كاتب ومؤلف وعاشق لإيطاليا، عمل لسنوات مديرا للمعهد الفرنسي في مدينة نابولي، وقام بترجمة العديد من الكتب الإيطالية إلى اللغة الفرنسية. وألّف كتبا عن إيطاليا من بينها: «الرغبة الإيطالية» و«تحت شمس نابولي».
«قاموس عاشق لنابولي» هو آخر الكتب في فرنسا عن هذه المدينة الإيطالية التي كتب عنها أدباء وشعراء كبار ليس أقلّهم شأنا الشاعر الألماني الكبير «غوته» الذي قال عنها في أحد الأبيات: «هل تعرفون البلاد التي تزهر فيها أشجار الليمون»؟ وكان ستاندال صاحب رواية «الأحمر والأسود» الشهيرة قد أمضى عدة أشهر في نابولي ولم يتردد في وصفها أنها «العاصمة الوحيدة لإيطاليا». وحكى عن نابولي أيضا لامارتين وجيرار دونيرفال والكسندر دوما ومدام دوستايل وغيرهم. واليوم يأتي دور جان نويل شيفانو الذي أقام في المدينة لفترة طويلة وعرف أسرارها وخباياها وشوارعها الضيّقة، ولكن أيضا والأهم الحياة اليومية فيها. بل وعاش فيها، كما يذكر، تلك الفترات العصيبة والصعبة التي شهدت فيها المدينة هزّة أرضية مدمّرة أو شهدت فيها حربا طاحنة وتصفيات جسدية عديدة بين عصابات المافيا، والتي تشكل «الكامورا النابوليتانية» أحد جذورها الأصلية إلى جانب المافيا التي وُلدت وترعرعت في مدينة باليرمو في صقلية وانتشرت منها إلى جميع أنحاء العالم وخاصة إلى الولايات المتحدة الأميركية.
إن مؤلف هذا الكتاب يعرف نابولي جيدا بكل ما فيها ومن فيها، وهو يقدم عمله عنها من موقع المحب قبل كل شيء وبكثير من الدقة والموضوعية، والهوى أيضا إذ لا يتردد في الحديث عن «عبقرية الحياة في نابولي» ويعتبرها «حالة حضارية فريدة» في أوروبا كلها. وهي «فريدة» أيضا، كما يقدمها، بما تحتوي عليه من صفات «وهبها الله لها» تجمع بين جمال البشر وجمال الطبيعة وروعة المآكل والبعد الروحاني، بالإضافة إلى العمق التاريخي الذي يرجع إلى ثلاثة آلاف سنة.
ومن الملفت للانتباه أن «جان نويل شيفانو» لا يتحدث عن نابولي بنوع من الهوى العذري أو المتصوّف، وإنما يكتب عنها بكل أحاسيسه بل بنوع من «الشبق»، إذا جاز القول، بعد أن جعله جمال المدينة يلقي جانبا كل أسلحته. ويبدو بوضوح أنه مأخوذ بالأمكنة وبالبشر وبأسلوب الحياة رغم ما يتخلله من مظاهر عنف أحيانا. إنه يصف المدينة وكأنها أحد« الفراديس» و«مصادر الحنين الدائم».
لكن الإعجاب، بل الانبهار بالمدينة، لا يمنع مؤلف هذا الكتاب من تكريس فصل كامل للمافيات المتصارعة في المدينة «الكامورا». ويؤكد أنها جعلت من هذه المدينة الجميلة، مرتعا للجريمة وللقيام بجميع أشكال العنف والتصفيات الجسدية التي طالت المتنافسين على زعامة المجموعات المافيوزية وعلى المكاسب كما طالت أيضا ممثلي السلطة من رجال أمن وشرطة.
وخاصة من القضاة المكلفين بملفات لها علاقة بعالم الجريمة المنظمة السري. ولم يتردد مؤلف الكتاب في الاستشهاد بعدد من المقاطع المأخوذة من كتاب صدر مؤخرا في إيطاليا للمؤلف روبرتو سافيانو عن المافيات في نابولي تحديدا.
وحيث يرسم لهذه المدينة صورة «جهنمية» منافية تماما للصورة التي يقدمها شافيانو. لكن هذا ليس سوى مظهر واحد لمدينة تنم عن آلاف التناقضات، فإلى جانب الجريمة و«الخرافات» أنجبت نابولي رجالا مشاهير في ميادين العلم والفلسفة والموسيقى والسينما والمسرح... وممن لم تقتصر شهرتهم على المدينة وإنما تجاوزتها إلى أوروبا والعالم.
هذا الكتاب ـ القاموس اعتمد مؤلّفه ترتيب مواده حسب التسلسل الأبجدي فيما يخص المواضيع المتعلقة بالمدينة ولكن أيضا فيما يخص أولئك الذين كتبوا عنها والذين عاشوا فيها من مشاهير. تتعلق المادة الأولى في هذا العمل ببحيرة افيرن حرف الألف ـ الواقعة بالقرب من مدينة نابولي. وتمثل هذه البحيرة إحدى الخرافات الأسطورية السائدة لدى الإيطاليين والقائلة أن «باب الجحيم» يوجد فيها بسبب مستنقعاتها الهائلة. كما أن الشاعر فرجيل قد ذكرها في عمله الكبير «الانيادة».
أما المادّة الأخيرة فإنها تخص «زوكولا» ـ حرف » آخر حروف اللغة اللاتينية ـ وتعني هذه الكلمة بنفس الوقت الفأرة أو القبقاب أو المومس. وهذه المدلولات كلها موجودة في مدينة نابولي حيث يتعرّض المؤلف لتبدياتها وأشكال تواجدها.
وما بين البداية والختام «يتجوّل» المؤلف بين مختلف معالم مدينة نابولي وتواريخها وأعلامها. هكذا نتعرف على بعض الفلاسفة الذين عرفتهم وشعّت أفكارهم منها على العالم أجمع من أمثال القديس توما الاكويني الذي عاش في القرن الثالث عشر، وفي الفترة التي كانت تنتشر فيها مدينة الفلسفات العربية التي نهل منها هو كثيرا بل كرّس أحد مؤلفاته لنقد أفكار ونظريات ابن رشد، وحيث لا يزال كتابه أحد المراجع الأوروبية عن الفيلسوف العربي الكبير حتى الآن. وقد اشتهر توما الاكويني بمحاولته الموافقة بين الإيمان والعقل ونظريات ارسطو.
ومن الفلاسفة المشاهير الذين أنجبتهم المدينة جوردانو برونو، الذي عاش في مملكة نابولي خلال القرن السادس عشر. وقد وجّهت له السلطات الكنسية تهمة الهرطقة مما اضطره إلى الهرب من إيطاليا كي يمضي سنوات طويلة تائها في مختلف أصقاع أوروبا. وعندما عاد بعد سنوات من المنفى القسري إلى إيطاليا اعتقلته سلطات محاكم التفتيش واستغرقت محاكمته لسنوات طويلة حيث انتهت بإصدار حكم الموت بحقه فأحرقوه حيا في إحدى ساحات روما.
ويجد قارئ هذا الكتاب أيضا صفحات عديدة عن الإمبراطور الروماني كاليغولا الذي اشتهر بنزعته الدموية إلى درجة أنه تمنّى ذات يوم أن يكون لجميع رعاياه رأسا واحدة كي يقطعها بضربة سيف لا تحتاج إلى ضربة ثانية. وكان هذا الإمبراطور الدموي قد مات هو نفسه غيلة.
ولا تزال مدينة نابولي تحتفظ ببعض خرافاتها القديمة، مثل الاحتفال بعيد القديس «جانفييه»، الذي كان أحد قساوسة المدينة في القرن الخامس الميلادي.
ويشاع أنه قد حقق «معجزة» لا تزال تتكرر حتى اليوم. ذلك أن «دمه» موجود في قارورة بشكل كتلة جامدة حمراء اليوم. وتعود بصورة «دم سائل» كل سنة أثناء الاحتفالات الشعبية التي تشارك المدينة كلها بها. إن المؤلف يكرّس أكبر عدد من الصفحات لهذه المادة في «قاموسه»، لماذا؟ إنه يقول بكل بساطة: «إن للدين رائحة الكبريت في نابولي، وأنا أحب هذا كثيرا».
ويتحدث مؤلف الكتاب طويلا عن تاريخ مدينة نابولي التي تمّ النظر إليها طويلا كموقع «ينبغي تجنّبه». ويشير إلى أنه في عام 1870 كان على إيطاليا أن تختار عاصمة جديدة «رمزا لوحدتها» فوقع الاختيار على مدينة روما بعد تورينو وفلورنسة.
هكذا تفوقت روما التي كانت آنذاك مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها المائة ألف نسمة على نابولي التي كان يزيد عدد سكانها عن الستمائة ألف نسمة. إن الإجابة الوحيدة التي يجدها المؤلف تتمثل في قوله أنه أُريد تهميش بل و«إذلال» هذه المدينة ذات الإشعاع الكبير ودفعها إلى أن تكون مجرد مدينة من مدن المقاطعات.
ويتم التأكيد في نفس السياق أن إشعاع المديمة وجمالها الساحر أثارا لفترة طويلة الخوف لدى الآخرين. وقد كانت العاصمة العالمية الأولى للموسيقى عندما افتتحت أول اوبرا «سان كارلو» عام 1737 وذلك قبل دار اوبرا «سكالا» في ميلانو عام 1778 و«فينيس» في البندقية عام 1792.
وكان قد جرى تدشين أول خط حديدي في إيطاليا بين نابولي وبورتيسي وأبحر أول قارب إيطالي يعمل على المحرك التجاري في خليج نابولي. والمدينة متفوقة أيضا على صعيد الفنون والآداب وبعد أحداث «البازة» هوميرزس تجد مسرحها في نابولي. باختصار يقول المؤلف أن جزءاً كبيرا من إبداعات «الخيال الأوروبي» تجد جذورها في هذه المدينة الخلاّبة.
لكن «معجزة نابولي» تكمن قبل كل شيء بنظر مؤلف هذا الكتاب في كون أنها تملك «القلب الأوروبي الوحيد» المأهول منذ 2500 سنة بنفس السكان. وتتمتع المدينة بحيوية استثنائية، قد لا يعرف الإنسان مصدرها، لكنها تبعث في داخله الفرح.
ولا ينسى هذا العاشق لنابولي الحديث عن مطبخها ومآكلها التي يعتبرها دون أي تردد «الأفضل في إيطاليا». فهو مطبخ بسيط وصحّي يتجنب «المرق» إلى درجة كبيرة كي يعتمد على صنوف مختلفة من الأعشاب والنباتات. وهذا يشكل جزء من «الهوية الحضارية» للمدينة.
وعند الحديث عن مطبخ نابولي لا بد من التطرق ل«البيتزا»، التي تشكل أحد أطباق المدينة الشهيرة، والتي جرت «صناعتها» أولا من جبنة «الموزاريلا» المتبقية من وجبات العشاء مع قليل من الطماطم.
وبعد قراءة هذا الكتاب يفهم الإنسان ما ينقله المؤلف عن الروائي الكبير ستاندال الذي قال عندما وصل للمرّة الأولى إلى نابولي: «هذا هو أول الأهداف الكبرى في رحلتي». كما ينقل عن المركيز دو ساد قوله: «أية إثارة! وأي هذيان!» تثيره هذه المدينة.
إنها نابولي مدينة الروائع والتناقضات والمافيات والفلاسفة والخرافات والبيتزا وأشياء أخرى كثيرة جعلت المؤلف يكرّس لها قاموسه «العاشق».
*الكتاب:قاموس عاشق لنابولي
*الناشر:بلون ـ باريس 2007
*الصفحات:579 صفحة من القطع المتوسط
Dictionnaire amoureux de Naples
Jean Noël Schifano
Plon- Paris 2007
P. 579

