روسيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وهنغاريا وبلجيكا ورومانيا وحتى الأميركيتين.
كل دولة أو مدينة من هؤلاء وأولئك، كانت تسعى لفتح نوافذها ورمي اليهود إلى خارج بيوتها إلى فلسطين. العلاقة القائمة بين الحركة الصهيونية والحركات الاستعمارية الغربية ليست بجديدة، بل هي قديمة ومستمرة، أعلن عنها نابليون عندما جاء إلى مصر وفلسطين غازياً عام 1797،
وصرح بأنه مستعد لمنح الحركة الصهيونية بيتاً في فلسطين إن قام اليهود بمساعدته في حربه تلك، وكانت حملة نابليون التي لقيت معارضة بريطانية الشرارة الأولى لبدء الصراع الاستعماري الأوروبي للسيطرة على الوطن العربي،
وبالتالي ساهمت في إذكاء حدة الخلاف والعداء بين فرنسا وبريطانيا، وفي المقابل لفتت أنظار العرب إلى الخطر الداهم الذي بدا يعصف بهم جراء تزايد الخطر والتنافس الأوروبي على بلادهم. فقد كانت الحكومات الأوروبية جميعها تصّدر يهودها إلى فلسطين،
مانحة إياهم جوازات سفر وحماية وأمناً خلال سفرهم وترحالهم وحلّهم، وبهذا قامت هذه الحكومات الغربية من خلال قنصلياتها وسماسرتها بشراء أراضٍ فلسطينية، جرى تحويلها إلى اليهود حال خروج الدولة العثمانية من فلسطين،
وبهذا قامت هذه القنصليات بدور السمسار للحركة الصهيونية التي تمكنت من إقامة العديد من البؤر الاستيطانية في ظل الحماية الأوروبية المكشوفة، مما يعني أن هذه الدول قد قامت بدور العراب لخدمة الأهداف الصهيونية التي تطابقت مع أهداف الدول الاستعمارية ووسائلها،
كون الصهيونية حركة استعمارية نهبوية احتلالية، شأنها شأن الحركات الشبيهة التي نشأت في أوروبا مثل الفاشية والنازية، وهذا ما أقرته الأمم المتحدة علناً، في قراراتها، التي تراجعت عنها بعد ذلك بسنوات تحت ضغط هائل من الولايات المتحدة وريثة الاستعمار الغربي القديم.
كانت للأطماع الاستعمارية الأوروبية في الولايات الشامية وفلسطين في نهاية القرن التاسع أثار بعيدة المدى على الخريطة السياسية لأوروبا والوطن العربي، وتصدرت كل من فرنسا قائمة تلك الأطماع باعتبارهما الدولتين الأقوى في العالم الأوروبي، ثم جاءت الأطماع الروسية والألمانية لتشارك في جزء من الكعكة التي كانت الدول الأوروبية ستتقاسمها.
وأدت الامتيازات الأجنبية التي حصلت عليها تلك الدول وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى من الدولة العثمانية إبان عظمتها وقوتها، وتنامي وتعاظم تلك الامتيازات خلال القرنيين الثامن والتاسع عشر إلى زيادة حدة التنافس والصراع الاستعماري الأوروبي لتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية التي أخذت قوتها تتراجع وتضمحل بتأثير الضربات العسكرية التي أخذت تحل بها في أوروبا والهزائم التي منيت بها واضطرارها إلى توقيع اتفاقيات ومعاهدات مذلة مع بعض هذه الدول.
التقت الأطماع الأجنبية والمصالح الأوروبية مع الحركة الصهيونية لتنفيذ المخطط الصهيوني بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين وعلى خلفية دينية متطرفة، واعتمادها على قوة قانونية وشرعية الامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية للدول الأوروبية لعبت قنصليات: بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا والنمسا أدوراً هامة وسافرة في مجال الدعم المباشر لإنشاء الوطن اليهودي في فلسطين، وتسهيل الهجرة اليهودية،
واستعمل قناصل تلك الدول الذين خالفوا القوانين والأعراف الدولية المنظمة للبعثات الدبلوماسية، كل على طريقته كل أساليب الغش ونجحوا في إقامة مد سرطاني نافذ في مختلف المدن الفلسطينية ما بين 1840 ـ 1914 وتركزت جهود هم التي على تسهيل وتهريب المهاجرين من اليهود وعلى إثارة النعرات الطائفية لتهيئة البيئة الملائمة من التوتر والقطيعة بين أبناء بلاد الشام و فلسطين،
واللعب على المتناقضات بين الطوائف المسيحية والإسلامية، وساهم النشاط التبشيري لبعض الإرساليات الأجنبية إلى زيادة حدة الاحتقان بين الطوائف، سعى القناصل اللذين كانوا بمثابة العرابين للتأسيس اليهودي في فلسطين من خلال ألاعيبهم العدائية بحق الشعب الفلسطيني، واستهدافهم الحياة الاجتماعية للفلسطينيين
وتدخلهم في الحياة اليومية والمعيشية لهم في التأسيس للوجود اليهودي والاستيطان في فلسطين وتسهيل مهمة الحركة الصهيونية وفي وضع استراتيجياتها وسياستها وخططها موضع التنفيذ، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتوظيف الدين لخدمة أهدافهم غير النبيلة. وحفلت سجلات المحاكم الشرعية في كل من القدس، يافا، عكا نابلس بقضايا ودعاوى قدمها الأهالي ضد ممارسات القناصل أو نوابهم.
نجح قناصل الدول الأوروبية في إثبات وجودهم الفعلي على الأرض الفلسطينية ومارسوا دورهم بفاعلية منقطعة النظير من اجل استمرار تدفق اليهود إلى فلسطين وإتمام عمليات دخولهم ومن ثم إقامتهم وتوطينهم،
وتقديم يد العون والمساعدة لإيجاد الحلول المناسبة للقضايا والصعوبات والإشكاليات التي تعترض طريقهم سواء كان ذلك بالنسبة لعلاقتهم مع السكان الأهليين الفلسطينيين أو حماية مستوطناتهم أو مساعدتهم في إتمام الصفقات العقارية وعمليات البيع وتذليل أية صعوبات أو عراقيل يمكن أن تقف في طريقهم.
فاتنة كردي
*الكتاب:دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840- 1914
*الناشر: دار الشروق للنشر - عمان 2007
*الصفحات: 280 صفحة من القطع المتوسط

