من المكتبة العالمية

البنيوية وما بعد البنيوية للمبتدئين

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الانغلوساكسوني دونالد د. بالمر المختص بتاريخ الفكر الغربي. وكان قد ساهم سابقا في تسهيل النظريات الفلسفية وتقديمها بشكل بسيط إلى الجمهور القارئ في أميركا وانجلترا وكل العالم الناطق بالانجليزية.

فقد بسّط نظريات سارتر عن طريق كتاب: سارتر للمبتدئين، وكذلك نظريات الفيلسوف الدنماركي كير كيغارد وسواهما. ومعلوم أن الجمهور العام حتى في الغرب يعاني من صعوبة فهم النظريات الفكرية لكبار الفلاسفة. ولذلك تجيء هذه الكتب لكي تسهّل له هذه المهمة وتقرب له أصعب الأفكار بأسلوب سلس، واضح غير معقد، على عكس أسلوب الفلاسفة عادة.

وفي هذا الكتاب الجديد يحاول المؤلف أن يشرح النظرية البنيوية وما بعد البنيوية أو الحداثة وما بعد الحداثة. وهو يركز تحليلاته على مؤسس الفلسفة البنيوية عالم الانثروبولوجيا الفرنسي: كلود ليفي ستروس. ثم يتحدث أيضا عن رولان بارت والثورة التي أحدثها في مجال النقد الأدبي، وكذلك جاك لاكان وتجديده للتحليل النفسي ونظرية فرويد.

كما يتناول المؤلف نظرية المفكر الماركسي لويس التوسير الذي قام بقراءة جديدة لرأس المال مع فريق عمل كامل متحلق حوله. وهناك أيضا ميشيل فوكو وجاك دريدا اللذان تجاوزا البنيوية إلى مرحلة ما بعد البنيوية.

ومعلوم أن هؤلاء المفكرين يحتلون مكانة كبرى في ساحة الجامعات الأميركية حيث أصبحوا نجوما مشهورين بالمعنى الحرفي للكلمة. وهذا ما تحدث عنه ادوارد سعيد يوما ما. ومعلوم أنه تأثر بفوكو كثيرا عندما ألف كتابه الشهير: الاستشراق.

ثم يضيف المؤلف قائلا: وبالتالي ففلاسفة البنيوية الفرنسية أثروا كثيرا على الثقافة الأميركية بل أصبحوا أكثر شهرة هناك من فلاسفة أميركا ذاتها. لقد تحولوا إلى موضة فكرية أو زي دارج. فمن لم يسمع بفوكو هناك؟ أو بدريدا؟ أو بكلود ليفي ستروس، الخ. ويشعر الفرنسيون بالفخر لأنهم أثروا على الأميركان إلى مثل هذا الحد. نقول ذلك وبخاصة أن عقدة الفرنسيين هي الأميركان. فهم يحسون أحيانا بالدونية تجاههم نظرا لقوة أميركا وتفوقها على فرنسا في كافة المجالات.

وفيما يخص مؤسس البنيوية وعالم الانثروبولوجيا الكبير كلود ليفي ستروس يقول المؤلف ما معناه: لقد ولد عام 1908 ولا يزال حيا حتى الآن. وسوف يحتفل بعيد ميلاده المئة العام المقبل. وهكذا يكون آخر من تبقى من ممثلي التيار البنيوي في فرنسا بعد موت الجميع من جاك لا كان، إلى ميشيل فوكو، إلى رولان بارت، إلى جاك دريدا، إلى لويس التوسير، الخ.

ويعتبر ليفي ستروس من جيل سارتر، أي الجيل السابق على البنيوية، ولكن سارتر مات منذ ربع قرن على الأقل وهو لا يزال حيا. وقد اشتبك معه في الستينات من القرن الماضي في معركة فكرية حول البنيوية والوجودية.

فليفي ستروس يعتقد بأن الوجودية هي فلسفة ذاتية وبالتالي غير علمية وغير موضوعية على عكس البنيوية. يضاف إلى ذلك أن الوجودية تعتقد بأن الإنسان حر في حين أنه مقيد بقيود عديدة واعية أو غير واعية.

فالبنيوية كما يفهمها ليفي ستروس تعني أن هناك بنية ذهنية عميقة تتحكم بتصرفات الأفراد وسلوكهم دون أن يدروا. وهناك ثوابت تتحكم بالطبيعة البشرية من خلال هذه التركيبة النفسية أو البنية العميقة الموجودة لدى كل فرد منا.

ويرى ليفي ستروس أن الطبيعة البشرية واحدة سواء أكنا في مجتمعات بدائية أم مجتمعات متقدمة لأن الإنسان هو الإنسان أينما كان. فهو يحب ويكره ويحسد وينافس أخاه على الرزق والأموال في كل مكان. وبالتالي فهناك صفات بنيوية للطبيعة البشرية لا تتغير ولا تتبدل.

والإنسان محكوم بالبيئة والظروف والطبقة الاجتماعية التي ولد فيها أو الطائفة والقبيلة وليس حرا إلى الحد الذي يتوهمه جان بول سارتر. وبالتالي فالبنيوية هي فلسفة الحتمية لا الحرية. وقد شرح ليفي ستروس أفكاره هذه في كتب عديدة مشهورة: كالانثروبولوجيا البنيوية، والمدارات الحزينة، والعرق والتاريخ، الخ.

وأما رولان بارت فقد ثار على النقد التقليدي الذي كان سائدا في السوربون آنذاك. وهو النقد الذي جسده غوستاف لانسون الذي مثّل يوما ما إحدى مرجعيات طه حسين وكان من كبار نقاد فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين.

ومعلوم أن النقد الأدبي التقليدي كان يفسر العمل الأدبي على ضوء حياة مؤلفه وبيئته وسيرته الذاتية والأحداث التي عاشها، الخ.

أما النقد البنيوي فراح يفعل العكس تماما: راح ينسى ويتناسى حياة المؤلف لكي يفسر الرواية أو القصيدة من خلال بنيتها الداخلية فقط وتركيبتها والنسيج اللغوي الذي يشكلها. ويحاول بعدئذ أن يفهم حياة المؤلف ودوافعه من خلال عمله الأدبي وليس عمله الأدبي من خلال حياته.

ثم يضيف المؤلف قائلا: لكن البنيوية بالغت في هذا النقد الشكلاني اللغوي الخارجي أو الداخلي. ولم تعد تهتم إلا بتحليل البنية الداخلية والعلاقات اللغوية والأساليب البيانية. ونسيت بذلك المعنى، أي معنى العمل الأدبي وغايته وأهدافه وفلسفته.

ولذلك ثار عليها بارت في مرحلته الثانية عندما تخلى عنها وراح يدرس الأعمال الأدبية بطريقة أخرى. وعندئذ انتقل من مرحلة البنيوية إلى مرحلة ما بعد البنيوية.

وأما لويس التوسير فقد اشتهر بنظريته عن القطيعة الابستمولوجية في فكر ماركس. وقال بأن فكره ينقسم إلى قسمين متمايزين: فكر ماركس الشاب، وفكر ماركس الناضج، وموضع هذه القطيعة الابستمولوجية عام 1845. وقال بأن ماركس بعد هذا التاريخ أصبح علميا بالكامل وموضوعيا. أما قبل ذلك فكانت كتاباته مختلطة بالذاتية والانفعالية الشخصية.

وبالتالي فالماركسية لم تصبح نظرية علمية بالكامل إلا بعد كتابة رأس المال وسواه من أعمال الكهولة والنضج.

ولكن نظرية التوسير تعرضت لانتقادات شديدة لاحقا. يضاف إلى ذلك أن الرجل فقد كل أهميته الفكرية تقريبا بعد أن أصيب بالعصاب النفسي وخنق زوجته في لحظة جنون غير واعية. وهكذا انتهت حياته بمأساة مرعبة ولولا تدخل أصدقائه عند كبار المسؤولين السياسيين آنذاك ومن بينهم شيراك لكان قد دخل السجن كمجرم.

وأما ميشيل فوكو فكان يرفض تطبيق صفة البنيوية عليه، ولكنهم صنفوه في نفس الخانة مع ليفي ستروس والتوسير وبارت ولاكان... نقول ذلك على الرغم من أنه يستمد إلهامه النفسي من نيتشه، ولكنه استخدم مناهج العلوم الإنسانية في البحث كما فعل البنيويون. وهي مناهج موضوعية باردة تحلل الإنسان ودوافعه وتصرفاته كما يحلل عالم النبات النبتة أو كما يشرح عالم الحيوان الحيوانات.

ومعلوم أن ليفي ستروس قال عبارته الشهيرة ضد سارتر: نعم إن هدفي هو انحلال الإنسان إلى عناصره الأولية التركيبية البنيوية وليس تركيبه أو الدفاع عنه وكأنه شخص مقدس.

وكان يعني بذلك أن الإنسان مثله مثل أي كائن حي أو غير حي على وجه الأرض مؤلف من بنيات مصغرة وإنه ينبغي تحليل هذه البنيات المصغرة لكي نفهمه. فعالم النفس يحلل بنيته النفسية، وعالم الاجتماع يحلل بنيته الاجتماعية، وعالم الأديان بنيته الدينية، الخ. وهذه هي الدراسة البنيوية العلمية للإنسان.

وقد استفاد فوكو ودريدا وديلون من هذه المنهجية البنيوية لكلود ليفي ستروس ولكنهم تجاوزوها أيضا. ولذا يمكن القول بأنهم ينتمون إلى مرحلة ما بعد البنيوية. وعلى أي حال فإن البنيوية سقطت الآن ولم تعد تشكل موجة جارفة تطغى على كل شيء كما كان الأمر سابقا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

*الكتاب:البنيوية وما بعد البنيوية للمبتدئين

*الناشر: فور بيغنرز ـ نيويورك، لندن 2007

*الصفحات: 160 صفحة من القطع الكبير

Structuralism and poststructuralism for beginners

Donald D. Palmer

For Beginners- New York- 7002 nodnoL

P.160

طباعة Email
تعليقات

تعليقات