«عندما يكون العمل متعة، فإن الحياة سعيدة! وإن كان العمل واجبا، فإن الحياة عبودية»، ذلك ما صرح به الكاتب الروسي للقصة القصيرة والرواية وأدب السيرة الذاتية والدراما والصحافي الكسندر مكسيموفيتش بيشكوف الشهير بلقبه مكسيم غوركي وغوركي تعني المرير. وهو من رواد الأدب الروسي ومن جيل أنطون تشيخوف ومؤسس أدب الواقع الاجتماعي الذي شوهته الشيوعية ليصبح الأدب الاشتراكي المستبد.

اعتبر مكسيم غوركي الذي ولد في 16 مارس عام 1868 في نيزني نوفغورود، أديب شعب روسيا وممثل الطبقة الدنيا التي سحقها الفقر اولا خلال حكم القيصر ومن ثم الاضطهاد والدكتاتورية لمختلف الفئات بعد الثورة البولشوفية. تجلت عظمة أدبه في كتابته عن صراع ومعاناة وآلام الطبقة الدنيا من المجتمع، التي ينتمي إليها وعايش كافة جوانبها ابتداء من طفولته وحتى أصبح كاتبا شهيرا. عاش مكيسم يتيما بعدما توفي والده بالكوليرا حينما كان مكسيم في الخامسة ووالدته بمرض السل بعد سنوات معدودة. اعتنت به جدته التي كان لها تأثير كبير على حياته فمنها استمد حبه وتعاطفه مع الفقراء ومن قصصها وحكاياها اغتنى خياله. أجبره جده القاسي على ترك الدراسة والالتحاق بالعمل قبل بلوغه العاشرة وحاول الانتحار حينما كان في التاسعة عشرة من عمره وذلك بعد وفاة جدته التي كانت أعز مخلوق عنده.

بعد نجاته من الموت، قام برحلة عبر إمبراطورية روسيا سيرا على الأقدام استمرت خمسة أعوام مارس خلالها كافة أنواع المهن وصادق كافة أنواع البشر بما فيهم اللصوص وقطاع الطرق والعمال والفلاحون والبغايا. كما جاهد دائما على حل التناقض الداخلي بين الإيمان والتشاؤم، وبين حب الحياة والنفور من وحشية عالم الإنسان.ومن خلال تجربته الثرية في الحياة بدأ بكتابة القصص القصيرة ومن ثم المسرحيات.

والعمل الذي رسخ نجاحه كأديب كان عام 1989 بعد نشره لثلاثة مجلدات من قصصه القصيرة «رسومات وقصص». كما أيد الثورة البولشوفية في بدايتها عام 1899. وفي عام 1902 عرض مسرحيته «الأعماق الدنيا» وحققت لها نجاحا كبيرا أدى إلى عرضها في كل من غرب أوروبا والولايات المتحدة.

كما عارض علنا القيصر وصادق لينين، ودخل السجن عدة مرات. تميزت كتاباته خلال الفترة من 1900 إلى 1905 بالتفاؤل،. وفي عام 1906 أرسله الحزب البولشوفي إلى الولايات المتحدة لجمع التبرعات للثورة وهناك بدأ بكتابة روايته الشهيرة «الأم» التي باتت رمزا للأدب الواقعي الاشتراكي.

عاش في المنفى الاختياري في إيطاليا ما بين 1906 و1913 وذلك لتحاشي الأجواء المتوترة التي فرضتها الثورة، إذ ساءت علاقته بالبولشوفيين بعد الحرب العالمية الأولى وبعد مضي 12 أسبوعا على قيام الثورة البولشوفية في أكتوبر 1917.

كما صرح في منشور له عام 1919 «ليس لدى لينين وتروتسكي أدنى فكرة عن الحرية وحقوق الإنسان». وبعد إصابته بالسل عاد للمنفى مجددا من 1921 إلى 1929.في عام 1934 وضع تحت الإقامة الجبرية في سكنه بموسكو وتوفي في 18 يونيو عام 1936 في ظروف غامضة. وتعد روايته الأخيرة غير المنتهية «حياة كليم سانغين» في أربعة مجلدات (1927 - 1936) من أهم أعماله الأدبية.

ورواية «بين الناس» هي الجزء الثاني من ثلاثية غوركي المستوحاة من سيرته الذاتية، التي بدأها بكتابة الجزء الأول «طفولتي» وانتهاء بالجزء الثالث «جامعاتي».

وبطل روايته الطفل اليوشا بيشكوف ، فقد والديه في سن مبكرة، وعاش في كنف جدته الحنون الطيبة الحكيمة ذات الروح الكريمة وجده المحب للمال والذي دفعه إلى فقدان آخر كوبيك ملكه.

تبدأ أحداث الجزء الثاني حينما يرسل الجد هذا حفيده الذي لم يتجاوز العشر السنوات للعمل عند إسكافي في إحدى المدن وذلك بوصاية قريبه الشاب ساشا. ويعيش القارئ صراع ومعاناة هذا الطفل الذي انتقل فجأة من طفولته في القرية وحياته الحرة في الحقول وبين أصدقائه، إلى عالم المدينة المصغر في مخزن الإسكافي ومقر سكنه مع قريبه وبقية العاملين.

كان يعمل منذ الصباح وحتى المساء ابتداء من تحضير السماور في الصباح الباكر للعاملين والطاهية إلى الوقوف طيلة ساعات عمله أمام باب المخزن جامدا بلا حراك إلى إحضار وجبة الغداء من البيت ظهرا ومن ثم تفريغ البضاعة الجديدة إلى تنظيف أرضية المحل قبل العودة إلى السكن.

وبعد مضي أشهر ولدى تسخينه الحساء احترقت يداه. ومن المستشفى عاد مع جدته إلى القرية، بعدما عافت نفسه وضاعة النفوس البشرية المحيطة به. في القرية عاش تجربة عكست شريحة جديدة من البشر، هي مزيج من الطيبة والسذاجة. ومن خلال صداقته للشابة العرجاء لودميلا بدأ يتفتح اهتمامه على عالم الكتب. ومرة أخرى يجد له جده عملا لدى عائلة أخت جدته، وذلك بهدف تعلم مهنة الرسم المعماري لدى ولديها.

وعلى الرغم من الأشغال الشاقة التي يقوم بها وتحمل الإهانات الدائمة والضرب استطاع أن يتعلم كيف ينسخ رسم مخطوطات البناء إلى جانب اختلاسه لساعات خروجه في مهام للقراءة والحصول على عالم الكتب.ومع إطلالة الربيع هرب إلى ضفة نهر الفولغا ليعمل على متن قارب كغاسل تحت إمرة طاه كريم النفس محب للكتب.

وبعد خلاف مع رئيس الخدم تم طرده ليعود إلى قرية جدته وعمل هناك على اصطياد العصافير وبيعها، حتى أعاده جده مجددا إلى بيت أقربائه. ومن خلال الكتب التي كان يحصل عليها من جارتهم الراقية .. تعرف على عوالم جديدة من خلال كتاب في الأدب الفرنسي والألماني والانجليزي.

عاد مجددا إلى النهر للعمل، وصادف المزيد من الشخصيات التي دفعته للتعمق في تأملاته عن النفس البشرية. والمقارنة بين عوالم الكتب وواقع الحياة. بعد ذلك عمل كصبي في مرسم للإيقونات ليواجه المفارقة بين عالم الرسامين ذوي المشاعر المرهفة والسأم الذي يأكل روحهم والتجار والسرقة والهرطقة. وعاد مجددا للعمل عند أقربائه ولكن كحارس لقريبه الذي بات متعهدا وكان حينها في الخامسة عشر.

وينتهي الجزء الثاني بقراره في الذهاب إلى قازان يحدوه الأمل في إيجاد وسيلة لارتشاف العلم، إذ ساهمت الكتب في تعزيز أمله بحياة أفضل له ولغيره.

رشا المالح