مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الانجليزي المعروف: هيو مايلز. وكان قد ولد في المملكة العربية السعودية حيث يشتغل والده ثم عاش في ليبيا ودرس العربية هناك ثم عمّق دراساته بعدئذ في جامعة اوكسفورد واليمن.
وبالتالي فللرجل معرفة عميقة بالعالم العربي، وهو أحد المختصين فيه وفي شؤونه السياسية والدينية والاجتماعية. وكان قد اشتغل لفترة في مجلة لندن لعرض الكتب قبل أن ينتقل إلى الصنداي تايمز. وفي عام 2000 حاز على جائزة التايمز لأفضل صحفي في العالم. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف دراسة تفصيلية عن قناة الجزيرة القطرية الشهيرة. وهو يدرس مراحل تشكلها الأولى ثم نهضتها وازدهارها حتى أصبحت أهم فضائية عربية. ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: إنها القناة الأكثر مشاهدة في العالم العربي والأكثر عرضة للجدل والخلاف أيضا. ولكن على الرغم من ذلك فإنه منذ إنشائها عام 1996 وحتى اليوم ما انفكت هذه القناة تتطور وتتسع وتزدهر. وبدءًا من عام 2006 أصبح هدف الجزيرة أن تنشر برامجها باللغة الانجليزية وبالتالي أن تضيف ملايين المشاهدين الناطقين بالانجليزية إلى جمهورها الواسع. إنها تستهدف الجمهور الأميركي والانجليزي بالدرجة الأولى. وهكذا تضم إلى الخمسين مليون عربي الذين يشاهدونها كل يوم عددا كبيرا جديدا لا يعرف العربية بالضرورة.
وفي الذكرى العاشرة لتأسيسها (1996-2006) أراد المؤلف أن يقيم حصيلة إنجازات وربما نواقص هذه الفضائية العربية على مدار السنوات العشر المنصرمة. يقول بما معناه: لقد أصبحت برامج الجزيرة اليوم تصل إلى شتى أنحاء العالم. ولكن بالطبع فإن معظم جمهورها موجود في الشرق الأوسط، أو في المغرب والمشرق العربي على حد سواء.
ولا ينبغي أن نستهين بجمهورها في أوساط الجاليات العربية المغتربة في أوروبا وأميركا الشمالية واستراليا وأماكن أخرى في العالم. فهو حتما يتجاوز الملايين.
وبما أن نسبة الأمية لا تزال كبيرة في العالم العربي فإن الصحافة المكتوبة تظل محصورة بأوسط المثقفين والمتعلمين، هذا في حين أن أغلبية الشعب تستمد معلوماتها وأخبارها من الفضائيات التلفزيونية. من هنا أهمية قناة كالجزيرة أو سواها. فالأميون الذين يعرفون القراءة والكتابة يشاهدونها أيضا.
ولكن الجزيرة دفعت ثمن حرية التعبير من قبل معظم الأنظمة العربية. وهذه هي ضريبة الشهرة والحرية الفكرية في الواقع. قنوات الأنظمة أو معظمها تكون عادة طيعة، مدجنة. أما قناة الجزيرة فكانت تتمتع بحرية نقدية كبيرة. ولذلك جذبت المشاهدين العرب بالملايين فانصرفوا عن قنواتهم الرسمية التي تكرر نفس الشيء على مدار الساعة.
فيما بعد تطورت هذه القنوات وأعطيت بعض الحرية لكي تنافس الجزيرة وتخفف من إقبال الجمهور عليها.
عندما نقلت الجزيرة الأعمال الفظيعة التي ارتكبت في إقليم دارفور عاقبتها الخرطوم واعتقلت مدير مكتبها هناك بعد أن اتهمته بالتشهير بالدولة. وهناك أمثلة عديدة أخرى على تعرض الجزيرة أو مراسيلها للعقاب هنا أو هناك في مشرق العالم العربي ومغربه. وكثيرا ما يغلق مكتبها ولو لفترة من الزمن لأنها أزعجت سلطات هذا البلد أو ذاك.
ثم يردف المؤلف قائلا: لو لم تكن الجزيرة تتمتع بهامش من الحرية النقدية لما استطاعت استقطاب العرب بالملايين. فالجمهور العربي كان متعطشا إلى الحرية عندما ظهرت الجزيرة قبل عشر سنوات ولذلك نجحت كل هذا النجاح الباهر.
لقد ظهرت في اللحظة المناسبة لكي تشبع حاجة العرب إلى الحرية. فالقمع الفكري والسياسي سائد في العالم العربي منذ سنوات طويلة على عكس بلدان الغرب حيث تتوافد الحرية بل وتزيد عن حدها أحيانا لكي تنقلب إلى ضدها.
وقد كانت القناة تختار ضيوفها بعناية وبشكل أن يؤدي حضورهم إلى إثارة الجدل والمناظرة الخلافية، والأخذ والرد بل والعياط والصراخ. وهذا ما يثير الجمهور ويحرضه ويشوقه أكثر. فالبرامج الهادئة المملة التي لا تحصل فيها خلافات حادة أو صاخبة لا تثير أحدا. وقد تعرضت الجزيرة لمختلف الموضوعات التي تهم المشاهد العربي: كالدين، والسياسة، والمرأة، وسوى ذلك.
يضاف إلى ذلك أنها فاجأت الجمهور باستقبال شخصيات إسرائيلية لأول مرة في تاريخ التلفزيونات العربية. وعلى الرغم من أن ذلك أثار الامتعاض كثيرا لدى الجمهور إلا أنها واظبت عليه بل وقلدتها فضائيات أخرى فيما بعد. وبالتالي فأحد أسباب نجاح الجزيرة هو جرأتها الكبيرة أيضا. فهي تنتهك التابوهات (أو المحرمات) العربية.
ثم يردف المؤلف قائلا: هذا وقد تحول بعض مقدمي البرامج أو المشاركين فيها إلى نجوم في العالم العربي. يكفي أن تذكر هنا اسم فيصل القاسم وبرنامجه الشهير: الاتجاه المعاكس، أو أحمد منصور وبرنامجه بلا حدود، أو سامي حداد وبرنامجه أكثر من رأي، أو الشيخ يوسف القرضاوي والبرنامج الذي يساهم فيه: الشريعة والحياة.
هذا بالإضافة إلى برامج أخرى عديدة لا تقل أهمية. كل الموضوعات طرحت ومن وجهات نظر متعاكسة وهذا ما يؤدي إلى توضيح الأشياء وإخراج العالم العربي من هيمنة الرأي الواحد عليه.
ولكن البعض يعيب على الجزيرة ديماغوجيتها أحيانا: أي انصياعها لثقافة الشعارات القومجية أو الأصولية أو الاثنتين معا. ولكن الوعاء ينضح بما فيه. فهذه هي حالة الشارع العربي، والجزيرة مضطرة لمراعاته والسير خلفه لكيلا تنقطع العلاقة بينها وبين جمهورها الطويل العريض في مشرق العالم العربي ومغربه.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد أخذ عليها البعض أنها قناة بن لادن أو صدام حسين أو سوى ذلك. ولكن هذا ليس صحيحا إلا جزئيا. ثم ألم يكن الشارع العربي في لحظة من اللحظات يصفق لهما؟ وبالتالي فالجزيرة مضطرة لمراعاة ذلك. ولكنها تعطي حق الكلام أيضا للتيارات العقلانية والليبرالية في الساحة العربية.
ثم يستعرض المؤلف بعدئذ مواقف الجزيرة من الانتفاضة الثانية وكيف غطت أحداثها. وكذلك يدرس موقفها من ضربة 11 سبتمبر وكيف غطت الحدث. وبعدئذ ينتقل إلى تغطيتها لحرب أفغانستان التي شنتها أميركا كرد فعل على 11 سبتمبر.
وهنا يقول بما معناه: لقد كانت الجزيرة هي القناة العربية والعالمية الوحيدة الموجودة في العاصمة كابول أثناء حصول الحرب. وقد ازدادت شهرتها جدا آنذاك لأن كل وسائل الإعلام الأخرى أصبحت مضطرة للأخذ عنها من أجل إعلام جمهورها بما يحصل هناك.
فالتلفزيون الفرنسي مثلا كان يعتمد عليها كليا لنقل صور الحرب وأخبارها. وقس على ذلك بقية التلفزيونات العالمية بما فيها CNN الشهيرة. نعم لقد أدت حرب أفغانستان إلى زيادة أهمية الجزيرة وكرستها كقناة تلفزيونية على مستوى العالم كله.
نقول ذلك على الرغم من أن الغرب امتعض منها كثيرا. بل واعتبرتها الإدارة الأمريكية متحيزة للطالبان وبن لادن. ولذلك حاولت قصفها عندما احتدمت الحرب هناك. وفي بعض الفترات منعت الحكومة الأميركية تلفزيوناتها المحلية من نقل الأخبار والصور عنها. وهكذا مارس البلد الذي يفتخر بأنه رمز الحرية والديمقراطية الرقابة على حرية الفكر والصحافة.
ولكن القنوات التلفزيونية الانجليزية لم تنصع لهذه الأوامر. وأثبتت انجلترا بذلك أنها أكثر عراقة ديمقراطية من أميركا على الرغم من أنها كانت منخرطة في الحرب مثلها. وقد طلب طوني بلير مقابلة الجزيرة لأول مرة آنذاك للرد على دعاية الأصوليين ضد الغرب. وقابله الصحافي سامي حداد مطولا. وكانت مقابلة مشهورة دفعت ببوش إلى التفكير بإعطائها مقابلة أيضا، ولكنه تراجع لاحقا.
*الكتاب:الجزيرة
*الناشر:أباكوس ـ لندن 2006
*الصفحات:464 صفحة من القطع الكبير
Al Jazeera
Hugh Miles
Abacus- London 2006
P.464
هيو مايلز

