يقدم هذا الكتاب (كلمات لها تاريخ في اللغات الأوروبية واللغة العربية) للكاتب حازم جلهوم عرضا مهما لتاريخ مئات الكلمات الإنجليزية ذات الأصول الاشتقاقية الطريفة والممتعة، عبر رحلة مع كلمات بعضها مألوف وبعضها غير مألوف، حيث يتتبع الباحث دلالات كلمة معينة في عصور مختلفة أو في سياقات مختلفة، فيحدد هذه الدلالات ويبين الفروق الدقيقة بين كل منها، وهو بالنهاية كتاب تاريخي ومعرفي وثقافي بقدر ما هو دراسي لغوي، اعتمد مؤلفه على مصادر متعددة موثوق فيها من أهمها معجم كولنز ومعجم وبستر الموسوعي وكتب أصول الكلمات والاشتقاق المختلفة وغيرها..

وقد قدم للكتاب الذي يعد الأول لباحثه الدكتور محمد عناني الناقد والمترجم المعروف حيث أشار إلى أن أصول الكلمات مبحث شاق تكتنفه الصعوبات التاريخية وقد يفتقر إلى الأدلة العلمية الموضوعية القطعية، وكثيرا ما ينهض الحدس فيه بدور فعال.

ولذلك فكثيرا ما نجد في المعاجم الأجنبية ما ينص على التشكك والتردد، كقول صانع المعجم إنه يقال كذا أو قيل كذا، أو ربما يكون هذا، وما إلى ذلك بسبيل، فعندما دخلت اللغة العربية في عصر من العصور كلمة من الهندية، عن طريق الفهلوية أي الفارسية القديمة، تفيد مذهب تقديس النار، نسبة إلى فرع فكري زرادشتي وهي كلمة (زنده) وأصلها الهندي القديم زند zand التي تمثل جزءا من اسم الكتابات الزرادشتية المقدسة أوستاك وا زند (بالفارسية) ( zand A vestak va ) قال البعض إن لها علاقة بكلمة زند العربية، وقال البعض إنها الأصل الذي اشتقت منه كلمة زنديق التي تطلق على أتباع ذلك المذهب الديني ثم أصبحت اليوم تعني المروق عموما بل وحتى التجديف في الدين فحسب، وأنكر فريق ثالث ذلك كله.

ولكن هذا الكتاب يبتعد تماما عن مجال الظن أو حتى ما يسمى الحدس العلمي الذي لا غنى عنه في مثل هذه الدراسة، بل أقرب إلى مناهج تأمل الألفاظ ورصد أصولها.

يتكون الكتاب من مقدمة وخمسة فصول، يعالج الفصل الأول الكلمات ذات الجذور الأسطورية والتاريخية أي الكلمات التي اشتقت من أسماء آلهة وأبطال أو شخصيات وأماكن مستوحاة الأساطير الإغريقية والرومانية القديمة، مثال ذلك كلمة أكاديمية Academy: يرجع أصل هذه الكلمة إلى فلاح يوناني قديم يسمى Academos كان قد أرشد Castor وpollux عن مكان أختهما المخطوفة Helen

وكافأته الآلهة بأن رعت بستانه للأبد، وفي هذا البستان أخذ الفيلسوف اليوناني أفلاطون يعقد حلقات دروسه، فسمي البستان Academeia وأصبح معناه معهد العلم.

وفي الفصل الثاني يتناول الباحث كثيرا من الكلمات المشتقة من جذور لاتينية ويونانية حيث يكشف عن صلة قرابة بين كلمات تبدو متباعدة جدا لكن أصلها واحد مثل كلمات influence و influenza و flux .

ويتناول الفصل الرابع تاريخ الكلمات الأجنبية وبخاصة الإنجليزية التي دخلت اللغة العربية، وتم استخدامها في اللغة اليومية ولغة الكتابة ولغة العلم، ويساعد عرض تاريخ هذه الكلمات على تحديد ما إذا كان من الضروري جدا اقتراض هذه الكلمات، حيث يتضح أن هناك كلمات كثيرة جدا نظن أن ليس لها مقابل في اللغة العربية والأمر ليس كذلك بل تم نقل الكلمة بصورتها الأجنبية مع عدم وجود ضرورة ملحة لذلك .

حيث كان من الممكن ترجمة هذا التعبير لو كان المترجم أو صانع المعجم لديه دراية تامة بتاريخ وأصول الكلمة، ولديه استعداد لبذل مزيد من الجهد في محاولة وضع مقابل عربي، وهذا أمر شاق ـ كما يشير المؤلف ـ بالطبع بدلا من اللجوء إلى التعريب، وهذا أمر يسير بالطبع لأن تعريب الكلمة بمعنى كتابتها بحروف عربية مع الإبقاء على أصلها الأجنبي مثل كلمة كمبيوتر التي هي تعريب Computer .

ويضيف المؤلف: نقول إن هذا التعريب لا يتطلب جهدا يذكر مقارنة بمحاولة ترجمة هذه الكلمة الحديثة، فالترجمة أو وضع مصطلح عربي يستلزم وقتا وجهدا ودراية تامة بتاريخ أصول وجذور الكلمة الأجنبية حتى يمكن إيجاد أفضل مقابل.

أما الكلمات التي دخلت إلى اللغة الإنجليزية فيتناولها الفصل الرابع حيث يعرض تاريخ الكلمات التي قد لا يبدو مطلقا لأول وهلة أنها عربية مثل كلمة Racket أي لعبة الراكيت التي نعربها بالرغم من أنها عربية أصلا، وهذا في غاية الغرابة.

ومحور الفصل الخامس خاص بتاريخ وأصول عناصر الجدول الدوري وبعض المعادن حيث يؤكد المؤلف أن اللغة تصبح عظيمة وثرية ومؤثرة بفضل من يتحدث بها وبفضل عظمتهم وتأثيرهم وبخاصة في مجال العلم.

ويضيف: إن معظم الجدول الدوري ومعظم المعادن منسوبة إلى أعلام، فنجد بعض العناصر منسوبة إلى العالم الذي اكتشفها مثل عنصر curium المنسوب إلى العالم الفرنسي Pierre Curie وزوجته مدام كوري، والتي نسبت عنصر Polonium إلى موطنها بولندا، فلو أن من اكتشف curium كان مصريا أو عربيا لكان اسم هذا العنصر عربيا خالصا ومنسوبا إلى مكتشفه.

وكذلك عنصر Polonium سينسب إلى بلد عربي لو أن مكتشفه كان عربيا لذا يجب أن نلوم أنفسنا كعرب ولا نلوم العربية كلغة عند التصدي لقضية الألفاظ الجديدة التي ستطغى حتما على اللغة العربية في مجال المعاملات اليومية على الأقل لو لجأنا إلى التعريب Arabicization بداع وبدون داع وأهملنا الترجمة، حيث إن كمية الألفاظ الجديدة في اللغات الأجنبية وبخاصة الإنجليزية في تزايد مستمر مرتبط بتزايد واستمرار تفوق الحضارات الأخرى وبخاصة الحضارة الغربية مع جمود الحضارة العربية في العصر الحديث.

ويرى المؤلف أن عرض تاريخ الكلمات يعد مهما جدا للمترجم الذي لابد له من الإلمام بكل معاني الكلمة حديثها وقديمها حتى يكون له تصور أفضل وشامل عن دلالة الكلمة المختلفة، ومن ثم يعد الكتاب مهما لصانع المعاجم فهو مترجم في الأصل.

ويشير المؤلف إلى أنه تم اختيار الكلمات التي لم تختلف على تاريخها المعاجم والمراجع الكبرى، وأنه قد تم استبعاد أي كلمة يظهر في عرض تاريخها كلمات maybe أو perhapp

probably أو uncertain أو أي كلمة تدل على عدم اليقين التام من جذور الكلمة في المراجع الأجنبية الأصلية الموثوق بها مثل معجم وبستر الموسوعي، وبذلك يعد تاريخ هذه الكلمات موثوقا به تماما حسب المراجع المذكورة.

ويقول حازم جلهوم: في سبيل ذلك تحملنا مشقة هائلة فقد كنا نستوثق من تاريخ وأصول الكلمة الواحدة وقصة دخولها إلى اللغة من أربعة أو خمسة مصادر تجمع على نفس التفسير، وأن الكتاب يلقي الضوء على أصول الكلمات حتى يتم ترجمتها وفهمها واستخدامها بشكل صحيح وحتى لا يطغى اللفظ الدخيل المعرب على اللفظ العربي المبين وبخاصة إذا لم يكن ثمة ضرورة للدخيل كما هو الحال في مجال العلوم الإنسانية والأعمال الأدبية والفكرية.

*الكتاب:كلمات لها تاريخ في اللغات الأوروبية واللغة العربية

*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2007

*الصفحات:244 صفحة من القطع المتوسط

محمد الحمامصي