الدكتور سعد الدين كليب مؤلف الكتاب شاعر وأستاذ جامعي في كلية الآداب بجامعة حلب وهو من مواليد حماه ـ سورية عام (1957)، باحث في الأدب العربي الحديث له مقالات وأبحاث منشورة في كثير من الصحف والدوريات العربية، من مؤلفاته :الشبح (1981) ـ الغناء فوق اليابس الخصيب (1984) ـ وأشهد هاك اعترافي (1993) ـ البنية الجمالية في الفكر الإسلامي (2006).

وفي كتابه الجديد « الأب جبرائيل ربّاط، بحث في الجمال والفنّ » يرى الباحث أهمية بحث الأب جبرائيل ربّاط لا تكمن في كونه الأول من الأوائل، من نوعه، في القرن العشرين فحسب، بل تكمن أيضاً في أنه يفلسف العلاقة بين الفنّ والواقع، ويحدّد مفهوم الجمال من خلال علائقه المختلفة بكلّ من الحقّ والخير، والماديّ والروحي، والطبيعي والاجتماعي والفنّي، ويتناول عدداً من الفنون مما لم يكن مألوفاً تناوله أو الحديث فيه.

كل ذلك من منظور فلسفي مثالي موضوعي، ينتمي مدرسياً وأدبياً إلى الكلاسيكية المحدَثة. ويزعم أن هذا البحث هو المسوِّغ الجمالي ـ الفلسفي لشعر الكلاسيكية العربية المحدَثة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولاسيما في تحديده لمفهوم المحاكاة وعلاقة الفن بالواقع. مما لا نجد له مثيلاً، في الدراسات النقدية العربية، في ذلك الحين، بالشكل الذي ظهر في هذا البحث.

يتألف الكتاب من مقدمة وعدة عناوين. فعن «السيرة الذاتية والثقافية » يصنّف الباحث (نجيب الياس (جبرائيل) ربّاط) (1889 - 1935) بأنه ينتمي إلى الجيل الذي شهد صدمة الحداثة، بشكلها التنويري الأول، الذي طرحه روّاد النهضة العربية الأوائل، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من خلال إعادة النظر في الواقع الاجتماعي ـ الحضاري العربي، وذلك بالمقارنة بالغرب الأوروبي.

وهو ما جعل المثاقفة مع ذلك الغرب مدخلاً أساسياً من مداخل فكر النهضة العربية، من دون أن يعني أنه المدخل الوحيد، بل من دون أن يعني انه المدخل الأول. لقد شكلّت ولاية حلب حلقة مهمة من حلقات الفكر التنويري من خلال عدد من الشخصيات الفكرية والأدبية والنقدية مثل (فرنسيس ومريانا مرّاش ـ عبد الله الزاخر ـ جبرائيل ونصر الله الدلاّل ـ عبد الرحمن الكواكبي ـ الشيخ كامل الغزّي ـ قسطاكي حمصي. .الخ ).

وقد كان لكل منهم إسهامه اللافت في التنوير. وتكفي الإشارة إلى أن المطبعة الأولى، في المنطقة العربية، هي مطبعة الزاخر، وليست المطبعة التي أدخلها (نابليون) معه إلى مصر، وأن الرواية العربية الأولى المطبوعة هي رواية « غابة الحقّ » لفرنسيس مرّاش، في عام (1865) وان أول كتاب يفضح الاستبداد وطرائقه ويوضح أسبابه هو « طبائع الاستبداد » للكواكبي في مطلع القرن العشرين، وأن أول دعوة إلى علمنة النقد الأدبي، كانت في كتاب « منهل الوُرّاد في علم الانتقاد » لقسطاكي حمصي في عام (1907). . وإذا تابعنا السنوات، فسوف نقول إن أول دراسة عربية في علم الجمال هي دراسة (جبرائيل ربّاط) في عام (1932).

إن هذه الإشارات الدّالة تؤكد أن ثمة جيلاً تنويرياً عريضاً، في ولاية (حلب)، كما في بقية (الولايات الشامية) أخذ يتطلّع الى مجتمع جديد وثقافة جديدة. في تلك الأجواء، وُلد (نجيب الياس ربّاط) في حلب عام (1889) لاحدى الأسر الحلبية التي تعمل في تجارة الغزل والنسيج، والتي بدأت بالانهيار مع بدايات القرن العشرين، فيما سُمي بـ « سفر برلك » فهاجر مَن هاجر، وافتقر مَن افتقر، ليجد (نجيب) نفسه وقد هاجر أخواه الى الاميركيتين، وبقي هو تلميذاً ينتقل من مدرسة الى اخرى.

فقد درس في مدرسة الآباء اليسوعيين الابتدائية، ثم في المدرسة المتروبوليتية لطائفة الروم الكاثوليك، ومن ثم انتقل إلى القدس ليكمل تعليمه الكنسي في المدرسة الصلاحية، وليغدو مدرّساً فيها ثم مديراً للدروس فيما بعد. غير انه لم يطل المكوث في القدس، فقد عاد إلى حلب ليرتسم كاهناً باسم « جبرائيل » في أبرشيته عام (1915).

أما عن « مقالاته التي وصلت إلينا مادةً وعنوانا » فهي تدلّ على ثقافة الرجل واهتماماته العلمية. فقد شكلّ علم الآثار وعلم الجمال والفولكلور جوانب جديدة كلّياً حينذاك، إضافة غالى اهتمامه الخاص باللغات القديمة والحديثة، فقد كان يجيد السريانية واللاتينية والفرنسية والانجليزية، فضلاً عن لغته الأمّ (العربية)، التي كان يجيدها كتابة وخطابة على نحو لافت للنظر، ولعل بحثه المعنوَن « بحث فلسفي في الجمال والصناعة » أحد الأمثلة الدالة على ذلك. ويذكر الباحث المقالات التي كتبها (الأب جبرائيل ربّاط) وهي :

1ـ أسوار حلب وأبوابها، بالفرنسية.

2ـ جولة أثرية لجمعية عاديّات حلب في معرّة النعمان، بالعربية.

3ـ اسألوا الآثار عن مجد الجدود، وهي جولة علمية في قلعة سمعان، بالعربية.

4ـ جوامع حلب : الجامع الكبير أو الجامع الأموي، بالعربية والفرنسية.

5ـ حالة الجامع الكبير الحاضرة وكتابات مختلفة في الجامع الكبير، بالعربية.

6ـ بقية جوامع حلب، بالفرنسية.

7ـ اسم وأصول مدينة حلب، بالفرنسية.

8ـ حلب ومنطقتها أمس واليوم وغداً، بالفرنسية.

9ـ وصف حلب طبقاً للأمثال الدارجة بحلب، بالعربية.

10ـ الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعرّي، بالفرنسية.

11ـ نبذة عن حياة الشيخ كامل الغزّي وأعماله، بالفرنسية.

12ـ بحث فلسفي في الجمال والصناعة، بالعربية. عن « التنظير الجمالي عند الأب جبرائيل ربّاط » يشير الباحث الى ان هذا البحث يحتوي على جملة من القضايا والمسائل الجمالية التي تشكّل موضوع علم الجمال بحوانبه المختلفة.

وقد حاول (الأب ربّاط) ان يطرح، من خلاله، رأيه في الجمال والفن والمثل الأعلى الجمالي وعلاقة الفنّ بكل من الطبيعة والنفس الإنسانية، مستفيداً ما أمكنته الاستفادة مما وقع عليه في المصادر والمراجع الغربية، الفرنسية خاصة، مراعياً في الوقت نفسه الثقافة التي ينتمي إليها، والمرحلة الاجتماعية التي يعيشها، وطبيعة الذوق الجمالي السائد آنذاك. وهو ما لحظه الباحث في ربطه بين الجمال والخير، والفن والفضيلة، وبين المثُل العليا والمجتمع. .الخ.

أما « عن الفنّ أو الصناعة الناضرة » والتي تنقسم عنده بحسب الحواس الجمالية إلى صناعة النظر وصناعة السمع وصناعة النظر والسمع معاً. أما صناعة السمع فيمثلّها نوع واحد وهو « الموسيقا وموضوعها الصوت » وهو احد الإجرام المدركة في الجمال، وصنائع النظر هي : فن التصوير وفن النحت وعلم الهندسة وعلم البناء وعلم تقطيع البساتين، أما الصناعة المشتركة فهي الأدب من فن وشعر وروايات ـ فالأول يُقال ويُسمع، والثاني يلفّ شمل الإيماء والإلقاء والألحان، فيصوّر الجمال فيه السمع والنظر.

عن « العلاقة بين الفن والطبيعة» يؤكد الباحث أن أساس العلاقة بين الفن والطبيعة عند (الأب ربّاط) هو المحاكاة، وأي خروج عن ذلك الأساس يعني وقوعاً في الكذب، ومن ثم في القبح أو الجهومة والسماجة. غير ان المحاكاة يجب ان لا تؤدي إلى النسخ والنقل. فالمخاطر من التعامل مع المحاكاة بوصفها نسخاً ونقلاً لا تقلّ أهمية عن تلك المخاطر الناجمة عن الكذب أو عدم المحاكاة. فهذه تؤدي إلى الجهومة والسماجة، وتلك إلى الابتذال والركاكة، وكلاهما قبح في قبح.

أما إذا تساءلنا عن أسباب الخطورة في المحاكاة الحرفيّة، فنجد أنها تكمن في انتقاء الموقف الذاتي الوجداني أو ضآلته، وفي تحجيم الذكاء أو النباهة، وفي انتقاء السعي إلى الكمال. وهذه كلها من شرائط الإبداع الفنّي الحقيقي. إن الفن لا يقوم إلا بعاملين متمازجين هما الطبيعة والقلب، يسند الواحد حاجته للآخر.

هو الشكل الجمالي للمحاكاة في الفنّ. وما دون ذلك هو خروج عن وظيفة الفنّ من جهة، وعن طرائقه الفنية من جهة أخرى. ويعزي الباحث ذلك إلى تحوّل الفن إلى علم، وهو مما لم يشر إليه (الأب ربّاط)، وتحوّل الجمال إلى الحق. وهذا يتناقض مع مفهوم الجمال عنده.

في « بحثه الفلسفي في الجمال والصناعة » يطرح علينا الباحث الدكتور (كليب) تساؤلات (الأب ربّاط) : ما هو الجمال وما هو الفنّ وما عسى ان تكون علاقة النسَب بين الجمال والصناعة أو الفنّ ؟ ويجيب (الأب جبرائيل ربّاط) بنفسه على هذه التساؤلات بعد ان يصل إلى نتيجة مفادها أن علائق الجمال والصناعة في ما ينتسب للمثال الذهني تقتصر على تمثيل الطبيعة وليس على نقلها، وعلى التفنن بهذا التمثيل بمقدار ما يتهيأ للقريحة الوقادة المتطايرة الشرار، في حدود ما يوافق شدة الإعجاب والتأثير في المتأمّل المتبصّر. ولكن تلك العلائق تتطرّق من المثال الذهني إلى القالب المحسوس الذي فيه يفرغ هذا المثال.

على أن القالب المحسوس من مقتضياته خاصّة حسن التعبير والانجاز، ولكل من هاتين الصفتين شروط : فحسن التعبير يُراد به مجموع الوسائل الفنية التي بها يستسلم الجمال للصانع بكل أعنّته، ويلقي إليه سائر مقاليده فيتسنى له ان يشرك غيره فيما يتناول من لذّته، وأن يذيقه جهد الطوق من نشوته على ان هذا الأمر لا يقيده بالطبع، إلا بصور خارجة وهيئة محسوسة، يبرز فيها الجمال فيها كالخطوط والصور والألوان والأصوات والتقاطيع والكلام، إلى ما سوى ذلك مما يجعل القلب مرتاحاً لما علق به من اللذة، والجبين مشرقاً متألّق الغرّة، والوجه منطلقاً فرحاً وبشراً.

ويلخص (الأب جبرائيل ربّاط) علاقة الجمال بالصناعة فيقول : لا استغناء للعمل الصناعي عن الجمال، وليس للجمال عن هذين الشرطين مذهب. فمعنى الطبيعة أن يكون العمل وإيّاها، من الوجهة التي انتقاها الصانع فجعل لها السبق والقدم، مثلين ضريبيين يتحاكيان تماماً ويتناظران، فإن الصانع لا ينوي إلا الإفصاح عنها وإبداء سرّها، فيقطع العزم على ذلك، ولا يجزم النيّة إلا على تحريك عاطفة إعجابنا بها. أما النظام فهو التئام النسبة والوحدة بتنظيم جميع الأجزاء والتوسّع فيها، وفقاً لشأوها، وما ذلك إلا لأنه ليس للعمل الصناعي من متقدم أو متأخر عن إبراز وحدة المثال الذهني، والوحدة لا تُبنى إلا بالوحدة، فالمثل بالمثل يصنع.

ولكن القالب المحسوس الذي فيه يسفر الجمال لا مسح له، بعد حسن التعبير، عن الانجاز وإتمام العمل، ومسند الانجاز الجلاء وحرمة الأخلاق الحسنة. فالانجاز هو إخراج المثال، على ما تجلّى به من قوة الابتداع وحسن التعبير، إلى ميدان العمل. ويحصل هذا الإخراج بالألوان والخطوط والصور والأصوات والتقاطيع، وغير ذلك مما يختاره الصانع بحسب فطنته ودُرْبته لانجاز ما في الذهن من الجمال والكمال.

*الكتاب:الأب جبرائيل ربّاط

بحث في الجمال والفنّ

*الناشر:دار المركز الثقافي

دمشق 2007

*الصفحات:110 صفحات من القطع المتوسط

د.وانيس باندك