بمناسبة صدور رواية «وزارة الحالات الخاصة» والضجة التي أثارتها في صفوف النقاد والقراء على السواء، أجرى موقع بورزوي الالكتروني هذه المقابلة مع مؤلفها الأديب الأميركي ناتان انجلاندر.
حيث يلقي الضوء على العالم الخلفي الذي نبعت منه هذه الرواية والسر في اتخاذه من «الحرب القذرة» في الأرجنتين مادة لصياغة روايته منها والصلة التي تربط هذه الرواية بمجموعته القصصية «للتخلص من دوافع لا تحتمل» التي كانت قد أثارت ضجة مماثلة وحظيت بمجموعة متميزة من الجوائز الأدبية، كما يتطرق إلى عمله المقبل الذي يصفه بأنه ساحة لمواجهة متاعبه مع الدنيا بأسرها. وفيما يلي نص المقابلة:
* تحولت مجموعتك القصصية «للتخلص من دوافع لا تحتمل» فور صدورها إلى واحد من أفضل الكتب مبيعاً في طبعتيها ذات الغلاف السميك وذات الغلاف الورقي، وفاز بجائز اتحاد الكتاب العالمي، ولم يتردد عدد كبير من النقاد في وضعها موضع المقارنة مع روائع أنطون تشيكوف وإيزاك باشيفيس سينجر، وبعد ثماني سنوات تطل روايتك الأولى «وزارة الحالات الخاصة». ما هو شعورك وأنت تحقق نجاحاً على هذا المستوى في مرحلة مبكرة من حياتك الإبداعية؟
ـ قبل أن يصدر كتابي الأول، كنت أعكف على كتابة القصص والأقاصيص القصيرة، ولم أكن أعتزم تحقيق أي نجاح مبكراً كان أو متأخراً، وعندما قوبلت المجموعة بالاستقبال الحافل الذي حظيت به، كان ذلك مثيراً للغاية، والآن يتكرر هذا المشهد من جديد. وبعد ثماني سنوات، ما الذي يعنيه هذا؟
إن الجزء المتعلق بالكتابة لا ينتهي، فهذا هو ما أقوم به. ولكن فيما يتعلق بالجزء المتصل
بمسار الحياة العملية، فإنني أشعر كما لو كنت أستهل حياتي العملية من جديد. وعندما تنشر كتاباً في أواخر العشرينات وكتاباً آخر في أواخر الثلاثينات، فإنه يصبح واضحاً بالنسبة لك أن جانباً كبيراً من مستقبلك مرتبط بما يحدث مع صدور كل كتاب. وفي الوقت الحالي فإنني أضع محتويات شقتي في صناديق لأن الأمور ستتغير بشكل أو بآخر.
* هل عكفت على كتابة روايتك الجديدة ثماني سنوات؟ ما الذي كنت تقضي فيه وقتك غير ذلك منذ صدور مجموعتك القصصية الأولى؟
ـ لقد كان هذا الكتاب مستهلكا لكل طاقتي، وقد فشلت على نحو بائس في الحصول على يوم عطلة واحد في الأسبوع أتوقف خلاله عن الاشتغال عليه، ولم أكن أطيق القيام بأي شيء إلا الجلوس أمام منضدة الكتابة.
وبسبب عجزي عن أن تكون لي أي هواية عابرة، فقد كان هناك عادة نشاط ما أجدني مهووساً به جنباً إلى جنب مع الكتابة، بحيث انه سيكون هناك العدو والكتابة لمدة عامين، والسباحة والكتابة لمدة عام، وركوب الدراجة والكتابة. وعلى امتداد العامين الأخيرين كنت مهووساً باليوغا والكتابة، واليوغا نشاط مدهش وقد كان يمكن أن يقضي عليّ لو أنني بدأت الانشغال به في وقت أكثر تبكيراً.
* تقع أحداث روايتك الأولى «وزارة الحالات الخاصة» على خلفية من الحرب القذرة في الأرجنتين. كيف أصبحت مهتماً بهذه الحرب القذرة وما الذي ألهمك الكتابة عنها؟
ـ إذا شئنا التعبير عن الأمر ببساطة. لقلت إنني أصبحت مهتماً بما يعنيه أن تفقد عالمك، أن تتغير من حولك تماماً مدينة تعشقها، ولكنني أعتقد أن تلك فكرة كانت تكبر فيما الكتاب نفسه يكبر، وتتطور جنبا إلى جنب مع الأفكار المتعلقة بالمجتمع والهوية.
ولو أنني حاولت تتبع الفكرة إلى بدايتها، فإنني أعتقد أنه ينبغي عليَّ القول إنها بدأت عندما تعرفت بمجموعة من الأرجنتينيين في عام 1989، وقد كانت تلك هي المرحلة التي شهدت احتكاكاً حقيقياً لي مع أناس ينتمون إلى ثقافات مختلفة.
وقد فتنت بهذه المجموعة من الأرجنتينيين، فقد كانوا مجموعة طيبة ورقيقة من الناس وكل ما يتعلق بهم شكلته وصاغته الحقائق السياسية الخاصة بطفولتهم. وتحول الافتتان بالناس إلى افتنان بالمكان، وعندما تشكلت أفكاري أصبحت هناك قصة جاهزة ليشاد صرحها، وبدا جليا أن الأرجنتين هي الأساس الذي يشاد عليه هذا الصرح.
* في مستهل رواية «وزارة الحالات الخاصة» تسأل إحدى الشخصيات شخصية أخرى: «أي الرجلين أفضل حالاً، الرجل الذي لا مستقبل له أم الرجل الذي لا ماضي له؟» إلى أي حد تعتقد أن هذا خيار يواجهه الناس عادة؟
ـ ربما كان كل قرار كبير يفرض هذا الخيار بشكل من الأشكال، فهناك دائما تنازل من نوع ما. هل ستكون أكثر صدقاً مع الشخص الذي تريد أن تكونه (أي ذاتك في المستقبل) أو الشخص الذي يفترض أن تكونه (أي ذاتك بحسب التاريخ الذي نشأت عليه)؟
وفي الرواية يتم التلاعب بهذه الفكرة على مستوى أكبر كثيراً، ذلك لأنني في الأرجنتين التي قدمتها للقارئ، في مشهد الحرب القذرة الذي تخيلته، أصبحت مهووساً بشر آلي تقريباً هو بمثابة نتاج جانبي للناس الذين يختفون. فأن تقتل شخصاً يعني أن تحرم ذلك الشخص من المستقبل، وهو عمل أساسي يرقى إلى مستوى القتل. و«اختفاء» ذلك الشخص نفسه يعني مد اليد وانتزاع ماضيه من جذوره.
إن هذا الاختفاء لا يعني توقفهم عن الوجود، وإنما جعلهم لم يوجدوا قط. إنه يعني اجتثاثهم من جذورهم، وتلك طريقة لتهشيم الصلة التي يبدو ظاهريا أنها غير قابلة للفصم بين المستقبل والماضي. وأحسب أن السؤال الذي يتدفق عبر جانب كبير من الرواية هو: «على الرغم من حسن النوايا كيف نساهم كأفراد أو كمجموعات في اجتثاث ذواتنا نحن أنفسنا؟».
* هل تقارن حرب الأرجنتين القذرة التي تركز عليها في الرواية بوقائع وأحداث تحدث في عالمنا اليوم؟
ـ هل تريدني أن أضع قائمة في هذا الصدد بحسب الموضوع، أي الانقلابات العسكرية، جرائم القتل التي تقف وراءها الدول، الأبرياء الذين يختفون، الصحافيين الذين يتم إلزامهم الصمت.. أم تريدني أن أمضي بحسب الضحايا كنسبة من عدد السكان أم الاقتصار على نصف الكرة الغربي؟ لست أدري ما إذا كان قد قدر لهذا الكوكب أن يعرف وقتاً يسوده السلام، ولكن من منظوري فقد كانت هناك أوقات لأمل أكبر.
وليس هناك بالقطع نقص في الطرق الخاصة بربط تلك العهود المظلمة في الأرجنتين بالأحداث الراهنة، وأنا أقول هذا في الوقت الذي أقر فيه بالطبيعة الفريدة للحرب القذرة في الأرجنتين، ولست أعتقد أن أي أمة اجتازت شيئاً كهذا تعتقد أن أي تجربة أخرى يمكن أن توضع موضع المقارنة معها، وهي محقة في ذلك.
وما كان مصدر شعور بالصدمة بالنسبة لي هو الوصول إلى نهاية هذه الرواية ورفع رأسي لأجد أن واحداً من العناصر الأكبر، وهو الجزء المتعلق بالمثول أمام القضاء، هو شيء ماثل في نشرات الأخبار في أميركا.
* بقدر ما يتعلق هذا الكتاب بالأرجنتين والحرب القذرة فإن جراحات التجميل تلعب فيه دوراً يعتد به. كيف يندرج هذا الموضوع مع مجمل الرواية؟
ـ في كتاب يجري تغيير التاريخ فيه على مستويات عديدة، تطرقت إلى الاهتمام بما يكمن وراء استعداد الناس للقبول بتغيير أنفسهم عضويا. ومن المدهش بالنسبة لي أن أتأمل فكرة قبول المرء لتغيير أنفه ومع التقدم التقني قبوله لتغيير جسمه أو عمره. والكتاب يدور إلى حد كبير حول الصلات بين الماضي والمستقبل، وتغيير الهوية من خلال الجراحة هو طريقة أخرى لتتحطم بها الكثير من العناصر.
* ما الذي تعكف على الاشتغال عليها في الوقت الراهن؟
ـ إنني أعمل حالياً على سلاسل من رسائل البريد الالكتروني تسمى «في الصندوق منذ 1999» حيث أحاول وأنقذ ألف صداقة مفقودة. وأنا في متاعب مع الدنيا بأسرها حقاً.
محطات في مسيرة إنجلاندر
*ولد القاص والروائي الأميركي ناتان انجلاندر في لونج ايلاند بولاية نيويورك، وتخرج من جامعة برنجهامتون.
* نشرت قصصه في العديد من المجلات البارزة ومنها «أتلانتك مونثلي» و«نيويوركر» ومختارات عدة منها «أفضل القصص الأميركية» و«قصص جائزة أو. هنري».
* نشرت مجموعته القصصية الأولى بعنوان «للتخلص من دوافع لا تحتمل»، وحظيت بنجاح فوري لدى صدورها في طبعتها ذات الغلاف السميك وذات الغلاف الورقي، وذلك في عام 2000، وتقاضى عنها من دار الفريد نوف 350 ألف دولار وهو مبلغ غير مألوف عن الكتاب الأول لأي مؤلف، ونال عن هذه المجموعة العديد من الجوائز الأدبية البارزة.
* صدرت له مؤخراً روايته التي طال انتظارها بعنوان «وزارة الحالات الخاصة»، ويعكف حالياً على انجاز عمل جديد يقول عنه إنه يحاول فيه حسم متاعبه مع الدنيا بأسرها.
منى مدكور
