يضم هذا الكتاب بحوثا ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية والتي هدفت إلى تنمية رؤية وطنية جامعة لمستقبل الديمقراطية في مصر، إيمانا من الجهة المنظمة بأن نقطة البدء الصحيحة لإقامة نظام ديمقراطي في أي دولة عربية يجب أن تتمثل في خلق حالة من التوافق العام بين التيارات والقوى السياسية والفكرية المختلفة داخل كل دولة حول أولويات العمل الديمقراطي وآليات تطبيقها خروجا برؤية مشتركة تبلور مساحة الاتفاق وتبلور القواسم المشتركة بين تلك التيارات حول مفهومها ورؤيتها الديمقراطية.
وفي تقديمه لأعمال الكتاب يشير الدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية إلى أن القوى السياسية الفاعلة في مصر لم تستقر بعد على استراتيجية للوصول إلى الأوضاع الأكثر ديمقراطية بل لا يبدو أنها راغبة في مواجهة بعض القضايا الشائكة على طريق الانتقال إلى هذه الأوضاع، مؤكدا ضرورة التمييز بين مستقبل النظام السياسي في مصر في الأجل القصير ومصيره في الأجل الطويل.
وحسب رؤيته فإن آفاق التغيير الديمقراطي في مصر تبدو مغلقة في الأجل القصير حيث كل حديث عن الإصلاح ينتهي بعكسه تماما فلا قيادة الدولة في مصر راغبة في انتقال جاد نحو أوضاع أكثر ديمقراطية كالسماح بإجراء انتخابات نزيهة وحرة مفتوحة لكل القوى السياسية ولا قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية بقادرة على إحداث مثل هذا التحول مبررا ذلك بالتعديلات الدستورية الجمهورية الأخيرة التي شهدتها مصر والتي يرى أن غايتها تتمثل في تقوية مركز رئيس الجمهورية بأخذ كل ما يعزز سلطاته في النظام الرئاسي.
وضمن رؤيته لمستقبل التطور السياسي في مصر سواء باتجاه الديمقراطية أو باتجاه مزيد من الاستبداد يرى أنه رهن بحصيلة التفاعل في المستقبل داخل صفوف الطبقة الوسطى.
وفي دراسة لها ضمن أعمال الندوة حول مستقبل الديمقراطية في مصر تقترح الدكتورة ثناء فؤاد عبد الله ثلاثة مداخل استراتيجية للتغيير الديمقراطي في مصر يتعلق أولها بتوزيع السلطة بين العديد من الأجهزة بدلا من تركيزها في مؤسسة واحدة مهيمنة وثانيها مدخل فكري ثقافي يتعلق بضرورة توافر التسامح السياسي والديني كقيمة عليا للتعايش بين الجماعات المختلفة سياسيا ودينيا وثالث هذه المداخل هو المدخل المؤسسي القانوني وهو يتعلق بضرورة قيام لجنة تأسيسية منتخبة بإعداد دستور مصري جديد وديمقراطي وإقامة حوار وطني موسع لبحث سبل تطوير الحياة الحزبية والتوصل إلى نظام انتخابي يتيح الفرصة لتمثيل التيارات السياسية كلها وإصلاح المؤسسة البرلمانية.
فيما اعترض الدكتور عصام العريان العضو الناشط في حركة الإخوان المسلمين المصرية على الذهاب إلى أن بداية الإصلاح في مصر يجب أن تكون بإعداد دستور جديد مؤكدا أن الدستور قد يأتي في نهاية تحقيق الآمال وليس في بدايتها لأن إطلاق أي دستور جديد في جو الاختلال في الموازين سيؤدي في النهاية إلى تكريس بقاء الأوضاع الحالية على ما هي عليه وبالتالي فإن الإصلاح السياسي، كما يرى العريان، هو المقدم على أي شيء آخر بما فيه تغيير الدستور.
وضمن محاور الكتاب يجري تناول قضية موقف الماركسيون والناصريون من الديمقراطية من خلال محاولات للنقد الذاتي. وفي هذا الصدد راح عبد الغفار شكر عضو المكتب السياسي لحزب التجمع التقدمي يشير إلى أن قضية الموقف من الديمقراطية اكتسبت أهمية خاصة لدى الاشتراكيين المصريين في الفترة الأخيرة لاعتبارات عديدة منها الدروس المستفادة من انهيار البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا.
وقدم شكر في هذا الصدد نقدا ذاتيا مهما لموقف اليسار المصري من قضية الديمقراطية مستشهدا في ذلك بمراجعات قدمها رموز اليسار المصري بأطيافه المختلفة لموقف هذا التيار من قضية الموقف من الديمقراطية مؤكدا أن هذا النقد للتجارب الاشتراكية السابقة وغياب الديمقراطية عنها أدى إلى الربط بين الديمقراطية وبناء الاشتراكية مستقبلا.
وضمن هذه الرؤية النقدية واصل الكاتب أمين اسكندر حديث عبد الغفار شكر مشبها أهمية الديمقراطية بالنسبة للحركة الناصرية بأهمية الدواء بالنسبة إلى العليل لأن ظروف نشأة الحركة الناصرية قد جعلتها في أشد الحاجة إلى تفاعل ديمقراطية واسع داخل صفوفها بعد أن عانت كثيرا من ممارسات خاطئة مثل تجاوزات دولة الحكم الناصري في بعض من حقوق الإنسان مشددا على أن قضية الديمقراطية وتداول السلطة وحق التنظيم السياسي والنقابي وحرية تداول المعلومات وحرية إصدار الصحف أصبحت الآن بالنسبة إلى الأكثرية داخل الحركة الناصرية من الثوابت داخل النسق الفكري للناصرية.
وأما في معرض حديثه في الفصل الرابع عن رؤية التيار الليبرالي لمستقبل الديمقراطية في مصر فقد أشار السفير ناجي الغطريفي إلى أن الدستور المصري الحالي بأسسه الشمولية وعقيدته الاشتراكية قد أضحى مفارقا لواقع المرحلة فأحكامه تنظم أوضاعا لم يعد لها وجود في حياتنا السياسية ويتوجه إلى مجتمع تبدلت معالمه ويستند إلى قوى تباينت مواقعها ونمط العلاقة فيما بينها فدولة الحرية والاشتراكية والوحدة التي تخاطبها مقدمة الدستور قد زالت وتحالف قوى الشعب العامل الذي يشكل نظامها الاشتراكي قد تم حله والتخطيط الشامل للتنمية قد انقضى وقته ولم يعد واردا ولا منطقيا تأكيد سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج.
ويستشهد الغطريفي بكل ما يثبت أن النظام السياسي السائد في مصر الان أبعد ما يكون عن الليبرالية على الرغم من إدعائه المستمر بذلك ومن ذلك على سبيل المثال موقف الدستور المصري من الحقوق والحريات الأساسية والسلطات الضخمة التي منحها لرئيس الدولة وتهاونه في وضع الضمانات التي تقيد أعماله.
ثم يعرض الدكتور عصام العريان في الفصل الخامس لرؤية التيار الإسلامي لمستقبل الديمقراطية في مصر مؤكدا في البداية أن التيار الإسلامي ليس طيفا وحيدا بل يضم العديد من الاتجاهات التي تتنوع مواقفها من العملية السياسية أصلا ثم من الديمقراطية كنظام سياسي أو ثقافة سياسية أو آليات في الممارسة.
وانطلاقا من ذلك يرى العريان أن موقف الإخوان المسلمين من الديمقراطية يتمثل في احترام الرأي الآخر والحق في الاختلاف واحترام التعددية في صورها كافة وبخاصة الحزبية واحترام الحريات الخاصة والعامة واحترام الأقليات والقبول بدولة الحق والقانون والقبول بقاعدة الأغلبية في اتخاذ القرارات.
ولم تخل ورقة العريان من ممارسة النقد الذاتي مثلما فعلت بقية الأوراق التي قدمت في الندوة وتجلى هذا النقد في تعرضه لموقف مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا من الديمقراطية كقيم وأفكار ومن الديمقراطية كمؤسسات وآليات حيث تجلى موقف الإمام من الديمقراطية بوصفه إياها بالاستعمارية أما موقفه من آليات ومؤسسات الديمقراطية فيصفه العريان بأنه كان شديد القسوة كتحفظه على فكرة الحزبية حين اعتبر أن الأحزاب ضد وحدة الأمة ويؤكد العريان أن هذا الرأي لم يعد حاكما لموقف الإخوان من هذه القضية مشيرا إلى مراجعة الإخوان ذلك الرأي عام 1994 في وثيقة شهيرة أقرت بالتعددية الحزبية.
وقد اعترف العريان بأن الخطأ الأكبر للإخوان بعد وفاة البنا كان اليأس من إصلاح الأوضاع سلميا ودستوريا عبر القنوات القانونية والقبول بفكرة الضباط الأحرار للانقلاب على الأوضاع بغية الإصلاح الشامل والمشاركة فيها وحمايتها مدنيا وشعبيا ولكن العريان يعود ليوضح أن الإخوان لا يقبلون الديمقراطية على علاتها كما نشأت وترعرعت في الغرب ذي الجذور الحضارية اليهودية المسيحية مؤكدا أن هناك تحفظ للإخوان على الأسس والأفكار الديمقراطية كما على الممارسات والآليات محددا الهدف من هذه التحفظات في تحسين الفكرة ودمجها في إطار الثقافة الإسلامية وكذلك إضافة آليات جديدة تقرب الديمقراطية من الفكرة الرئيسية في الإسلام حول الشورى.
وفي تعقيب على ورقة العريان راح جورج إسحاق المنسق العام لحركة كفاية يشير إلى أن هناك تحولا خطيرا في خطاب الإخوان لكنه يتساءل عن الضمانات الكفيلة بأن يتحول هذا الخطاب إلى فعل لأن الكلام على حد قوله قد يكون شيئا والفعل شيئا آخر تمام وبالتالي يؤكد على أن أهم ما يجب أن يقدمه الإخوان هو الضمانات التي تزيل مخاوف أي جماعة أو قوة سياسية من حكم الإخوان.
أما الانتقاد الأشد قسوة لموقف الإخوان فقد جاء من حسين عبد الرازق الامين العام لحزب التجمع الذي قال أن المبادرة التي طرحها الإخوان تشي بأنهم يريدون، حسبما يرى، أن يفرضوا مرجعيتهم التي هي فهمهم للدين الإسلامي على المجتمع وهو ما يراه يتناقض مع حرية كل حزب وكل تيار سياسي في اختيار مرجعيته مؤكدا أن فرض رؤيتهم للإسلام على المجتمع ككل أمر غير مقبول.
*الكتاب:نحو رؤية وطنية
لتعزيز الديمقراطية في مصر
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007
*الصفحات:390 صفحة من القطع الكبير
مصطفى عبد الرازق
