يستعرض الدكتور أديب صعب في كتابه هموم حضارية النقد الثقافي والحضاري في مجموعة دراسات ومقالات مترابطة، على تنوعها في حقول رئيسية من الاجتماعيات والإنسانيات، وتدور فصوله حول المجتمع والدولة، السياسة ونظام الحكم، الثقافة والنهضة، التنوع والوحدة، وعلى صناع بارزين و مصلحين للنهضة والثقافة والسياسة ونظام الحكم والمجتمع في لبنان والعالم العربي.

أديب صعب هو فيلسوف لبناني، وأستاذ مادة الفلسفة لثلاثة عقود في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي الذي انبثقت منه جامعة بلمند. صدر له رباعية في فلسفة الدين، وكتاب «الدين والمجتمع»، «الأديان الحية»، «وحدة في التنوع»، «المقدمة في فلسفة الدين». تطرق المؤلف في القسم الأول من دراسته إلى أنواع التعدد وأنواع الوحدة في المجتمعات العربية ومنها لبنان، مقترحا معنى جديدا للتعددية يبدو معه كل مجتمع تعدديا وإن كان كل أفراده من عرق واحد أو من دين واحد أو من مذهب واحد. ويرى الباحث بأن التعددية لا يجوز أن تبقى منفلتة من كل نظام، لأنها تؤدي إلى هشاشة يغدو معها الجسم الاجتماعي أشبه ببيت من زجاج يسهل اختراقه، كما هو الحال بالنسبة للبنان الذي بات كيانه الاجتماعي «زجاجيا» آتيا من التعددية الاجتماعية المطلقة التي لا يربط بين عناصرها رابط، ووقوف الدولة بمثابة مرآة تعكس هذه التعددية على نحو فوضوي بدل أن تكون أداة توحيد.

ويؤكد صعب على أن الحل الوحيد لتحصين لبنان هو تحويله من بيت متهافت إلى بيت متماسك أي أن تكون الدولة وحدة ضمن التنوع أو وحدة في التعدد، لتحل هذه الوحدة مكان التعددية المطلقة من ناحية والتي ميزت النظام السياسي اللبناني، والوحدة التعسفية من ناحية أخرى والتي ميزت الأنظمة العربية خارج لبنان.

وفي السياق نفسه يعتبر الكاتب بأن التعدد الديني والمذهبي هو واقع مجتمعات كثيرة جدا حول العالم، فهناك تعدد إسلامي ـ مسيحي في بلدان عربية وأفريقية، وتعدد بوذي ـ مسيحي في بعض بلدان جنوب آسيا، وتعدد هندوسي ـ سيخي ـ إسلامي ـ مسيحي في شبه القارة الهندية، فعلى غرار التعدد العرقي طالما أدى التعدد الديني أو المذهبي في المجتمع الواحد إلى حروب أهلية كانت من أعنف الحروب في تاريخ الجنس البشري، والصراعات الدموية التي نشأت بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا وألمانيا خلال (ق 16 و17).

واعتبر صعب بأن نموذج الوحدة القومية بما يخص لبنان هو إبقاء الدعاوى الحضارية السورية والعربية واللبنانية جميعا حية، تربويا وثقافيا وإعلاميا وسياسيا واقتصاديا، وذلك بعيدا عن رفع القومية أو الأمة أو الوطن إلى مقام الألوهة بإغداق صفات عليها من نوع «الأزلية» و«الأبدية».

وفي هذا الإطار يرى الباحث بأن مفهوم المواطنة في لبنان لا يمكن أن يتعزز وسط تطلع بعض فئاته الطائفية خارج حدود بلدهم لاستلهام مواقف قد تعرقل سياسة الدولة المركزية، وإن باسم الدين أحيانا، وأن التحدي الأكبر الذي يواجه اللبنانيين اليوم هو خلق الوطن اللبناني والمواطن اللبناني، وطن يكون فيه الناس بكل أديانهم وطوائفهم ومواقفهم من الدين والإيمان والشؤون الأخيرة مواطنين متساوين أمام الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية.

وانتقل المؤلف إلى دراسة الأثر الإنجيلي والأنكلوسكسوني لدى نخبة من المفكرين العرب متناولا المؤسسات التربوية والثقافية والإنجيلية الأنكلوسكسونية والتي تفاعل معها عدد من المفكرين والمثقفين العرب أمثال قسطنطين زريق وأنطون سعادة وشارل مالك وميخائيل نعيمة، الذين اعتبرهم صعب امتدادا للنهضة العربية الحديثة، ومن كبار صناعها وعلى اختلاف اتجاهاتهم القومية أو مواقفهم حيال القومية إلا أنهم تلاقوا على تبني مفاهيم العقل والمنطق والعقلانية والتفكير النقدي الحر مع نموذج الدولة الحديثة التي تستلهم روح الأديان وجوهرها ومعناها وقيامها من غير أن تكنى باسم دين معين.

ومن جهة أخرى استعرض الكاتب تجربته الشخصية ودور الإنجيلي الأنكلوسكسوني في تكوين ثقافته العامة وعلى فلسفته الدينية، مبرزا جوانب النهضة العربية الحديثة ومن أهمها «الجمعية السورية» التي أنشأها كورنيليوس فاندايك في بيروت عام 1847، وكذا الكلية السورية الإنجيلية وهي الجامعة الأميركية حاليا.

وسلط المؤلف الضوء في أحد أبحاثه ضمن دراسته للنهضة والنهضويين على واحد من كبارهم وهو «أنطون سعادة»، الداعي للقومية السورية بمنهجية علمية دقيقة في السعي نحو الوحدة الكبرى.

وقف الباحث في القسم الثاني من بحثه أمام المؤلفات الحديثة للشخصيات النهضوية آنذاك وهم شارل ملك، خليل حاوي، وليم صعب مستعرضا رؤية كل واحد منهم ومنهاجهم الفكري في الأدب والنهضة العربية الحديثة والمسائل الفكرية.

وتطرق صعب إلى مجموعة من مقالاته الفكرية والثقافية التي كانت افتتاحيات لمجلة «الأزمنة» اللبنانية التي عرفت انتشارا واسعا بين القراء العرب، وساهم فيها نخبة من المفكرين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والاقتصاد، والشعراء والروائيين ونخبة من المبدعين والمختصين في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وتبنت المجلة قضية النهضة العربية المنشودة التي ألهبت الاندفاع لدى عدد كبير من الكتاب والمثقفين في كل العالم العربي.

ويعتبر صعب بأن النهضة هي الارتقاء بالفرد والمجتمع نحو تحقيق المثل الإنسانية العليا وأن صناعتها في مجتمع ما مهمة مشتركة بين مختلف قطاعاته الثقافية والتربوية والأهلية والإعلامية وسواها، وعلى الأخص السياسية.

ذلك أن السياسة يجب أن تتبنى وتبتكر مثلا قابلة للتنفيذ وتؤمن الظروف الملائمة لأبناء المجتمع، عبر نظام الحكم الذي تنتهجه.

وأشار الكاتب إلى أن كبار الفلاسفة الاجتماعيين والسياسيين منذ القديم قرنوا بين السياسة والأخلاق كما فعل أرسطو لأن هذين النشاطين معنيان لا بما هو كائن فحسب، بل أيضا بما يجب أو يستحب أن يكون، وهذا الواجب أو المرغوب مثال منشود يضعه الأفراد والمجتمعات سعيا إلى تحقيقه، وما محنة السياسة اليوم في بلادنا وحول العالم، إلا من عواقب فصلها عن الأخلاق والمثل والمثالية.

ويدعو المؤلف إلى ضرورة عمل جميع المؤسسات الاجتماعية على تثقيف الأفراد الذين تصل إليهم لكي يتحرك المجتمع نحو النهضة بكل ما يلازمها من مثل وقيم، وهذا هو بالضبط هدف السياسة.

ومن هنا يجمع الكاتب في دراسته بين المواضيع الثقافية والإنسانية متناولا الاجتماع والسياسة والقومية والدولة والدين والتاريخ والتربية والفلسفة والأدب والشعر والنقد، هادفا إلى رقي الإنسان الفردي والاجتماعي، حيث أن النهوض الفردي يعد شرطا للنهوض الاجتماعي، كما أن النهوض الاجتماعي في الوقت نفسه شرط للنهوض الفردي، لذلك كانت النهضة الهم المحوري الشامل من «الهموم الحضارية» التي يدرسها المؤلف في كتابه.

إذن يأتي الكتاب ضمن إطار الدراسات الثقافية أو الحضارية، ويتناول المجتمع والسياسة والأحزاب والدولة والدين والتربية والفلسفة والأدب والإعلام.

*الكتاب:هموم حضارية في الثقافة والسياسة والنهضة المنشودة

*الناشر: دار النهار للنشر

بيروت 2006

*الصفحات:237 صفحة من القطع المتوسط

ناهد رضوان