ياسمينة رضا هي إحدى أهم الكتّاب المسرحيين الفرنسيين المعاصرين. عرفت مسرحيتها الأولى: «محادثات بعد عملية دفن» نجاحا كبيرا وجرى تقديم مسرحيتها التي تحمل عنوان «فن» على خشبات أكبر المسارح الباريسية ومسارح لندن ومسرح برودواي ومن أعمالها أيضا «رجل الصدفة» و«المسرحية الإسبانية». وقد نالت عدة جوائز.
«الفجر أو المساء أو الليل» كتابها الصادر قبل أيام وصفه الكثيرون أنه «الحدث الأدبي لما بعد العطلة الصيفية». وربما يكون كذلك من حيث الضجة الإعلامية التي أُثيرت و«ستأجج» أكثر بدون شك خلال الأسابيع القادمة.
فالمؤلفة لها شهرتها وموضوع الكتاب له راهنيته.هذا الكتاب لا علاقة له بالمسرح وإنما بالسياسة السبب بسيط وجوهري هو أنه يتعلق برئيس الجمهورية الفرنسي نيكولا ساركوزي عن حملته الانتخابية التي انتهت بفوزه وقبل كل شيء عن شخصيته. وهو حصيلة عام كامل من المراقبة «عن قرب» التي لاحقت فيها المرشح ثم الرئيس مثل ظله في جميع تحركاته ولقاءاته واجتماعاته العلنية والسرية. وسجّلت كل شيء بدقة.
بدأت قصة الكتاب عندما توجهت المؤلفة ياسمينة رضا إلى وزارة الداخلية الفرنسية لمقابلة الوزير آنذاك نيكولا ساركوزي. كان ذلك في أحد أيام شهر يونيو 2006 وقد قالت الكاتبة للوزير: «أريد أن أتبع خطاك عن قرب كي أقدّم صورة عنك». لم يتردد نيكولا ساركوزي في القبول، كما تؤكّد المؤلفة نفسه. بل تؤكد أنه قد قال لها أن ذلك «يشرّفه» مضيفا: «لا يتولاّني الشعور أنني بقبولي أقوم بمجازفة كبيرة».
ما تؤكده المؤلفة هو أنه لم يكن هناك أي شيء يقرّبها من نيكولا ساركوزي قبل الشروع بكتابها سوى «أصولهما الهنغارية ـ المجرية». فالمؤلفة مثله هي من مواليد باريس ومن أب إيراني-روسي وأم هنغارية بينما والد الرئيس ساركوزي هو الهنغاري.
وللاثنين أيضا جذور عائلية يهودية. ما عدا ذلك تعترف ياسمينة رضا أنها كانت دائما محاطة بجو سياسي يساري غالبا.ومنذ البداية تؤكّد ياسمينة رضا أنها لم تكن تريد أبدا أن تقوم بتحقيق صحفي عن رجل سياسة، وإنما أن ترسم صورة «بطلها» بكل حرية.
وكما تملي عليها أحاسيسها. وبهذا المعنى كانت تبحث لديه عن «أصداء ما يشغلها» بعيدا عن جميع «الكليشيهات» المعروفة عن ساركوزي وبعيدا أيضا عن إرادة أصحاب الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى وقرّائهم. بكل الحالات إنها تقدّم للرئيس الفرنسي صورة ذات أوجه متعددة وهو في حالات الغضب والهدوء ومواجهة الجمهور واللقاءات مع الشخصيات الأخرى وعندما يحسب بدقة وعندما يتحدث ويناقش ويماحك.
لكن لا شك أن الصورة المقدّمة في هذا الكتاب هي ذات طابع ذاتي إلى حد كبير وكما رسمتها عيون المؤلفة. وهو أيضا كتاب عن حملته الانتخابية كما لم يرسمها أحد من قبل. فهي منقولة «من الداخل»، من داخل الاجتماعات الإستراتيجية والمهرجانات الجماهيرية والأحاديث الخاصة أثناء أسفار عديدة في فرنسا وإلى الخارج. بل وكانت المؤلفة في إحدى سيارات «متابعة» الموكب الرئاسي يوم الفوز في الانتخابات.
وما هي السمات الرئيسية التي ترسمها المؤلفة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي؟
إنها تؤكد كثيرا وفي العديد من المواقع على أن لديه نوعا من «الطفولة» لكنها تركز على القول أنها بالتأكيد ليست طفولة سياسية، وإنما نوع من «العفوية» التي ربما هي التي جعلته، برأيها، يحظى بشعبية كبيرة.
ولا تتردد المؤلفة في القول أنه يتحدث مع الناس، وحتى الأكثر بساطة منهم، بلغة حقيقية. وإذا كان يأخذ مسافة ما عن محدثيه في البداية فإنه يعرف أيضا كيف يقترب منهم ولغة المخاطبة بالجمع تغدو لغة مخاطبة بالمفرد كـ «دليل على الحميمية».
ما يمكن قوله هو أن ياسمينة رضا قد رسمت صورة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ربما قد تكون الأقرب إلى الواقع الذي تعرفه حياته في مختلف اللحظات، الأكثر صفاء و«أناقة» والأكثر «فظاظة» إذا أمكن القول. هكذا تصفه المؤلفة في إحدى ساعات الغضب عند بداية الحملة الانتخابية الرئاسية وهو يقول للمحيطين به: «إذا لم يكن لديكم الوقت من أجل كتابة خطاباتي في الوقت المحدد والساعة المحددة، فإن هذا أمر سخيف.
ينبغي أن نكون الآن على المستوى المطلوب والذين لا يستطيعون مواكبة العمل فينبغي الاستغناء عنهم».وتولي مؤلفة هذا الكتاب أهمية كبيرة «استثنائية» في الكتاب «لهنري غينو»، كاتب خطابات نيكولا ساركوزي، منذ أن كان مرشحا ثم بعد أن أصبح مرشحا. وتؤكد أنه قريب جدا للرئيس، وأن الخطابات يكتبانها معا. ولا تتردد في القول أنه يستحق ـ أي غينو ـ أن يكون «بطل» كتاب يخصّه وحده.
ومن لحظات الغضب التي تصفها المؤلفة تلك التي عرفها نيكولا ساركوزي عندما كان لا يزال وزيرا للداخلية ومرشحا في طريقه لأول لقاء له مع جماهير الناخبين في أحد مدن جنوب شرق فرنسا. عندما وصل إلى محطة القطارات الباريسية التي سينطلق منها إلى وجهته وجد مجموعة من مناضلي حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، حزبه، يحملون لافتات ترحيبية وحيث هتفوا عند مروره: «ساركوزي رئيسا، ساركوزي رئيسا».
وكان تعليقه على ذلك في القطار حادا إذ قال: «من الذي كان وراء وجود أولئك الحمقى ولافتاتهم؟ إنكم عديمو الفهم. ألا يمكنني أن أبقى بسلام؟ من قام بتنظيم ذلك؟ يا إلهي، يا إلهي... هذا مؤسف جدا. وربما من الأفضل أن أكون وحدي».
ومن السمات التي تؤكد عليها ياسمينة رضا في كتابها عن نيكولا ساركوزي أنه سريع البديهة. وتنقل عنه حوارا له مع «آلان جوبيه» رئيس وزراء فرنسا الأسبق ووزير خارجيتها الذي تألّق نجمه بعد فوز ساركوزي بالرئاسة عبر توليه أكبر وزارة خاصة بالبيئة وإنما اضطر لتركها بعد فشله في الفوز بالانتخابات التشريعية بعد حوالي شهر من الانتخابات الرئاسية. وكان شيراك قد وصف آلان جوبيه بالقول: «إنه الأفضل بيننا». وكان الحوار بين ساركوزي وجوبيه حول المسرح وحياة الممثلين.
قال جوبيه: «يمكن للمرء أن يكون سعيدا في الأدوار صغيرة.
فأردف ساركوزي: «سجّلي، سجّلي ياسمينة هذا التاريخ 12 فبراير 2007، ونحن في طريق العودة من برلين قال آلان جوبيه: يمكن للمرء أن يكون سعيدا في الأدوار الصغيرة.
جوبيه: لم أقل أنا.
ساركوزي: هذا أكثر خطورة أن نتحدث باسم مجهول فهذه محاولة للتخفّي.
ابتسم جوبيه فأردف ساركوزي: «أعرف آلان منذ 32 سنة».
31 سنة فقط
يريد دائما أن يكون على حق... لا يهمني ذلك
أنا على حق
«كما قلت لكِ».
وتنقل المؤلفة أيضا حوارا آخر بينها وبين نيكولا ساركوزي يبيّن مدى طموحه. وعندما قال لها: «الحب، هو وحده الذي له قيمة». قالت: «لا أصدقك... فإذا سحبوا منك حياتك الاجتماعية سوف تهلك». فأردف قائلا: «سأهلك أكثر إذا أخذوا مني عائلتي».
فاستطردت قائلة: «لو وضعوك مع سيسيليا ـ زوجته ـ والأطفال في موبوج ـ المنطقة النائية ـ فسوف تلقي نفسك في النهر». لم يتردد عندها في القول: «سوف أصبح بعد عامين فقط ملك موبوج». إن سيسيليا ساركوزي، غائبة بصورة شبه كاملة، عن هذا الكتاب. «ذلك أنها كانت غائبة عن الحملة الانتخابية الرئاسية»، كما تقول المؤلفة.
كذلك يتم التأكيد في أكثر من مناسبة أن نيكولا ساركوزي يريد أن يكون دائما في «مركز الاهتمام». وتروي المؤلفة بعض الأحداث والوقائع غير المعروفة من الحملة الانتخابية، مثلما حدث أثناء رحلة في الطائرة برفقة السيدة ميشيل اليوت ماري، وزيرة الدفاع آنذاك ووزيرة الداخلية حاليا.
لم يكن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية ـ حزب ساركوزي ـ قد أعلن عن مرشحه «الرسمي» للانتخابات الرئاسية. تبادلت المرأتان الحديث طويلا وحدهما مما أثار «لامبالاة» ساركوزي. وتصف المؤلفة المشهد بالقول: «كان وجهه متجهّما... كان ضجرا يغوص في صفحات مجلة بيده. وفي نهاية الرحلة رأته وهو يتصفّح مجلة نسائية مغمورة». عندما وصلوا إلى المطار قال ساركوزي بصوت منخفض للمؤلفة: «هكذا ترين الفرق».
وإذا كان من المشهور عن ساركوزي حبّه للسلع الراقية فإن المؤلفة تؤكد ذلك عبر مجموعة من الوقائع «الصغيرة». فذات مرة أخذ منها صحيفة «لوفيغارو» مما كان يشير بوضوح إلى أن مقالا قد جذب انتباهه.
نقرأ: «كانت العناوين الرئيسية على الصفحة الأولى تشير إلى التراجع الانتخابي لمحمود أحمدي نجاد إلى جانب عدة عناوين فرعية أخرى من بينها خبر النشاط الانتخابي الذي يقوم به. وبعد عدة ثواني من الانتظار قال: إنها جميلة ساعة الرولكس. إذ كان يوجد في أسفل الصفحة، على اليمين، دعاية لها».
وماذا عن السياسة؟
ما تؤكده المؤلفة هو أن ساركوزي كان يكيل المديح لرئيس الوزراء الاسباني «ثاباتيرو» ويتحدث بحماس عن «توني بلير»، رئيس وزراء بريطانيا السابق وعن «رومانو برودي» رئيس الوزراء الإيطالي الحالي، وكلهم «يساريون» إلى هذه الدرجة أو تلك.
وعن شيراك؟
من الواضح أن مؤلفة الكتاب لا تريد أبدا الدخول في دهاليز السياسة وحبائكها. ولكنها تنقل بعض «اللقطات» السريعة ذات الدلالة البالغة، مثلما عرفته لحظة «آخر حديث لجاك شيراك» موجه للفرنسيين كرئيس لـ «وداعهم». تقول: «وجدت نفسي معه في أحد الصالونات الصغيرة(...). سألته إذا كان يريد أن أشاهد معه تمنيات الرئيس برفقته. لست متأكدة تماما أنه كان سيشاهدها دون سؤالي. لم يكن يعرف كيف يقوم بتشغيل التلفزيون. ونادى عدة مرات سائلا عن موعد حديث شيراك التلفزيوني.
(...)أي رد فعل تقريبا على أي شيء يقوله شيراك. لا يمكنني أن أصدق أنه لا مبالي. إنه لم يكن ينتظر، دون شك، شيئا من تلك المداخلة الأخيرة (...).
«عندما ختم الرئيس ـ شيراك ـ أنهى ساركوزي الصوت تماما ورفض أن يستمع لبقية الأخبار. كان تعليقه: تقليدي ومضى زمنه. وليس فيه أية رفعة. لو كنت بمكانه لقلت للفرنسيين خدمتكم 12 سنة وهناك مرحلة جديدة تبدأ. وبعد عدة دقائق عندما كنا نتحدث عن أشياء أخرى، قال بحماس: بنفس الوقت وجدت أنه لا تزال هناك طاقة لدى الأسد العجوز».
السر الصغير الذي تكشف عنه ياسمينة رضا هو أن ساركوزي «يعرج» قليلا.
*الكتاب:الفجر أو المساء أو الليل
*الناشر:فلاماريون ـ البان ميشيل باريس2007
*الصفحات :190 صفحة من القطع المتوسط
L'aube, le soir ou la nuit
Flammarion,Albin Michel
Yasmina Reza
Flammarion,Albin Michel
Paris 2007
P.190
