تعود الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي إلى عالم الكتب والمكتبات مجدداً من خلال «حصاد الأيام»، الكتاب الذي تسرد فيه وقائع الفصل الأخير من سيرة حياتها وحياة عائلتها الدافئة في بيتها في كاليفورنيا، ذلك البيت المفعم دائماً بالناس عموماً والشخصيات الأدبية على وجه الخصوص.
بالنسبة للكاتبة، فإن هذا الكتاب يفترض نموذجاً للـ «تغيير» المعاش في جو العائلات التقليدية في الثقافة الغربية. وتؤكد هذه الكاتبة، التي جعلها كتابها «منزل الأرواح»، 1982، تتربع على قمة هرم الروائيين الأميركيين اللاتينيين، انها تعيش في كنف «عائلة مركبة فيها إضافات وترقيعات وتبني أناس لا تربطهم أي صلة قربى أحياناً». لقد حدثت أمور كثيرة في كنف أسرتي وفي حياتي منذ أن توفيت باولا وبدا لي أن اللحظة قد أزفت لأروي تفاصيل تلك الأحداث قبل أن يطويها النسيان، هكذا ترى الكاتبة أحد أهم المسوغات التي دفعتها إلى الولوج إلى هذا المغامرة العائلية والشخصية التي قد تكون محفوفة بالمخاطر في حين لا شك بأنها تطلبت شيئاً من جرأة المكاشفة التي سمحت لهذه الأم العظيمة بأن تروي وجعها المتواصل على ابنتها باولا منذ خمسة عشر عاماً خلت، والتي توفيت وعمرها 28 عاماً في ظل ظروف وصفتها إيزابيل بنفسها في كتاب السجع الذي نشرته عام 1994.
هذا العمل الأدبي الجديد، الذي وجد طريقه على الفور إلى اللغات الألمانية والهولندية والإنجليزية، من بين لغات أخرى، عرى حالة من الألم اللامتناهي وهو مليء بالطرف والنوادر الشخصية التي فتحت البوابة الأولى على حميمية وأنس الكاتبة المتألقة وأسرتها المحبة. مما حذا بالمؤلفة إلى التحذير قائلة إن «حصاد الأيام عبارة عن مذكرات ذاتية للغاية، على غرار جميع المذكرات الأخرى. إنها روايتي الخاصة للأحداث، التي تتقاطع بدقة دائماً مع روايات أفراد أسرتي الآخرين، الذين يشكلون شخصيات هذا الكتاب»، مضيفة: «ابني نيكو وامرأته انفصلا عن بعضهما وتطلقا لأسباب غاية في الطرافة وأصبح لكل منهما زوج آخر، أما بالنسبة لزوجي ويلي، فلقد توفيت له ابنة بينما ولدت له حفيدة في ظل ظروف مأساوية».
مما تقدم يتبين أن «حصاد الأيام» كتاب يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية أو المذكرات الشخصية إلى حد أن هذا العمل الجديد يبدأ بمشهد يضم عائلة الليندي برمتها وهي مجتمعة لإحياء الطقس الخاص بنثر رفات ابنتها باولا ، وانطلاقاً من هناك تبدأ الكاتبة باستعراض سائر المحطات والتبدلات التي شهدتها العلاقات العائلية، في حين تؤكد أن «العائلة تعطينا الأمن والرفقة والحماية وتثير أعصابنا، لكني لا أستطيع العيش من دونها».
الليندي أعلنت، في برلين مؤخراً، أمام وسائل الإعلام الاسبانية عن ولادة هذا العمل الأدبي الاستثنائي مستغلة لحظات الترويج لرواية «إينس توأم روحي»، التي باتت طبعتها الألمانية على وشك الصدور.
الروائية التشيلية، التي تعد إحدى أكثر المؤلفات الأميركيات اللاتينيات ترجمة، احتفلت، مؤخراً، بعيد ميلادها الـ 65 وقبل أن تنسى ـ على حد قولها من منزلها الواقع في سان رفائيل في كاليفورنيا ـ قررت تكريس عام ونصف العام لإحصاء «الأموات والأشجان والأحزان والمكائد والكثير من الأفراح والنجاحات والرحلات والكتب» المعاشة في كنف عائلتها من دون باولا طوال هذه السنوات.
كما تتصدى الليندي لأكثر الأمور حساسية على غرار توضيح بعض الشكوك لابنتها. وكيف أن ما حدث لها لم يكن بسبب زوجها الحالي ويلي، الذي انفصلت عن والدها من أجله، وتتحمس الليندي لكشف النقاب لابنتها عن إحدى أكثر الشهادات التي قرأتها في إحدى الرسائل المستلمة عقب صدور «باولا» في عام 1994، إذ تروي أن ممرضة شعرت بالذنب بعد قراءة باولا، اعترفت لها بأنه «عندما دخلت باولا في غيبوبة، كانت هي تعمل في وحدة العناية المركزة في مستشفى مدريد عام 1991، حيث الإهمال الطبي وانقطاع الكهرباء، الذي أثر على آلة الأوكسجين، قد دمرا لك دماغك».
بالاستعانة بتصريحات غرامية وصرخات ألم وحكايات طريفة تنطوي على كثير من روح الدعابة، تلج مؤلفة «حصاد الأيام» في حالة عميقة من التأمل حول العلاقات الزوجية وعدم الإخلاص والخيانة والعائلة والدين في يومنا هذا. كما تصف بعض التجارب الزوجية لابنها نايكو، على سبيل المثال، التي لعل أي أم أخرى كانت لتفضل أن تبقيها في طي الكتمان.
وهي تقول بهذا الخصوص إن «التغيرات بشأن العلاقات الزوجية وعدم الإخلاص والدين مستعرضة على نحو جيد في الكتاب، لكن لا يمكن أن تنطبق إلا على عائلتي».
بالنسبة للكاتبة، فإن «العائلة العصرية مختلفة تمام الاختلاف عن العائلة التي كانت سائدة في الماضي. فإذا قارنت عائلة الأمومة في «حصاد الأيام» مع العائلة المحافظة والأبوية في «منزل الأرواح»، لوجدت أن التغيرات بادية للعيان»، مضيفة: «عائلتي الحالية تقوم على مجموعة من الأشخاص مختلفي الأعراق واللغات والديانات، والذين لا تجمعهم صلات الدم والقربى ولقد قرروا البقاء معاً لمساعدة بعضهم بعضاً والاحتفاء بالحياة».
إيزابيل الليندي تقر بأنها تشعر بأنها «مرتاحة أكثر في مضمار العمل الروائي، ففي كتاب مثل (حصاد الأيام) هناك دائماً خوف من جرح أشخاص آخرين».
لا تزال والدتي رفيقة عمري التي لا يمكن الانفصال عنها، وهي أمينة سري وحاملة همي، التي تتسلم رسائلي اليومية، وهي الدافع الذي يقف وراء الرحلات الدائمة التي تقوم بها الكاتبة بين كاليفورنيا وسانتياغو، لكن «لا تروق لها فكرة أن ترى قصة حياة العائلة معروضة على الملأ»، وتؤكد إيزابيل أن أمها «تعتقد أن الثياب الوسخة تغسل في البيت، لكنها أقرت من كل قلبها، مع ذلك، نشر حصاد الأيام».
مؤلفة «قصص ايفا لونا» و«في الحب والظلال» و«ابنة الحظ» و«زورو» عاشت في بروكسل وسويسرا مع زوجها الأول في أعقاب الانقلاب العسكري ضد الرئيس التشيلي الراحل سلفادور الليندي، الشقيق الأكبر لوالدها. كما أمضت 13 عاماً منفية في فنزويلا وقضت فترات طويلة في اسبانيا وهي تعيش منذ عام 1988 مع ويلي غوردون بالقرب من سان فرانسيسكو، على الساحل الغربي للولايات المتحدة.
وهي لا تتردد في القول: «حيث يكون زوجي وأسرتي، يكون موطني. وأنا أذهب إلى تشيلي مرات عديدة في السنة وأشعر أن لي قدم هناك وأخرى هنا، لكن الحقيقة هي أن جذوري ضاربة عميقاً في كتبي أكثر مما هي عليه في أي مكان جغرافي في العالم».
مقتطف من الرواية
كانت علاقة الحب الطويلة التي جمعتني مع ويلي هدية من السماء في السنوات الناضجة لوجودي. عندما انفصلت عن أبيك استعددت لمواصلة المسيرة وحدي، لأني اعتقدت أنه كان من المستحيل العثور على رفيق درب آخر. أنا متسلطة ومستقلة وقبلية بطبعي ولدي عمل ليس اعتياديا، إلى حد ما، يتطلب قضاء نصف وقتي وحيدة، صامتة ومتوارية عن الأنظار. قليلون هم الرجال القادرون على التعايش مع كل هذا.
لا أريد ارتكاب خطيئة التواضع الزائف، كما أني أتمتع ببعض الفضائل. كنت تقولين اني مسلية وأحب الحياة ولا أحد يمكن أن يشعر بالملل معي، لكن ذلك كان في الماضي. بعد أن رحلت نفدت مني الرغبة بأن أكون روح الحفلة. بت منطوية على نفسي، لن تتعرفي علي.
*الكتاب: حصاد الأيام
*الناشر:بلازا وجانيث
برشلونة 2007
*الصفحات:368 صفحة من القطع المتوسط
La Suma de los Dias
ednella lebazI
7002 anolecraB - senaJ y azalP
863 .P

