مؤلف كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» هو العالم الداعية «أبوالحسن علي الحسني الهندي الندوي» من المنتسبين إلى «الحسن بن علي» ووالده هو الشريف العلامة «عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي» الذي ألف كتباً كثيرة أهمها «نزهة الخاطر» في ثمانية مجلدات.
وأسرة « أبي الحسن» من أصل عربي، لا تزال تحافظ على أنسابها إلى هذا اليوم، وهي تحافظ على صلاتها بأصلها وإن كانت تتكلم الهندية وتعيش في الهند منذ قرون.
بدأ «أبو الحسن» تعلمه القرآن الكريم في البيت ثم تعلم اللغتين الأوردية والفارسية، ثم تعلم وهو في الثانية عشرة من عمره الانجليزية والعربية معاً، ثم بدأ بدراسة أمهات الكتب العربية، وعني عناية خاصة بالعكوف على «نهج البلاغة»، دلائل الإعجاز، والحماسة ثم التحق بالجامعة ليدرس اللغة العربية، ثم بدأ بدراسة الحديث والتفسير، ثم انتقل إلى دلهي، ليلتقي بالداعية الشيخ «محمد إلياس».
وكان هذا اللقاء نقطة تحول في حياة أبي الحسن لأن الشيخ «محمد إلياس» كان مرشداً شعبياً، له صلة عميقة بالجماهير عن طريق الدعوة إلى الله، بينما كان أبو الحسن مقتصراً في حياته على الدراسة والتحصيل ومن هنا أخذ «أبو الحسن» يتصل بأهل القرى، ويقوم برحلات قد تستغرق الواحدة منها شهراً كاملاً، لنشر الدعوة في قرى الهند ومدنها.
ينطلق هذا الكتاب من أن الإسلام عقيدة من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة من غير كبر وروح الثقة في غير اعتزاز، وشعور الاطمئنان في غير تواكل، وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على البشرية، وتبعة القيادة.
يبدأ الكاتب فيرسم صورة صغيرة لهذا العالم قبل أن تشرق عليه أنوار الإسلام الأولى، وكيف سيطرت عليه روح الجاهلية، فإذا فرغ من ذلك، بدأ يعرض دور الإسلام في حياة البشرية، دوره في تخليص روح البشر من الوهم والخرافة، ومن العبودية والرق ودوره في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن فوارق الطبقات، واستبداد الحكام، ودوره في بناء العالم على أسس من العفة والنظافة والحرية والتجدد ومن المعرفة واليقين والثقة والايمان.
ثم يستعرض المؤلف أسباب انحطاط المسلمين، الروحية والمادية، ويصف ما حل بالمسلمين أنفسهم عندما تخلو عن مبادئ دينهم ويرسم خط الانحدار الرهيب الذي ترتكز فيه الإنسانية في ذات الوقت الذي تفتح فيه آفاق العلم الباهرة، يرسم هذا الخط عن طريق التأمل الفاحص.
ومن خلال ما يقدمه الكاتب، يحس القارئ بمدى الحاجة البشرية الملحة إلى تغيير القيادة الإنسانية، وردها إلى الهدى الذي انبثق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية إلى المعرفة.
ولعله مما يلفت النظر تعبير المؤلف دائماً عن النكسة التي حاقت بالبشرية كلها منذ أن عجزَ المسلمون عن القيادة بكلمة الجاهلية وهو تعبير دقيق الدلالة على رؤية المؤلف للفارق بين روح الإسلام والروح المادي الذي سيطر على العالم قبله ويسيطر عليه اليوم بعد تخلي الإسلام عن القيادة «إنها الجاهلية في طبيعتها الأصلية فالجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة ولكنها طابع روحي وعقلي معين».
لقد تميز هذا الكتاب بفهم عميق لكليات الروح الإسلامية في محيطها الشامل، ومن هنا يعد نموذجاً للبحث التاريخي، فالأوروبيون يؤرخون للعالم كله من زاوية النظر الغربية متأثرين، بثقافتهم المادية وفلسفتهم، ثم وقعوا في أخطاء نتيجة إغفالهم لقيم كثيرة في هذه الحياة لا يستقيم تاريخ الحياة ولا يصح تفسير الحوادث والنتائج دونها.
والباحث المتحمس لروح القيادة العالمية لا ينسى بجوار الاستعداد الروحي، أن يلح على الاستعداد الصناعي والحربي، والتنظيم العلمي الجديد وأن يتحدث عن الاستقلال التجاري المالي، لنرى بعد ذلك نظرة شمولية لكيفية استعادة الإسلام دوره القيادي.
