مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جوك مادوت جوك أستاذ علم التاريخ في جامعة لويولا ماري ماونت في الولايات المتحدة الأميركية. وكان قد ولد ونشأ وترعرع في السودان قبل أن يهاجر إلى أميركا. وبالتالي فهو يعرف البلد جيداً، نقول ذلك وبخاصة أنه أجرى بحوثاً ميدانية عديدة في معسكرات اللاجئين هناك.

في هذا الكتاب الجديد يستعرض المؤلف تاريخ السودان ومشاكله التي تشغل العالم حالياً ويقول: إن السودان بلد ضخم في مساحته وإمكانياته وتهدد شعوبه وأعراقه. كما أنه يتميز بتعدد أديانه ولغاته. ولهذا السبب فلم يستطع السودان أن يوحد نفسه حتى الآن على هوية واحدة. لكن قبل أن ندخل في تفاصيل هذه القضية الشائكة لنعطي فكرة عن تركيبة هذا البلد وجغرافيته ومعطياته الأساسية. ينبغي العلم بأن السودان هو أحد البلدان الواقعة في شمال شرق القارة الإفريقية. وهو أكبر بلدان إفريقيا مساحة إذ تبلغ مساحته مليونين وخمسمئة ألف كيلومتر مربع ونصف. وبالتالي فهو أكبر من مساحة بلد هام كفرنسا بخمس مرات. وأما عدد سكانه فيبلغ واحداً وثلاثين مليون نسمة. وهو عدد صغير جداً قياساً إلى مساحته. وتحده شمالاً كل من ليبيا ومصر، ومن الشرق البحر الأحمر واريتريا وإثيوبيا، ومن الجنوب كينيا وأوغندا وجمهورية كونغو الديمقراطية، ومن الغرب جمهورية إفريقيا الوسطى والتشاد.

واسم البلاد آتٍ من اللغة العربية: بلاد السودان، أي بلاد الناس السود أو العبيد. واللغتان الرسميتان للبلاد هما العربية والانجليزية. ولكن هناك لغات ولهجات إفريقية عديدة وبخاصة في جنوب البلاد.

ومشكلة السودان هي أنه منقسم إلى أعراق ولغات وأديان مختلفة. أو قل ان سر غناه هو تعدديته وتنوعه. فلماذا نعتبر التعددية دائماً وكأنها نقمة لا نعمة؟ في الواقع أنه مؤلف من حوالي العشرين عرقاً أو عنصراً. وأهمها العرق العربي الذي يشكل 40 بالمائة من سكان السودان.

يليه الدينكاس (12 بالمئة)، فالبيجاس (7 بالمائة)، فأعراق أخرى عديدة. والعرب المسلمون يشغلون شمال البلاد، أي ثلثي المساحة العامة للسودان، وبالتالي فهم العنصر الغالب والمهيمن تاريخياً وجغرافياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً.

أما جنوب السودان فهو ينتمي إلى عرق آخر غير عربي، أي عرق الدينكاس أساساً بالإضافة إلى أعراق أخرى. وهو مسيحي في غالبيته ولكن توجد أديان إفريقية قديمة بالإضافة إلى المسيحية.

ومن الناحية الديموغرافية نلاحظ أن عدد شمال السودان الذين ينتمون إلى العالم العربي يبلغ 23 مليون نسمة. وبالتالي فهم يشكلون غالبية سكان البلاد. أما عدد سكان الجنوب فلا يتجاوز الستة ملايين وهم ينتمون إلى العالم الإفريقي الأسود لا إلى العالم العربي.

ثم يردف المؤلف قائلاً: توجد في السودان ما لا يقل عن مئة وخمسة وعشرين لغة، ولكن غالبية السكان تعرف العربية إما كلغة أم (50 بالمئة) وإما كلغة ثانية (20 بالمئة). وهذا يعني أن سبعين بالمئة من السكان يعرفون العربية.

والعرب يتمركزون عموماً على ضفاف نهر النيل وفي منطقة العاصمة الخرطوم كما في المنطقة الحدودية المحاذية للتشاد. ويرى المؤلف أن مشكلة السودان الأساسية ليست في تنوع أعراقه ولغاته، فهذا يشكل خصوبة وغنى بالنسبة له. ولكنها تكمن في عدم اعتراف الفئة الغالبة بلغات وأديان الأعراق الأخرى وبخاصة تلك التي تسكن الجنوب.

ولهذا السبب اندلعت الحرب الأهلية في السودان منذ أربعين عاماً ولم ينطفئ أوارها إلا لاحقاً. وقد كلفت مئات الآلاف من الضحايا ومليارات الدولارات من الدمار والخراب. وكل هذا بسبب الصدام المروع الذي حصل بين الأعراق والطوائف المختلفة التي تشكل البنية الأساسية للسودان، ثم على وجه الخصوص، بسبب عدم اعتراف الفئة الغالبة بحقوق الأقليات سواء في جنوب السودان أم في غربه حيث يقع إقليم دارفور وحيث جرت مجازر مرعبة مؤخراً.

ولهذا السبب تدخلت الجماعة الدولية وهددت حكومة السودان بتطبيق عقوبات صارمة عليها إذا لم تغير سياستها القمعية هناك. وبالتالي فهناك علاقة بين العصبيات العرقية والعنف وكذلك بين العصبيات الدينية والعنف.

ثم يقول المؤلف بما معناه: إن تاريخ السودان يختلط تاريخياً بتاريخ العرب والإسلام. ولكن انجلترا لعبت أيضاً دوراً كبيراً في تشكيل الوضع الحالي المتفجر سواء في الجنوب أم في الغرب حيث يقع إقليم دارفور.

فطيلة قرون عديدة (أي من القرن السادس وحتى القرن السادس عشر) تشكلت في السودان هويتان اثنتان لا هوية واحدة: الأولى مسيحية، ثم عربية إسلامية. فقبل مجيء العرب والفتح الإسلامي كان السودان بلداً مسيحياً في أغلبيته. وقد تشكلت فيه مملكتان مسيحيتان في الماضي.

ولكن الفتح العربي لمصر عام 640م قطع هاتين المملكتين عن بقية العالم المسيحي لأن مصر نفسها لم تعد مسيحية. وعلى الرغم من ذلك فإن الحضور المسيحي استمر في جنوب السودان على مدار التاريخ. هذا في حين أنه اختفى من كل بلدان شمال إفريقيا: أي ما يعرف بالمغرب العربي الكبير. فهذه المناطق كانت أيضاً مسيحية في غالبيتها قبل وصول الإسلام.

وقد ظهرت في منطقة الوسط الشمالي أول سلطنة عربية إسلامية قوية في القرن السادس عشر. وكانت النواة الأساسية التي توحد حولها السودان لاحقاً. كانت نواة الوحدة السياسية، والاقتصادية، والثقافية للبلاد.

ولكن هذه النواة لم تكن تشمل بعد جنوب السودان الذي كان يشكل كياناً مسيحياً كاثوليكياً مستقلاً بذاته.

وفي عام 1821 غزا محمد علي السودان بجيوشه، وأدى الغزو المصري إلى توحيد السودان للمرة الأولى في تاريخه. ثم ابتدأ يفكر بغزو الجنوب وضمه إلى المناطق العربية الإسلامية.

لماذا فعلوا ذلك؟ لأن المصريين بحسب رأي المؤلف كانوا بحاجة إلى جنود أفارقة وسود من اجل فتح سوريا. وكانوا بحاجة إلى أيدٍ عاملة من أجل السخرة، أي القيام بأعمال شاقة ومرهقة وبخاصة شق القنوات المائية وبناء السدود، الخ.

وقد فرض المصريون التعريب على جنود السودان لأول مرة. ولكن هذه السياسة المركزية جداً أدت إلى حصول ردود فعل عنيفة من قبل سكان الجنوب. فتمردوا على الحكم المصري جماعياً. وهذا ما أدى إلى انسحاب المصريين.

ثم جاءت بعدئذ المرحلة التركية التي استمرت حتى عام 1885. وقد شهدت هذه المرحلة توحيد السودان في ظل حكومة أجنبية خاضعة للمصالح الغربية أكثر فأكثر.

وبعدئذ جاء دور الاستعمار الانجليزي عام 1898 وقد ورث الصراعات السابقة التي كانت مندلعة بين العرب في الشمال والأفارقة السود في الجنوب. وهو الصراع التاريخي الذي يقسم تاريخ السودان الحديث كله حتى تحقيق المصالحة مؤخراً عام 2005-2006.

وبعد وصول الانجليز أصبح السودان واقعاً تحت الهيمنة المزدوجة الانجليزية - المصرية. وقد استمر الاستعمار الانجليزي طويلاً حتى عام 1956: أي طيلة ستين سنة تقريباً. وقد اتبع سياسة حذرة تحاول عدم إثارة القلاقل بين الشمال والجنوب عن طريق فصل الطرفين عن بعضهم البعض.

ولهذا السبب كان الاستعمار الانجليزي عسكرياً بالدرجة الأولى لا استيطانياً ولا ثقافياً. وقد أدخل الانجليز إلى السودان المخترعات الحديثة كالتلغراف وسكك الحديد وسوى ذلك.

ولم يفرضوا الانجليزية على الشعب كلغة رسمية وحيدة، وإنما اعترفوا بالعربية وبالتعددية اللغوية للبلاد. وحافظوا على المدارس القرآنية التي تعلم العربية. ولكن ينبغي الاعتراف بأن الإدارة الرسمية للدولة وكذلك معظم الكوادر السودانية ما كانوا يستخدمون إلا اللغة الانجليزية.

وقد شجع الانجليز على تمتين العلاقات بين مصر وشمال السودان، الشيء الذي أدى إلى جعل السودان العربي وكأنه جزء من مصر. ولا تزال العلاقات عضوية ومصيرية بين السودان ومصر حتى الآن، وهي تشبه العلاقات الكائنة بين سوريا ولبنان.

ولكن الانجليز على عكس ما كان متوقعاً أهملوا جنوب السودان على الرغم من أنه كان مسيحياَ. وهذا دليل على أن الطائفية لم تكن تتحكم بسياساتهم الخارجية وإنما فقط المصالح المادية.

وقد ترك الانجليز نظام التعليم في أيدي البعثات التبشيرية المسيحية في معظم مناطق جنوب السودان. وكانت هذه البعثات بروتستانتية في أغلبيتها. ويقال ان هذه البعثات أدت إلى تغيير السكان لمذهبهم الكاثوليكي واعتناق المذهب البروتستانتي السائد في بريطانيا. وهذا ما أزعج الفاتيكان كثيراً.

*الكتاب: السودان

العرق والدين والعنف

*الناشر:وان ورلد بوبليكيشن

نيويورك 2007

*الصفحات : 256 صفحة من القطع الكبير

Sudan : race, religion and violence

Jok Madut Jok

Oneworld Publications New York 2007

P.256