مؤلف هذا الكتاب هو برنار ستيجلر، الفيلسوف المعروف في الأوساط الفكرية الفرنسية والذي ألف عددا واسعا من الكتب حول الحياة المعاصرة في البلدان الغربية ومن بينها بوجه خاص: «إعادة الابتهاج بالعالم»، «رأسمال الفكر ضد الشعبوية الصناعية»، «انتظار اللامنتظر»، «تأسيس أوروبا (مجلدان)»، «البؤس الرمزي (مجلدان)»، «التقنية والزمن (3 مجلدات)»، الخ.
تسيطر سلطة التلفزيون في فرنسا وفي معظم البلدان الصناعية الأمر الذي يقوّض الديمقراطية حسب الكاتب. فهذه السلطة تحل «المشاهدين» محل «الرأي العام»، و«تقطع الطريق على المؤسسات السياسية» و«تلغي المواطنة». هكذا أصبح التلفزيون والوسائل التكنولوجية التي تشكل امتدادا له عبر الشبكات الرقمية المختلفة: الرهان الأول في البلدان الغربية. لقد تحولت السياسة إلى نمط من «العلاقات العامة الاتصالية» بما يحولها إلى سوق نشاط سياسي على شاكلة السوق الاقتصادية التجارية. ففي العقود الأخيرة، نشرت أجهزة السلطة التلفزيونية نزعة شعبية صناعية تولد على مستوى كل من اليسار واليمين في فرنسا (وفي بقية البلدان الصناعية) سياسة تتوجه نحو الاندفاعات الغريزية لدى الأفراد المشاهدين، تحل نزواتهم محل رغباتهم، وميولهم محل عقلانيتهم. هذه النزعة الشعبية التي تنشرها وتفعّلها التلفزة الحديثة تشكل «كاريكاتورا» للديمقراطية وتهددها بالانقراض. إلا أنها نفسها ليست ذات أصل سياسي أو إعلامي بحد ذاته بقدر ما أنها ذات «منشأ صناعي»، الأمر الذي يشدد عليه ستيجلر.
والواقع أن النزعة الشعبية الصناعية بدأت تاريخيا في أميركا على قاعدة ما يسمى ب«الإنسان العاطفي» الذي تسيّره نزوعاته وميوله الفردية. وإذا كان هناك من نزاع بين الأفراد داخل المنشأة الإنتاجية أو في الحياة العامة فإن هذا يعود إلى فوضى واضطراب في نفسياتهم. وبالتالي فإذا كان لا بد من تحريرهم فمن الحالات النفسية المرضية التي يعيشونها والتي لا تمكنهم من العمل أو التفاهم او التوافق فيما بينهم.
باختصار نحن أمام فرد عاطفي نفسي لا بد من الاهتمام به ليصبح أكثر إنتاجا ومردودية ونجاحا بحيث أن الرأسمالية الصناعية ربطت بين «اقتصاد نفسي» للأفراد وبين اقتصاد السوق«بما يمكن من تعزيزها داخل إطار الديمقراطية وباسم قيمها المسخّرة طبقا لأهداف هذه الرأسمالية بالذات.
ولكن الحياة المشتركة تقوم على الرغبة بها من قبل كافة الأفراد، كما يشير أرسطو، فالرغبة تعاطفا وتعايشا وسلاما أهليا، هي ما يربط بين النوازع والميول ويصعدها إلى علاقة اجتماعية عليا تلحم هذه الحياة المشتركة وتضمنها.
ويصل الكاتب إلى القول أن ما هو ظاهر وغائب في واقع المجتمعات الرأسمالية - الصناعية الاتصالية ليس المواطن الذي تحول إلى مستهلك للمنتجات المادية والثقافية الصناعية التي تروجها وسائل الإعلام وحسب، وإنما أيضا الشعب الذي تحول إلى جموع من الزبائن الذين تستهدفهم الحملات الإعلانية التجارية في هذا الميدان أو ذاك.
ولكن كما أن المواطن لا يمكن أن يكون مواطنا إلا بتميّزه وتفرده وبما يجمعه عبر التمايز والتفرد مع الآخرين في «نحن» مشتركة، أي في ذات جماعية في النهاية. فإن الشعب لا يكون شعبا إلا عبر المواطنين وكحقيقة سياسية عليا لهم. فالشعب هو ما يوحد السكان، وليس مجموعا لهم.
النزعة الشعبية الصناعية في هذا كله هي القاعدة الملموسة للشعبوية السياسية، ومن هنا يستعرض الكاتب أطروحات «نيكولا ساركوزي» و«سيغولين روايال»، المرشحين السابقين لرئاسة الجمهورية الفرنسية مؤخرا. فهما لم يتحدثا عن الرغبة المحررة للأفراد باتجاه بناء مجتمع صناعي ديمقراطي جديد، بقدر ما أنهما توجها نحو النوازع المباشرة أو الأنانية للجمهور. وفي السياسة فإن «المهارة بالتلاعب بالنوازع واستخدامها تشكل أداة تدمير شاملة للعلاقة الاجتماعية».
لقد كانت حملتهما الانتخابية نوعا من تطبيق لآلية التسويق الصناعي التجاري على المستوى السياسي، أي إقامة استراتيجية اتصالية تستهدف كسب ما أمكن من الناخبين، الاستراتيجية المعهودة في الولايات المتحدة الأميركية منذ «ايزنهاور» عام 1952 والتي طبقها بفاعلية أكثر «برلسكوني» صاحب أكبر شركة إعلامية، سمحت أن يصبح رئيسا لمجلس الوزراء ولأكثر من مرة في إيطاليا.
والتلفزيون في هذا أصبح الأداة الضرورية لكل حملة سياسية. إلا أن أي مجتمع ديمقراطي بحاجة للتمكن من تفويض ممثلين له «يعبرون عنه في مؤسسات تنظم الحياة الاجتماعية وتحقق الارتباط داخلها: منظمات حزبية ومهنية وثقافية ومدنية مختلفة. فهذه المؤسسات تمكن الفرد من تحوله إلى كائن اجتماعي والمشاركة في مختلف أوجه الحياة العامة، أي بما يشكل مرجعية له في تحقيق شخصيته (تفرده) وفي تحقيق «أنا عليا» اجتماعية (نحن).
بيد أن التلفزيون يعمل على ربط هذه المؤسسات به وعبره مباشرة بما يقطع الطريق عليها في عملية «التفرد» و«التفاعل بين الأفراد» باتجاه هذه «الأنا العليا الجماعية» مقدما لهم النموذج الرأسمالي -الصناعي- الاتصالي كنموذج لما هو اجتماعي وسياسي.
وهكذا يجعل التلفزيون السياسة علاقة فردية مباشرة بين المرشح الرئاسي وبين الجمهور، ويحل الصورة محل النقاش، والوعود بديلا للبرامج، واستطلاعات الرأي مكان المواطنين، وجمع المشاهدين عوضا عن الرأي العام.
«واليوم فإن المدرسة والثانوية والجامعة في انهيار»، ولهذا لا بد من اتباع سياسة جعل الفرد عضوا اجتماعيا «متفردا» و«مندمجا» في الحياة الاجتماعية، وهذا يعني أن التقنية التلفزية الاتصالية يجب استخدامها (على شاكلة التقنية الأبجدية الاتصالية) من أجل بناء مواطن جديد متفرد وفاعل في الحياة العامة.
«فالبؤس السياسي» الذي تعيشه فرنسا والمجتمعات الصناعية الأخرى إنما يمكن بانحلال الحياة السياسية التي تعمي المواطنة، والرغبة في التعاطف والتضامن، في «التسويق السياسي» وفي «مجتمع السوق» القائم. ما هي نتائج ذلك؟
إنها الوصول إلى «درجة الصفر في التفكير» أي إلى درجة التبليه واللامسؤولية والنوازع الأنانية الأولية. ووضعية كهذه هي التي تنتج حالة القنوط والمكابدة واللاتفاؤل التي يتسم بها حسب الكاتب المجتمع الفرنسي بل وبقية المجتمعات الرأسمالية الصناعية المتضخمة.
وإذا كان لنا أن نرى أن الشبيبة في فرنسا تحتج على ما هو قائم، ويلجأ بعضهم إلى إحراق السيارات أو مواجهة البوليس، فلأنهم يشعرون بعدم المشاركة والعمل على تجويعهم إلى مجرد «مستهلكين» أو «ناخبين».
هذا يعني بوجه آخر أن تحليل النموذج الرأسمالي الصناعي-الاتصالي اليوم يؤدي عبر منطقه الاقتصادي وصناعاته الثقافية التجارية إلى خلق عالم لا اجتماعي. هذا العالم الذي يكشف في علاقاته مع شعوب أخرى جانبا متوحشا فيه كما دلت على ذلك حرب العراق أو كمأتم عن تعذيب بربري لمعتقلي سجن ابو غريب حسبما يسوقه الكاتب نفسه.
كتاب ستيجلر يفتح مجددا النقاش حول المجتمع الرأسمالي الصناعي المتضخم وحول سلطة الوسائل الإعلامية التلفزية فيه. وإذا كان لا بد من إقامة مجتمع صناعي ديمقراطي جديد كما يرى، فإن الفرصة قائمة لوضع الثورة الرقمية في خدمة هذا المجتمع وتحقيق ثورة مواطنية - سياسية في مصلحة التعايش والحياة المشتركة.
*الكتاب:سلطة التلفزيون ضد الديمقراطية
*الناشر:فلاماريون ـ باريس 2006
*الصفحات:267 صفحة من القطع المتوسط
La Telecratie Contre La
Democratie relgeitS dranreB
6002 siraP-noirmalF
P.267
برنار ستيجلر

