الرواية التي أثارت ضجة عاصفة في نصف الكرة الأرضية الغربي بوينس أيريس التي يقدمها الروائي الأميركي ناتان انجلاندر للقراء في روايته الأولى «وزارة الحالات الخاصة» هي مدينة للاختفاءات، فالأسماء تزال عن شواهد القبور، والتواريخ العائلية غير المشرفة يتم إنكارها، والعمليات الجراحية التجميلية تشوه التشابه بين الملامح. والطلاب يودعون في غياهب السجون، والبعض قد يصبحون ضحايا لـ «رحلات الموت الجوية» والمنشقون الذين يجري تعذيبهم يتم تخديرهم ويلقى بهم من الطائرات إلى مجرى مائي يندفع إزاء المدينة متدفقاً نحو المحيط الأطلسي.
ويتم انتزاع باتو، الابن المراهق والعذب بطبيعته وإن كان متمرداً لكاديش وليليان بوزنان، من دارهما ذات مساء على يد مجموعة من «رجال الاختفاء» المسلحين، ويعجز الأبوان عن التوصل إلى أي أثر لابنهما. وسرعان ما يصبحان محتجبين بالنسبة لجيرانهما وللآباء الآخرين. تقع أحداث هذه الرواية في عام 1976، عندما انتزع العسكر الأرجنتينيون السلطة من ايزابيل، أرملة خوان بيرون، التي وقعت مراسيم تخول العسكريين السلطة لـ «القضاء على العناصر المخربة». وعلى امتداد السنوات السبع التالية ستشن الحكومة الأرجنتينية حرباً ضد مواطنيها.وبحسب السجلات الرسمية فإن حوالي تسعة آلاف نسمة قد قتلوا أو «اختفوا» وتقدر منظمات حقوق الإنسان أن هذا الرقم أقرب إلى أن يكون ثلاثين ألف نسمة.
وفي مرحلة مبكرة من الرواية يشير إنجلاندر إلى ماضي الأرجنتين الحافل بالعذاب إشارات غامضة، ولكنه في حكمة يقلل من بروز وجهات نظر الثلاثي الذي يشكل أبطال العمل. والخصائص المتعلقة بهذا الزمان وهذا المكان هي عناصر مهمة وغير مهمة في آن، فعالم عائلة بوزنان بكل ما فيه من نقاط تفتيش وحراسة، وبكل ما فيه من اختطافات ومتاهات البيروقراطية هو عالم يمكن أن ينتمي إلى أي بلد عاش حالة حصار داخلي في القرن العشرين.
وليليان وكاديشن بوزنان يدركان بصورة غامضة فحسب العاصفة الآخذة في التجمع، وفي يوم وقوع الانقلاب تمر ليليان بالدار الحمراء الوردية، (وهو مبنى واقعي لايزال يتخذ مقراً لرئاسة الأرجنتين حتى اليوم) وهي في طريقها إلى العمل. وهي تروي تجربتها لزميل لها في العمل قائلة: «صوب ملء شاحنة من الرجال بنادقهم إلي فيما أنا لا أزال امضي في طريقي».
المدهش حقاً أن ليليان وكاديش يكسبان عيشهما من افتقار أبناء وطنهما إلى الشعور بالأمن، فهي تعمل في مكتب لشركة تأمين أما هو فيعمل بمحو الأسماء والألقاب من شواهد القبور في مقبرة المدينة بتكليف من الأبناء الراغبين في ازالة المهن والأوصاف غير المشرفة المكتوبة على شواهد قبور آبائهم.
وتلفت الناقدة إليجرا جورمان في عرض مطول لهذه الرواية نظرنا إلى انه إذا كان الكتاب يقال لهم عادة إن عليهم أن يكتبوا عما يعرفونه، فإن هذا هو بالضبط ما فعله إنجلاندر في مجموعته القصصية الأولى، ولكن الحيلة الأساسية في الكتابة عما تعرف هي التأكد من أنك تعرف المزيد كلما ازددت نضجاً وأن ينعكس ذلك بعمق في تناولك لموضوعاتك.
وبهذا المعنى فإن رواية انجلاندر الأولى تستحضر مادة شديدة الثراء، حيث تجري أحداثها في بوينس ايريس عام 1976 عبر «الحرب القذرة» التي شهدتها الأرجنتين.وفي هذا الإطار العريض، نقترب من الطالب باتو بوزنان الذي يدرس في الجامعة ويتردد على العروض الموسيقية ويدخن مع أصدقائه، ونلتقي أبويه اللذين يعيشان من مهنتين بالغتي الغرابة، هما التأمين وإزالة النقوش عن شواهد القبور.
لكن هذا الحياة تتشظى، وتتحول إلى نثار، عندما يختفي باتو، ويبدأ ليليان وكاديش رحلتهما المروعة في غمار محاولة اختراق «وزارة الحالات الخاصة» للوصول إلى ما حدث لابنهما الذي اختفى كأنه لم يوجد يوماً.
وتتخذ رواية انجلاندر سمة ملحمية مع نزول هذين الأبوين إلى العالم السفلي وانطلاقهما في دوائر جحيمية لا نهاية لها. وتتوالى المشاهد التي تتحدى النسيان، حيث يتعذر على القراء نسيان مغامرات ليليان في متاهات البيرواقرطية الأرجنتينية. ويستحيل عليهم نسيان التأثير المروع لعمليات تجميل الأنف التي تجرى لها على يد جراح متخصص يقوم بها كجزء من الأجر الذي يدفعه لزوجها عن ازالة عناصر شائنة من شاهد مقبرة أبيه.
في النصف الثاني من الكتاب يوغل المؤلف في الرحيل مع القراء عبر معنى النسيان المركب والمعقد في إطار التجربة الأرجنتينية المروعة.وقد كان من الطبيعي أن تحظى هذه الرواية التي طال انتظارها باهتمام كبير، وبصفة خاصة من جانب النقاد والقراء في نصف الكرة الغربي.
ها هي مجلة «كيركوس» المتخصصة في عروض الكتب تبادر إلى القول عنها: «استحضار بالغ العمق للحرب القذرة في الأرجنتين التي دامت طوال السنوات من 1976 إلى 1983.. وقد شكلت مجموعة انجلاندر القصصية وعداً بمستقبل متألق، وقد تحقق هذا الوعد على نحو يتجاوز كل التوقعات».ونظل مع المطبوعات المتخصصة، حيث تقول مجلة «بوكليست» عن هذه الرواية: «هذا عمل ناضج بصورة مدهشة، تجرى أحداثه على نحو رشيق ويعكس معرفة عميقة على ساحة بعيدة عن ساحة المؤلف الأصلية في نيويورك».
وتقول مجلة «ببلشرز ويكلي» عن المؤلف: «يكتب انجلاندر باقتدار وتمكن متزايدين، ويرد على الذهن كل من جوجول وسينجر وأورويل، لكن كتاب انجلاندر فريد من نوعه في الجمع بين التقاليد الأرجنتينية والتعسف الدكتاتوري».
وبعيداً عن المطبوعات المتخصصة تقول مجلة «نيوزويك» عن هذا العمل إنه: «مدهش.. حيث أن جانباً كبيراً من قوة الكتاب ينبع من معالجته الهادرة للحبكة».
وبدورها تقول مجلة «بيبول» عن الروائي: «إن رحلة انجلاندر إلى البقعة السوداء المتعلقة بلغز الاختفاء من شأنها أن تجعل كافكا أو أورويل يفخر بها».
وتقول مجلة «إسكواير» إن: «نثر انجلاندر يتحرك بقوة هادرة وبصراحة بسيطة وخادعة في آن».
في المقبرة
«الكثير من الأرجنتينيين يدفنون أنفسهم بالطريقة التي يعيشون بها، فهم متزاحمون معاً، وكل منهم يتربص بالمجال الذي يحظى به الآخر. وكانت شواهد القبور متقاربة إلى حد بعيد، والجثث تحت الأرض ترقد كتفاً لكتف، ورأساً لقدم.
ومضى كادش بباتو عبر صفوف غير متوازية تمتد على أرض غير مستوية في المقبرة. وقد أحاط بكفه عين المصباح النقال لكي يخفف من حدة الضوء. وتوهجت أصابعه باللون البرتقالي، وباللون الأحمر فيما بينها، بينما هو يمرر قبضته على امتداد وجه حجر.
كانا يبحثان عن مقبرة هيزي ذي النصلين، ولم يستغرق العثور عليها وقتاً طويلاً منهما. وكانت البقعة التي يرقد فيها عالية بحدة، وقد مال المؤشر إلى مقبرته إلى الوراء، وبدا لكادش كما لو أن الرجل العجوز قد حاول أن يشق طريقه إلى التحرر من قبره بأظافره. وبدا كذلك كما لو كان يتعين على ابنة ذي النصلين أن تنتظر فصل شتاء آخر لكي تستغني عن خدمات كادش بوزنان وذهابه إلى المقبرة على الإطلاق».
*الكتاب:وزارة الحالات الخاصة
*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2007
*الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط
The Ministry of Special Cases
Nathan Englander
Alfred Knopf- N.Y.2007
P.352

