يحكي هذا الكتاب قصة من العصر الذهبي، وهي الفترة التي كانت ممتلكات مصر ومستعمراتها في أمان تام، وتحت سيطرتها الكاملة.
عندما كان الذهب يملأ الخزائن، والملوك يتزوجون من بنات أعدائهم القدامى، بدلا من مجابهتهم في معركة حربية وفي تلك اللحظة ـ عند قمة الإمبراطورية ـ وظهرت على مسرح الأحداث إحدى الشخصيات وهي (إخناتون) ذلك الملك المنشق الذي اعتبره بعضهم قديسا بينما اعتبره البعض الآخر وحشا، وكانت زوجته هي الجميلة نفرتيتي بينما يحتمل أن يكون (توت عنخ أمون) أحد أبنائه.
توت عنخ أمون هذا الرجل الذي غير تاريخ مصر القديمة، وصار أثرا بعد عين، وظن العالم والمصريون خصوصا أنه موجود ـ فقط ـ في كتب التاريخ وعلوم الآثار، فإنه في العام 1922 من القرن الماضي تغيرـ على يديه ـ وهو العائش في حقيقة الموت تاريخ علم المصريات.
حيث اكتشفت مقبرته التي يزيد عدد مكتشفاتها عن خمسة آلاف قطعة فنية واستغرق تنظيفها حوالي عشر سنوات وهي تتكون من أربع حجرات فقط، هذا الملك الصغير الذي مات دون أن يبلغ مرحلة الشباب، كانت حياته لغزا راوغ العلماء وعلى رأسهم مكتشفه هوارد كارتر.
مؤلف هذا الكتاب (الملك الذهبي.. عالم توت عنخ آمون) المهم واللافت من حيث المادة والصور المصاحبة التي تبلغ مائة وخمس وعشرين صورة وتصور مراحل حياة توت عنخ آمون الملك الذي حكم مصر عشر سنوات، عالم الآثار المعروف د. زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلى المصري للآثار والحاصل علي درجة الأستاذية في الآثار المصرية من جامعة لوس انجلوس الأميركية ويدرس حاليا بهذه الجامعة.
وكذلك بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وله العديد من المؤلفات بلغات مختلفة منها (المرأة المصرية القديمة) و(سيدة العالم القديم) و(أسرار أبو الهول) و(وادي المومياوات الذهبية) الملك توت عنخ أمون زاره الملايين في مكانه بالمتحف المصري بميدان التحرير، كما رآه ملايين أخر منذ عام 1961 حيث تاريخ أول جولة له خارجا من مصر، طائفا بلدان العالم على مدار خمسة عشر عاما.
حيث وقف آلاف الأشخاص في صفوف لساعات، لمشاهدة تلك القطع الفنية المذهلة، ومنها القناع الذهبي الذي كان يغطي رأس الملك، والتوابيت الذهبية التي كانت تضم مومياءه، بالإضافة إلى المجوهرات والعجلات الحربية، والصناديق والأواني المرمية، حيث أن كل قطعة منها أروع من الأخرى، لقد استطاع الجمال الهادئ الخاص بوجه توت عنخ أمون أن يأسر قلوب كل من رأوه، كما أن بريق وجمال مقتنياته قد أثار إعجاب العالم أجمع.
والكتاب بصوره الملونة أقرب إلى متحف إذ يضم عشرات الصور للوحات وتماثيل ملوك وملكات إضافة إلى مقتنيات عثر عليها في مقبرة توت التي يعتبرها أثريون أعظم كشف أثري في التاريخ وكانت حديث العالم حين اكتشفت في منطقة وادي الملوك بالأقصر على بعد نحو 690 كيلومترا جنوبي القاهرة في نوفمبر عام 1922 وبها أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية، ومول اللورد كارنرفون (1866 ـ 1923) عملية اكتشاف مقبرة توت عنخ امون التي قام بها هوارد كارتر (1874 ـ1939)، ويعد توت عنخ امون من آخر ملوك الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة (نحو 1567 ـ 1320 قبل الميلاد) وتوفي نحو 1352 قبل الميلاد وهو دون الثامنة عشرة بعد أن حكم مصر تسع سنوات. ولا يزال موته الغامض لغزا.
وقد تضمنت خاتمة الكتاب، ستا من مقتنيات مقبرة ـ توت عنخ أمون والتي ستكون جديدة للعديد من الأشخاص حيث أنها كانت مخبأة في بدروم المتحف المصري بالقاهرة بعد أن خرجت من مقبرة الملك.
وقد سجلت تلك القطعة على يد مكتشفها (هوارد كارتر) Howard Carter ونشرها في مجلد علمي يعرفه علماء المصريات؛ وهنا تظهر تلك القطع للمرة الأولى من خلال الصور البديعة التي التقطها لها المصور Kenneth Garrett لقد أصبح توت عنخ أمون ملكا، في السنوات الأخيرة للثروة الدينية التي أحدثها أخناتون، حيث كان مجرد طفل، عندما اعتلى عرش الأرضيين، ومات قبل أن يصل إلى ريعان شبابه.
ويمكن لتلك المجموعة التي عثر عليها في مقبرته ان تساعدنا في التعرف على حياته القصيرة، ولكنه مثلما قال كارتر مكتشف المقبرة ان (لغز حياته لا يزال يراوغنا، فقد تحركت الظلال ولكن الظلام لم ينقشع بعد) فمن أجل التعرف على حياة الملك الطفل، تجب العودة قرونا إلى الخلف، إلى عصر الملوك المحاربين العظام الذين بنوا تلك الإمبراطورية.
ويقول حواس إن مقبرة توت التي تتكون من أربع حجرات صغيرة والتي جهزت بسرعة لدفن الملك استغرق تنظيفها وتسجيل ما بها من قطع أثرية عشر سنوات. وفي الكتاب تفاصيل دقيقة للمقبرة وطبيعة محتوياتها حتى بقايا جرار للجعة رأى علماء بريطانيون بعد دراستها أن الجعة المصرية كانت تحتوي على نسبة كحول أعلى من جعة اليوم.
وقادت مصادفة سقوط شاة في شق صخري عام 1871 أحد أفراد أسرة عبد الرسول لاكتشاف ممر يضم توابيت ملكية لأبرز ملوك الامبراطورية واستمر نهبها عشر سنوات وكانت موضوعا لفيلم (المومياء) لشادي عبد السلام ثم انتقلت هذه المومياوات إلى القاهرة عبر نهر النيل. ويقول حواس إن مفتش الآثار لم يتمكن من إدخالها إلى جمرك القاهرة إذ لا يوجد بند ينص على إدخال مومياوات فدخل ملوك مصر العظماء المدينة كأسماك مملحة.
ويفسر د.حواس نجاة المقبرة من اللصوص الذين سرقوا مقابر ملكية سابقة أو تالية بأن توت مسح من صفحات التاريخ على يد خلفائه حيث تولى الحكم صبيا في مرحلة اضطراب سياسي وديني بعد فشل ثورة فرعون التوحيد أمنحتب الرابع الشهير بإخناتون الذي حكم البلاد تقريبا بين عامي 1379 و1362 قبل الميلاد وغير ديانة امون إلى ديانة اتون التي يرمز لها بقرص الشمس ونقل عاصمة الدولة إلى أخيتاتون (تل العمارنة) شمالي العاصمة التقليدية طيبة (الأقصر).
ويرجح حواس أن يكون توت عنخ امون تربى في القصر الملكي بتل العمارنة خلال حكم اخناتون وكان اسمه آنذاك (توت عنخ اتون) مشيرا إلى أنه أصبح ملكا في سن التاسعة تقريبا وأن كهنة امون بطيبة جعلوه يعيد الرب امون إلى مكانته السابقة كرب عالمي لمصر وإهمال عقيدة اتون وانتقل البلاط الملكي من العمارنة وتزوج الملك ابنة اخناتون ونفرتيتي عنخ أس أن با اتون وتغير المقطع الأخير من اسم الزوجة إلى امون.
ويضيف أن توت خطط لتشييد مقبرة ضخمة في وادي الملوك لكنه لم يملك الفرصة لإتمامها ودفن في مقبرة صغيرة محفورة في الصخر لم تكن مصممة لمكانة ملك وانتهى العمل في تلك المقبرة وزخرفتها خلال سبعين يوما هي فترة إعداد المومياء وتزيينها بنحو 143 قطعة من تمائم ومجوهرات أغلبها ذهبية لكن العديد من الأغراض الموجودة في المقبرة قد أعدت لدفنات ملكية أخرى ثم ذهبت لاستخدامه هو.
لقد توفي توت عنخ أمون في يناير من عام 1327 قبل الميلاد عن عمر لم يتجاوز الثامنة عشرة، وقد قيل أنه تم اغتياله، ولم ينجب من زوجته أي أطفال، وإن كانت زوجته قد حملت مرتين على الأقل، ولكن جنينيها قد أجهضا، أحدهما كانت طفلة وماتت في الشهر السابع من الحمل، بينما كان الجنين الآخر والذي لا يعرف نوعه قد توفي عند مولده، وتعرضت مصر لحالة من الفوضى بعد وفاة توت الذي ترك العرش بلا وريث.
فأرسلت أرملته عنخ أس أن با امون خطابا إلى ملك الحيثيين قالت فيه: لقد مات زوجي ولا يوجد لي أبناء. وهم يقولون إن لك العديد من الأبناء. فيمكن أن تعطي لي أحد أبنائك ليصبح زوجي فأنا لا أرغب في اتخاذ أحد خدامي زوجا لي فأنا أشمئز من جعله زوجي... سوف يكون زوجي ملكا على مصر.
ويفسر د.حواس نص الخطاب بأن الملكة منحت فرصة للسلام بين المملكة المصرية ومملكة الحيثيين في منطقة الأناضول وشمالي سوريا، ويضيف أن ملك الحيثيين أصيب بصدمة إذ جرت العادة أن يتزوج ملوك مصر من أميرات أجنبيات ولم يحدث من قبل أن تتزوج ملكة مصرية من أمير أجنبي.
حيث كان ذلك يجلب العار للبلاد وبعد أن تأكد لملك الحيثيين أنها جادة في الطلب أرسل أحد أبنائه لكنه لم يبلغ حدود مصر فقد مات في الطريق وربما كان ضحية حادث اغتيال أو مرض مرجحا أن يكون مصرع الأمير الحيثي بمشاركة من قائد الجيش المصري حور محب الذي أصبح حاكما.
وفي إطار حديثه عن ذهبية لتوت عنخ أمون يشير د.حواس إلى أن الهكسوس هم أول من أدخل العربات التي تجرها الخيول إلى مصر في القرن السابع عشر قبل الميلاد، لأغراض الحرب والصيد والمواكب الملكية، و كان أول النصوص المصرية القديمة الذي ذكر عربة هو لوحة الملك كامس أحد ملوك طيبة المحاربين، الذين حاربوا الهكسوس وغالبا ما كان فراعنة مصر يصورون في مناظر معارك (على سبيل المثال) على صروح المعابد مشرفين على ساحة الحرب من خلال عرباتهم.
ويذكر د. زاهي حواس أن كنوز توت عنخ أمون التي عادت إلى مصر عام 1981 من رحلتها التي ابتدأت عام 1961 أي على مدى عشرين عام لم تعد تسافر ثانية بعدما سقط تمثال (سلكت) الآلهة الخشبية المذهبة ـ في ألمانيا ـ والذي كان يحمي المقصورة التي يرقد فيها الملك توت عنخ أمون، فتدمر الكتف والرأس وانكسرت الحية الملكية التي تزين رأسها.
وكتب الصحفيون المصريون مقالات معترضين على إرسال القطع خارج مصر، واقتنع البرلمان المصري وتم إقرار عدم سفر قطع توت للخارج، ولكن استطاعت سويسرا أن تقنع مصر ثانية بعد عشرين عام من توقف الملك عن السفر، وسافرت قطع توت إلى العالم مرة أخرى.
يذكر حواس أن بعض ملوك الدولة الحديثة مازالوا مفقودين، ويمكن الكشف عنهم في أي وقت والعثور على خبيئة ملكية تكشف لغز الملوك.
ويرى د. زاهي حواس أنة لا يوجد شيء اسمه لعنة الفراعنة مشيرا إلى أن القدماء المصريين عندما نقشوا لعنات على مقابرهم أملوا فقط أن هذه الكلمات تحمي موتاهم ومعظم الناس الذين ارتبط موتهم بلعنة كانوا غرباء، وليس لهم أي علاقة بتنقيب المقابر، وشخص واحد فقط هو الذي ارتبط بالكشف ومات في ذلك الوقت، وكان هو اللورد كارنارفون، وبعد خمسة وسبعين عاما ظلت عبارة (لعنة الفراعنة) تبهر العامة ومنتجي هوليوود، والحقيقة أنه لا يوجد أي لعنات. وقد عدد زاهي حواس أغلب الذين ماتوا، مصريين وأجانب، تحت ما سمى (لعنة الفراعنة) ومنهم ثلاثة من أسرته هو.
ويطالب د.حواس في الكتاب الألمان بإعادة التمثال الشهير للملكة نفرتيتي زوجة إخناتون أو إعارته لمصر لمدة محددة ويتوقف أمام قصة خروج التمثال قائلا: إن عالم آثار ألمانيا عثر عليه عام 1912 وقامت البعثة الأثرية الألمانية بكسائه بالطين لتخفي روعته وأثناء تقسيم الآثار بالمتحف المصري لم يتمكن المسؤول من رؤية الملامح الباهرة للتمثال المصنوع من الحجر الجيري.
وينكر الألمان هذه القصة ويقولون إن التمثال خرج بطريقة مشروعة، وقد وضعت خطط لإعادة التمثال إلى مصر قبيل الحرب العالمية الثانية. ولكن طلب (الزعيم النازي) هتلر رؤية التمثال، وحينها وقع في غرام التمثال ورفض مغادرته الأراضي الألمانية.
*الكتاب:الملك الذهبي
*الناشر:الدار المصرية اللبنانية
القاهرة 2007
*الصفحات:167 صفحة من القطع الكبير
محمد الحمامصي
