مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور توماس ك. ماكرو أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية. وقد نال جائزة كبيرة على مؤلفاته في مجال الأعمال والتجارة والاقتصاد.
وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث البروفيسور توماس ماكرو عن واحد من أهم علماء الاقتصاد في العالم: إنه المفكر الكبير جوزيف شومبيتر الذي ساهم في بلورة النظريات الاقتصادية الحديثة. فمن هو هذا العالم الكبير الذي مات قبل نصف قرن أو أكثر قليلاً؟ إنه مؤلف كتاب شهير بعنوان: تاريخ الفكر الاقتصادي. وعلى الرغم من أنه صدر عام 1954، أي قبل أكثر من نصف قرن ألا إنه لا يزال يشكل مرجعاً موثوقاً لكل الباحثين. كما اشتهر هذا العالم الاقتصادي ببلورة بعض النظريات الكبرى في مجال العلوم السياسية والاقتصادية كنظرية التدمير الإبداعي التي تعني في خطوطها العريضة ما يلي: لا يمكن بناء أي شيء جديد وعظيم إلا على أنقاض القديم المهترئ. وبالتالي فالتدمير ليس سلبياً إذا ما جاء في وقته وإنما هو شرط للخلق والإبداع. وكل المبدعين الكبار في شتى المجالات من اقتصادية وسياسية وأدبية وفلسفية وفنية كانوا مدمرين كباراً.
ثم يقول المؤلف ما معناه: لقد ولد جوزيف شومبيتر عام 1883 في تشيكوسلوفاكيا التي كانت تابعة آنذاك للإمبراطورية النمساوية - الهنغارية. ولذلك انتقل إلى فيينا لإكمال دراساته هناك لأنها عاصمة الإمبراطورية. وبما أن والده كان صناعياً ورأسمالياً غنياً فإنه استطاع أن يصرف عليه بسهولة.
وكانت فيينا آنذاك إحدى العواصم الكبرى الأكثر استنارة للقارة الأوروبية. لم تكن تقل أهمية عن باريس أو لندن أو برلين. ففيها ظهر عظماء الموسيقى والفن من أمثال موزار وبيتهوفن، وعلماء النفس الكبار من أمثال فرويد الذي كان معاصراً لجوزيف شومبيتر. وربما التقى به في الجامعة أو في أماكن أخرى.
وقد نال شومبيتر شهادة الدكتوراه عام 1906، أي وهو في الثالثة والعشرين من عمره. وهذا دليل على مدى ذكائه ونبوغه. ثم استقر لفترة من الزمن في القاهرة حيث اشتغل كمحامٍ في إحدى المحاكم الدولية. وكانت مصر آنذاك واقعة تحت سيطرة الانجليز.
وفي ذلك الوقت ألف كتاباً بعنوان: طبيعة النظرية الاقتصادية ومضمونها الأساسي. وعلى الرغم من أن عمره آنذاك لم يكن يتجاوز السادسة والعشرين إلا أن كتابه حظي بتقدير كبار العلماء واعتبروه فتحاً في علم الاقتصاد.
ولهذا السبب عينوه أستاذاً جامعياً على الرغم من صغر سنه. فنبوغه كان مدهشاً وقد حيّر أساتذته بمدى ذكائه وسعة اطلاعه قياساً إلى أبناء جيله.
ثم نشر عام 1926 كتاباً هاماً تحت عنوان: نظرية التطور الاقتصادي. ولكن في ذات العام ماتت زوجته بشكل تراجيدي. وبالتالي فقد اختلطت نجاحاته وفتوحاته بالمأساة والدم.
وربما لهذا السبب قرر مغادرة أوروبا نهائياً والاستقرار في الولايات المتحدة. فبعد أن انتشرت شهرته في كل أنحاء العالم واعترف جميع العلماء بعبقريته تسابقت عليه الجامعات الكبرى. وكان أن فضل عليها جميعها جامعة هارفارد الشهيرة. ومعلوم أنها أكبر جامعة في العالم ولا تضاهيها من حيث الأهمية إلا جامعة برنستون فيما يخص بعض المجالات والفروع فقط.
وهكذا استقر في هارفارد بدءاً من عام 1932 وأصبح أستاذاً شهيراً لعلم الاقتصاد السياسي. وتخرجت على يديه كوكبة كاملة من شخصيات أميركا المقبلة. ونظراً لعبقريته وعظمة أعماله فإنهم عينوه رئيساً للجمعية الاقتصادية العالمية. وكانت تضم خيرة الخبراء الاقتصاديين من أميركان وأوروبيين. وأصبحت كتبه مراجع تدرس في جميع كليات الاقتصاد العالمية.
وقد بلور جوزيف شومبيتر آنذاك نظرية المقاول المبدع أو الرأسمالي الخلاق. وطبقها على هنري فورد صاحب معامل سيارات فورد الشهيرة. وقال شومبيتر في نظريته ما يلي: الرأسمالي المبدع ليس ذلك الذي ينجح في مجال الأعمال التجارية ويربح أكبر قدر ممكن من الفلوس. وإنما هو ذلك الذي يخترع الآلات الجديدة ويقنع الناس باستخدامها، وعندئذ تتحول إلى سلع استهلاكية.
وهذا ما فعله فورد عندما طور السيارة التقليدية السائدة آنذاك فأصبحت سيارة حديثة لا يقتصر استخدامها على بعض الأغنياء فقط. فسيارة فورد عممت على قطاعات واسعة من الشعب وأصبحت بالتالي أداة استهلاكية لا يمكن الاستغناء عنها. وبالتالي فالرأسمالي الحقيقي هو الرأسمالي المبدع.
ثم يقول المؤلف ان شومبيتر فهم روح الرأسمالية وعرق طاقاتها المبدعة وجوانبها الإيجابية أكثر من كارل ماركس. ولم يخلط بين الإيديولوجيا وعلم الاقتصاد بالمعنى الحصري للكلمة. نقول ذلك على الرغم من أن ماركس كان من أكبر المعجبين بالرأسمالية وطبقة البورجوازية التي غيرت وجه المجتمعات الأوروبية - الأميركية وشكلت ما ندعوه بالحداثة.
صحيح أنه انتقد الرأسمالية كثيراً بسبب جوانبها الاستغلالية للعمال ولكنه كان يعرف مدى طاقاتها الإبداعية الخلاقة. فلولا الرأسمالية لما كانت الحداثة الصناعية والتكنولوجية والفلسفية. وبالتالي فالرأسمالية ليست كلها شراً على عكس ما يتوهم الإيديولوجيون أو الديماغوجيون.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن في كتابه الشهير: الرأسمالية، والاشتراكية، والديمقراطية، يبدو جوزيف شومبيتر قريباَ جداً من أطروحات كارل ماركس. فهو مثله تنبأ بانهيار الرأسمالية يوماً ما. وقال بأن ذلك قدر محتوم نظراً للاستغلال الهائل الذي تمارسه على الطبقة العاملة ولأسباب أخرى أيضاً.
ولكنه قال ان الاشتراكية ستحل محلها لأسباب غير ماركسية. وقد اعترف جوزيف شومبيتر بأن ماركس عرف كيف يطرح الأسئلة الجيدة والصحيحة على الرأسمالية ولكنه لم يعرف كيف يقدم أجوبة صحيحة عليها. فأجوبته كانت خاطئة وديماغوجية أكثر من اللزوم. فالرأسمالية لن تنهار لأن الثورات العالمية سوف تحصل ضدها كما توهم ماركس، وإنما لأنها سوف تتكلس وتتحجر من الداخل. ثم لأن معظم المثقفين والطبقات الشعبية سوف يكرهونها نظراً لغناها الفاحش.
ولذلك فإن الرأسمالية سوف تتغير من الداخل وتقبل بتشكيل طبقة وسطى قادرة على الاستمتاع بثمرات مجتمع الاستهلاك. بل وحتى الطبقة العاملة سوف تصبح قادرة على ذلك في مرحلة لاحقة.
وعندئذ سوف تتغير الرأسمالية من الداخل تدريجياً وتصبح أقل ظلماً وتعسفاً وقمعاً للعمال. وهذا ما حصل بالفعل لاحقاً. وبالتالي فنبوءات جوزيف شومبيتر هي التي تحققت وليس نبوءات كارل ماركس وتوقعاته.
ونحن نشاهد الآن أن النظام الرأسمالي لا يزال سائداً في مجتمعات الغرب. ولكنه تعرض لمتغيرات عديدة وطفرات نوعية على مدار الخمسين سنة الماضية، أي بعد موت جوزيف شومبيتر.
فالنظام الرأسمالي تحول في بلدان عديدة إلى نظام ديمقراطي اشتراكي كما هو عليه الحال في البلدان الاسكندينافية المتقدمة كالسويد والدانمارك والنرويج وسواها. ومعلوم أنها أصبحت قدوة لبلدان كفرنسا واسبانيا وإيطاليا.
وبالتالي فالدولة الرأسمالية في أوروبا أصبحت تؤمّن للعامل الضمان الصحي وساعات عمل معقولة وعطلة صيفية طويلة والعديد من الامتيازات الأخرى. ولهذا السبب فإن الثورة على الرأسمالية لم تحصل. ولكن لو أن الرأسمالية بقيت قمعية واستغلالية مثلما كانت عليه في عهد ماركس لانهارت حتما بفعل ثورة شعبية هائجة.
*الكتاب:ملهم الإبداع
جوزيف شومبيتر والتدمير الخلاق
*الناشر:بيلكناب برس ـ نيويورك لندن 2007
*الصفحات :736 صفحة من القطع الكبير
warccM .K samohT
weN -nodnoL -sserP pankleB 7002 kroY
P.730

