يعمل فريديريك غرو، مؤلف هذا الكتاب، أستاذاً في جامعة باريس الثانية عشرة، وهو أحد أهم المتخصيين الفرنسيين بفكر الفيلسوف ميشيل فوكو، وكان قد أشرف على نشر المحاضرات الأخيرة التي ألقاها فوكو في الكوليج دو فرانس. سبق للمؤلف وأصدر كتاباً عن «التحليل النفسي والفلسفة الجنائية».
«حالات عنف» هو كتاب عن الحرب بصورتها الحديثة. صورة ما بعد استخدام السلاح الذري للمرة الأولى في تاريخ البشرية ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين مما وضع نهاية للحرب العالمية الثانية وإعلان اليابان استسلامها في شهر أغسطس عام 1945. الفكرة الرئيسية التي يؤكد عليها المؤلف في هذا الكتاب مفادها أن إمكانية «إبادة العالم» عبر حرب نووية، فالبشرية أصبحت تمتلك «أداة» دمارها، قد أنهت مفهوم الحرب بالطريقة التي كانت تتصورها الدول بها. وبالمقابل دخلت الإنسانية في عهد جديد يصفه المؤلف أنه «زمن كل أشكال العنف الفوضوي». كانت النظريات الغربية عن الحرب قد قدّمتها عامة على أنها «ظاهرة ثقافية» تعود إلى عدة آلاف السنوات. لكن هذه «الظاهرة الثقافية» قد انتهت إنّما ليس كي تسود حالة من السلام المستدام كما قال بعض المفكرين الغربيين وعلى رأسهم فرنسيس فوكوياما صاحب أطروحة «نهاية التاريخ والرجل الأخير»، حسبما جاء في عنوان كتابه. وإنما بالأحرى كي يعم «العنف» دون أية ضوابط أو قواعد.
يقدم المؤلف في الصفحات الأولى من الكتاب نظريات الحرب كما صاغها المفكرون والفلاسفة الغربيون منذ العصور القديمة وحيث جرى النظر إليها أنها «نزاع مسلح، عام وعادل»، حسب تعبير يعود إلى عام 1597 قاله المفكر البيريكو جانتيلي.
وقد تم التأكيد أيضا منذ القديم حتى اليوم على أن الحرب وجدت دعمها لدى بعض المرتكزات «المبررة» بالنسبة لأولئك التي يقومون بها. وفي مقدمة هذه المرتكزات القاعدة «الأخلاقية» التي تجيز اللجوء إلى استخدام القوة مثل «الدفاع عن الشرف» بأشكاله المختلفة وتنوع مسبباته ودواعيه و«الشجاعة» و«روح التضحية».
وقد قامت الحروب أحيانا، ومنذ قيام المجتمعات الإنسانية الحديثة، بغية تحقيق هدف ذي طبيعة سياسية تتمثل في إقامة «دولة» تجد من خلالها المجموعة البشرية المعنية بها وسيلة للتعبير عن هويتها. لاسيما إذا كان أفراد هذه المجموعة يعتبرون أنفسهم كمناضلين من أجل «قضية عادلة» وبالتالي يسعون كي يؤمّنوا لها «الإطار القانوني». هذا كله بعيدا عن واقع الحروب وما قد تجلبه في ميدان المعركة من مآس زخر بها تاريخ الإنسانية في تاريخها الطويل.
وإذا كان البناء الفلسفي والفكري الذي شرّع لقيام الحروب أخلاقيا وسياسيا وقانونيا لا علاقة له، أو بالأصح لا تأثير له، على حقيقة ما يترتب عليها من مجازر، فإن مؤلف الكتاب يركز في تحليلاته على «الدور المنظّم» لأفق العلاقات بين الدول في الغرب. بل وفي تحديد «حق الحرب» وإنما أيضا العمل على تجنبها عبر توقيع «اتفاقيات دولية».
لكن هذا المفهوم للحرب الذي قام على أسس ثابتة على مدى عدة قرون من الزمن أصبح، حسب رأي مؤلف الكتاب، باطل المفعول منذ أن خيّم على العالم كابوس إمكانية نهاية العالم «نوويا».
إنه لم يعد صالحا من أجل تقديم «المبررات الفكرية» للأشكال الجديدة من العنف وعلى رأسها العمليات الإرهابية والعنف المسلّح الذي تمارسه مجموعات منظّمة في العديد من بلدان العالم التي تعمّ فيها الفوضى أكثر مما يسود النظام، وإطلاق الصواريخ «الذكية» في إطار حروب «دون أي قتيل»، أي الصواريخ التي تستهدف مواقع محددة وتصيبها دون إلحاق أي أذى بما جاورها كما أراد البعض أن يصف الحرب الأميركية الأخيرة في العراق. أما النتيجة التي يتم الوصول إليها عبر المنطق الجديد للحرب فهي زوال مفهومي «الحرب والسلام» كي يحل محلهما مفهوما «التدخّل والأمن».
ما يقول به المؤلف هو أن الإنسانية قد دخلت، مع نهاية المفاهيم التقليدية للحرب التي سادت عدة قرون من الزمن، إلى مرحلة جديدة من العنف. ذلك أن نهاية الحرب لا تعني أبدا حسب قوله نهاية العنف. المرحلة الجديدة يسميها عصر «حالات العنف» التي تتزامن مع مرحلة جديدة من التطور التكنولوجي في ظل ثورة المعلوماتية التي أدّت بدورها إلى قيام أشكال لا سابق لها على صعيد آليات عمل الاقتصاد.
ويرى المؤلف أن «حالات العنف» السائدة اليوم حوّلت كثيرا علاقة البشر بالموت ويعبر عنها بمقولة «وضع الإنسان جسده في إطار مغامرة الموت» كنوع من «التجاوز» الأخلاقي والروحاني للقيم السابقة. ولم يعد العنف، كما كان في الماضي. يرمي «عبر الحرب» إلى الدفاع عن مدينة أو دولة أو إلى إقامة مدينة أو دولة أو ربما إمبراطورية وإنما أصبح تعبيرا «فرديا» وله مبرراته «الفردية» التي قد تختفي تحت أسماء مختلفة أخلاقية أو سياسية أو عقائدية.
هكذا يرى المؤلف أن زمن «الفروسية» بالمعنى الذي ساد في الغرب، وفي العديد من مناطق العالم، على مدى قرون عديدة قد أفل وانتهى. وذلك بمعنى أنه لم يعد هناك اليوم مكان لتلك المبادئ التي كانت تجعل من أرض المعارك مكانا للتمايز بين «البشر العاديين» و«الأبطال».
فهؤلاء «الأبطال» كانوا يواجهون الموت بقدر كبير من الوعي والصفاء الذهني، وذلك بكل بساطة على قاعدة إيمانهم العميق أن الشرف، كما فهموه ومهما كانت أسس فهمهم، كان أهم لديهم من البقاء على قيد الحياة.
وانتهى أيضا زمن الفضائل «اليونانية القديمة» والتي كانت فضيلة «الشجاعة» تحتل مكانة مركزية بينها. ويقدّم المؤلف قراءة جديدة للعديد من الأساطير ومن الحروب التي خاضها اليونانيون في مواجهة خصومهم. وكانت الدعوة للحرب وخوضها واجبا يندفع المحاربون نحوه ولا يهربون منه.
هكذا تبدو «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس بمثابة نشيد في مديح «الشجاعة» بساحات الوغى. كان أحد الشعارات الكبرى هو أنه على المقاتل أن يصمد كي لا يعرّض جاره للخطر. أي كانت الشجاعة دفاعا عن الآخر قبل أن تكون دفاعا عن النفس.
وعبر قراءة ما آلت إليه الحرب في زمن ما يسميه المؤلف ب«الثورة العسكرية» يناقش المفاهيم التي قامت عليها انطلاقا من القرن الثامن عشر. وفي مقدمة هذه المفاهيم اعتبارها ظاهرة «عقلانية» وكأنها «نظرية في الرياضيات» تتطلب الطاعة الكاملة لآلاف البشر الذين يمشون متراصين في صفوف متوازية وعلى إيقاع خطى موزونة وكأنهم «جسد واحد».
إن مثل هذا النظام من «الطاعة المطلقة» دون أي نقاش للأوامر الصادرة تتطلب «احتراف الجيوش» ووجود «قيادة أركان» في إطار دولة ذات سيادة لا انتقاص منها. وعلى مثل هذا الأساس قامت في إطار المفاهيم الجديدة للحرب رابطة عضوية «لا انفصام لها» بين «الجندي» و«الوطن».
ومن خلال مثل هذه الرابطة برز، كما يقول المؤلف، مفهوم «الشهادة» الذي شكل تعبيرا عن «اتحاد عميق» بين الوطن وأبنائه، على أساس أن أسباب حياة المواطن المتمسّك بقيم تتجاوز وجوده «البيولوجي» أصبحت أيضا هي نفسها أسباب «تفضيله» الموت على الحياة.
ويبيّن المؤلف على مدى العديد من الصفحات كيف أن «حالات العنف» التي تمثل الشكل السائد ل«الحرب» اليوم، قد أنهت أيضا مفهوم «الحرب الشاملة» التي عرفها القرنان المنصرمان والتي اتسمت باقتراف مذابح كبيرة كان أول ضحاياها هم من المدنيين، وذلك على خلفية هدف معلن أو غير معلن وإنما كان موجودا دائما وهو «إبادة الخصم».
فملايين الضحايا أثناء الحربين العالميتين 1914-1918، و1939-1945 شاهد عياني على مثل تلك الإرادة في الإبادة الجماعية. لكن هذا لا يمنع واقع أن «إرادة السلام» قد برزت من بين الأنقاض. فإذا كانت أوروبا هي المسرح الأول والأساسي للحربين الكونيتين فإنها أيضا في التي سعت كي تعزز، بعدهما، أسس السلام فوق أرضها.
بشكل إجمالي أراد مؤلف هذا الكتاب أن يبيّن كيف أن الحروب، قبل «حالات العنف» وما تعد به من فوضى، لم تكن بالتعريف «مضادة» للقانون وإنما «مساعد» له من زاوية أن عنفها كان «موجّها» ببعد قانوني يرضخ له المنتصرون والمهزومون. لكن المؤلف لا يبرر بالطبع الفظاعات التي عرفتها مهما كانت الحجج المقدّمة.
وينتهي الكتاب إلى نوع من الإنذار بالخطر، ذلك أن العنف في «العصر النووي» لم يعد مصدره مئات الآلاف من الجنود والعربات المصفّحة والدبابات وإنما مجموعات إرهابية ومرتزقة وأطفال-جنود تبنّوا جميعهم هذا العنف كوسيلة للتعبير وتبنّوا منطق السلب والنهب. كما أصبح القتل بالنسبة لهم عادة أو لعبة.
يبقى السؤال هل «انتهت» الحروب أم أنها غيرت فقط من طبيعتها؟ هناك «قطيعة» يؤكد مؤلف هذا الكتاب.
*الكتاب:حالات عنف
دراسة عن نهاية الحرب
*الناشر:غاليمار ـ باريس 2006
*الصفحات :310 صفحات من القطع المتوسط
Etats de violence : essai sur la fin
de la guerre
Frederic Gros
Gallimard- Paris 2006
P.310

