في كل مناسبة تحذر منظمة اليونسكو من موت اللغات، أو اندثار منظومة ثقافية قامت من خلالها أو تواصلت الإنسانية عبرها، وكثيرا ما كانت اللغات الميتة تنتمي إلى مناطق قليلة الضوء إعلاميا، ويكاد المتابع لا يعرف موقع اللغة جغرافيا دون دليل إرشادي يشبه الخرائط يؤكد وجود لغة في هذه البقعة مهددة بالانقراض أو انقرضت فعلا.

اللغات التي تكون عرضة للانقراض هي بالدرجة الأولى لغة شفوية لا أبجدية لها وتقوم قواعدها على منظومة سماعية تنتقل من جيل لآخر عبر حركة الشفاه، لذلك يتقلص عدد الناطقين بها بفعل عوامل الهجرة أو الانزياح أمام لغات أخرى معظمها يأتي من مناطق أكثر تحضرا أو قوة، والاستعمار عبر التاريخ كان أكبر ناقل للغات بعد الأديان.

ويفترض علماء الألسنية أن في العالم اليوم سبعة آلاف لغة مسجلة رسميا لدى اليونسكو، ولكن تلك اللغات عرضة للانقراض، حيث لاحظ العلماء أن لغة على الأقل تموت كل أسبوعين، وأن التنوع اللغوي مهدد في العالم، لأن خمسين بالمئة من تلك اللغات قد تموت خلال سنوات ولن يبقى منها سوى ما سجله العلماء في مدوناتهم كإرث حضاري كبير فقدته الإنسانية.

أسباب انقراض اللغات لا يعود فقط لعدم وجود أبجدية كتابية وقواعد إملائية، بل هناك لغات تتقهقر بفعل القوة التجارية، حيث ان اللغة الإنجليزية تهدد معظم لغات العالم كونها لغة التجارة ومن خلالها يتواصل الناس مع الذين لا يجيدون لغتهم المحلية، ولأن ـ وهذا أكثر خطورة ـ يفضل أبناء ثقافات عريقة التحدث بالانجليزية أو تضمين عبارات وجمل طويلة خطابهم اليومي مشتقة من الانجليزية، يمكن للغتهم الأم أن تضعف وتتقهقر.

حولنا آلاف الأشخاص الذين يفضلون خلط عربيتهم بإنجليزية تجارية، وإجادتهم لها جاءت من حاجة تسويقية لأعمالهم وليس من قاموس شكسبير، ويوما بعد يوم يضعف التواصل باللغة العربية ويصبح الحوار مسخا مشوها لا ينتمي إلى ثقافة أو حضارة معينة.

وحولنا أيضا آلاف بل ملايين الأشخاص الذين يحذرون من انقراض لغاتهم الوطنية، وترانا يوما بعد آخر نزيد من قوة التواصل مع الآخرين بلغة مشوهة معتقدين أن ذلك هو الصحيح، وأن هذه الطريقة ستوحي للآخرين أننا أكثر ثقافة.

هل حقا نحن أكثر ثقافة!؟

hussain@albayan.ae