ولد الشاعر والروائي الألباني اسماعيل كاداريه سنة 1936 . عاش جلّ حياته في بلده، لكنه غادره إلى فرنسا وطلب اللجوء السياسي سنة 1990، قبل شهرين من سقوط الدكتاتورية واحتكار الحزب الشيوعي للسلطة. جَمع مؤلفاته العديدة في 10 مجلدات ضخمة وفي طبعتين ألبانية وفرنسية وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 40 لغة.
وكاداريه الحالم بنوبل فاز بجائزة مان بوكر سنة 2005 وعن ذلك قال: إنه يأمل أن يؤدي فوزه بالجائزة إلى اظهار أن منطقة البلقان قادرة على انتاج آخر غير الصراعات والحروب الأهلية والتطهير العرقي. ولا يمكن فهم كاداريه الذي اختلف على أدبه بعيداً عن الظروف التي مرت بها بلاد البلقان ومنها ألبانيا، فالبلقان وقعت تحت الحكم العثماني قروناً عدة، كما وقعت تحت الاحتلالين الإيطالي والألماني ثم دارت ألبانيا عقوداً في فلكي الاتحاد السوفييتي فالصين، ووصلت بها الأمور إلى تحريم تعلم اللغات الأجنبية. ووجد كاداريه نفسه بين الإرث الثقافي للأتراك والأبعاد الثقافية للتقلبات السياسية المؤدلجة ومن هنا اُتهم بإعطاء تنازلات كبيرة ومن هنا أيضاً دافع عن نفسه قائلاً: اعتقدتُ بأن الأدب يمكن أن ينجز المستحيل، أي تغيير الدكتاتور! ..لما كنت أعرف، أنا الراهب «جون» ابن «جورج أوكشاما» أنه لا يُعثر على أي كتابة في لغتنا عن جسر نهر الـ «أويان» اللعين، ونظراً إلى أنه لا تزال تُنشر بصدده ـ علاوة على ذلك ـ أساطير وشائعات لا أساس لها من الصحة، فقد قررت ـ الآن وقد أُنجز بناؤه، بل وقد رُوي بالدم مرتين، عند أسسه وفي أعلاه - أن أكتب قصته... هكذا بدأت رواية «الجسر»..
فهنا على النهر توجد عبّارة يستقلها الناس للعبور نحو الضفة الأخرى وبالعكس وأحياناً مع حيواناتهم، مقابل أجرٍ طبعاً، ولكن البعض يُفضل عبور النهر من أماكنه الضيقة والضحلة على مسؤوليته تفادياً لدفع تلك الأجور وهو ما كان يعني المزيد من الضحايا سنوياً.
وهنا عند حافة النهر توجد لافته من الصفيح مكتوب عليها بحروف ملتوية الكلمات «عبارات وأطواف» وتَبين أن جميع عبّارات الأنهار والخلجان والبحيرات قد اشتراها رجل يهودي لم يُعرف اسمه، كان ذلك في نهاية شتاء 1367م.
وطبعاً هناك عقود تربط «عبارات وأطواف» بصاحب الأرض الكونت «سترس جيكوندي» وهو نفسه الذي وافق على بناء الجسر نظراً لحاجته للمال ومن أجل ابنته المريضة وليس كما حاولوا أن يشيعوا أن بناء الجسر تنفيذاً لوصية العلي القدير.
انتشر نبأ بناء الجسر مع بدأ العمل على الأرض واستقبل الناس الخبر بشعور امتزج فيه الخوف بالفرح وكلٌ له أسبابه. العجوز «أيكون» كانت أكثر المغتّمين، تنبأت وقالت: إن هذا الجسر هو ظهر الشيطان، ولسوف تصيب اللعنة من يجرؤ على المرور فوقه.
وتَوَلَد صراع بين «عبّارات وأطواف» وبين مستثمري الجسر. كانت ساحته الأولى بيت الكونت، الرجل الأول المعول عليه حسم الصراع! فالجسر يمر فوق أرضه. كان ذلك بحضور جون ابن جورج أوكشاما مؤلف تاريخ الجسر والذي كان شاهداً على كل التفاصيل.
الصراع أخذ أشكالاً أخرى فيما بعد، فحين انطلقت ورشة العمل بجد تبني قواعد الجسر، كان النهر يزداد قبحاً على الدوام وكان الناس عن بعد يراقبون بصمت وأحياناً يتهامسون، إلا «جيلوش» الأبله فيختلط بالعاملين وكأنه واحد منهم. أما «أيكون» فكانت تصرخ: كيف تجرأوا على قتل النهر؟.. سيأتي اليوم الذي ينتقم فيه النهر!
ثم بدأت حرب من نوع آخر استُخدمت فيها الأسطورة، وحتمية هدم الجسر قبل فوات الأون، والدراويش الذين سكنوا «نزل الروبيرين» القريب وشرعوا بالغناء بفأل سيئ عن الانتقام الآتي، وعن جنيات الماء. وحين تضرر بناء الجسر فجأة وشوهدت المواضع المصلحة والملاط والكلس عزا البعض ذلك إلى الدراويش على أنهم سحرة.
وبعد أن تجاهل الكونت شكوى أصحاب الجسر بوجود عمل تخريبي لهدم جسرهم على الرغم من أنهم لم يتهموا رجال الكونت أو حتى الاتراك المتزايدة أعدادهم هناك يوماً بعد يوم، جاء الرد، الرد على كل ذلك خاصة بعدما انتزعت حجارة ضخمة من دعائم الجسر عن عَمد بأن الجسر يحتاج إلى أضحية كي يتعافى ويصمد.
وجاء المغنون ينشدون: ليأت شخص يوافق على التضحية بنفسه عند أسفل الجسر، ليضحِ بنفسه من أجل خير آلاف المسافرين!.. وكان هذا نذير الدم، الدم الآتي ليروي الجسر. وأعلنوا أن هذه التضحية الخيّرة سيكون لها ثمن، ثمن يُغني صاحبها أهله من العوز.
واحتشد الناس في يوم ليشاهدوا «مرّاش زينيبيش» محبوساً تحت العَقْد الأول من الجسر، مطلياً بالكلس ولا يَبين منه غير رأسه وعنقه وقسم من صدره والباقي اختفى بالجدار.
أما أهله فبعد أن تأملوه طويلاً اختفوا وقيل اختلفوا على حصصهم من اقتسام التعويض. قالت زوجة مراش أنه كان يخرج بالليل أحيانا دون أن تعلم أين يذهب. وبات من الثابت أن مراش قُتل وأنه تم التخطيط لحذف المذنب من الوجود وأن الدافع هو نشر الخوف. ذُبح مراش وكانت عيناه مفتوحتين، جاء الناس من كل حدب وصوب لرؤية الميت الذي لم يُدفن!
وذات صباح استيقظ الجسر وقد تم إنجازه،متحالفاً مع العناصر المحيطة، ووقف الناس مفتونين فوق الضفتين، وساد شعور بأن نهر الأويان اللعين تشوه إلى الأبد. وبقي مراش الشخص الوحيد الذي مات ليخمد الخصام بين اليابسة والماء. ولم يعبر عليه أحد، فلم يكن أحد ليريد السير فوق الميت.
مضت أسابيع ولم يعبر أحد وحين انهمر المطر ابتل الجسر بشكل محزن. وبدا أن مئة سنة يجب أن تمر قبل أن يعبره أحد، وشُوهد ذئب يعبره، قبل أن تعبره عربات محملة بالزفت، ثم عبره الناس فرادى وزرافات. ومات المُعَدّي وهُجرت العبّارة والرصيف. وحين تصاعد عدد العابرين وضعوا لوائح برسوم العبور للأشخاص والحيوانات وكانت هناك خصومات للجماعات.
وعلى خطى الطريق المؤدي للجسر، ذلك الطريق الذي كان يوماً معبراً لجيوش الحملات الصليبية، كان هو الطريق نفسه الذي تُدق عليه طبول الحرب اليوم وتهدد بلاد الألبان والبلقان، وقيل إن المسؤول في الجيش التركي المُناط به استنزال اللعنات قبل نشوب كل معركة قام باستنزال اللعنات من السماء بلعن البناء المُهاجم، حصناً كان أو سوراً أو مجرّد خندق كما تستلزم قوانين الجيش.
شُددت الحراسة على الجسر، وجاءت الحادثة القادرة على شطر الزمن شطرين، فقد جاء سبعة فرسان مسرعين بعدوٍ عجيب وعندما اقتربوا أدرك الناس أنهم كانوا فرساناً اتراكا، وجرت معركة وصُد الاتراك وعادوا وخلفهم حصان بلا فارس، غير أنه بقي أثرٌ فوق الجسر، فقد كان وسطه غارقاً بالدم!!..
كريم السماوي

