جاي وينتر، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ مادة التاريخ في جامعة «يال» الأميركية. أنجز دراساته في جامعتي كولومبيا وكامبردج قبل أن يقوم بالتعليم في العديد من الجامعات العالمية ليس أقلّها شأنا جامعتا وورويك وانديانا قبل أن يستقر كأستاذ في جامعة يال.

والمؤلف هو أحد أشهر الاختصاصيين الغربيين بالحرب العالمية الأولى، «الحرب الكبرى» كما يسمّونها، وبنتائجها على مسيرة القرن العشرين بأكملها. كما شكّلت بقية الحروب و«المجازر» التي شهدها القرن الماضي أحد مراكز اهتمامه، ومن بينها ما تعرّض له الأرمن في تركيا عام 1915. له العديد من المؤلفات من بينها: «1914 - 1918 الانقلاب الكبير»، و«الاشتراكية وتحدي الحرب» و«الحرب الكبرى والشعب البريطاني» و«ذكرى الحرب: الحرب الكبرى بين التاريخ والذاكرة في القرن العشرين».الكتاب الذي نقدمه «أحلام السلام والحرية: لحظات طوباوية في القرن العشرين» يهتم بنفس الفترة التي خصها المؤلف بالعديد من أعماله، ولكن هذه المرة من زاوية «الحرية والسلام» .

وليس انطلاقا من الحروب، كما تعوّد غالبا. إنه يهتم بتلك اللحظات «الطوباوية» التي عرفتها القارة الأوروبية وحلمت فيها بالحرية، بمواجهة مشاريع «طوباوية» هي الأخرى وإنما «مجنونة» ومدمّرة مثل تلك التي مثّلها هتلر وستالين وماوتسي تونغ، وكل منهم على طريقته.

إن المؤلف لا يهتم في هذا الكتاب ب«الطوباويين الكبار» وبما مثّلوه من أيديولوجيات وإنما يهتم بالأحرى ب«الطوباويين الصغار»، أولئك الذين بلغت أعدادهم أحيانا الآلاف والذين أرادوا أن يجعلوا العالم «أفضل». وهو يولي بالتحديد اهتمامه لخمس «لحظات» من هذا النوع عرفها القرن العشرين.

وهي معرض باريس الدولي عام 1900 ومؤتمر السلام في باريس عام 1919 والمعرض العالمي الذي نظّمته مدينة باريس عام 1937 والإعلان عن وثيقة حقوق الإنسان عام 1948 وأحداث الطلبة، أو «ثورة الطلبة» كما يقول البعض، في شهر مايو 1968 وطرح فكرة المواطنة العالمية عام 1992. في هذه الحالات كلها لعب «الأمل» دورا في تحريك التاريخ بعد لحظات من «اليأس» الكبير.

الفكرة الأساسية التي تشتمل عليها هذه «اللحظات المتفائلة» كلها يحددها المؤلف بالقول ان أولئك الذين كانوا وراء وجودها أرادوا أن يشكّلوا «الثقل المقابل» أو «الرد الإنساني» على مشاريع «الطوباويين الكبار» الذين أرادوا هم أيضا أن يغيّروا وجه العالم وصياغته حسب الصورة التي رسمتها مخيلتهم وطموحاتهم السلطوية.

لكنها كانت مشاريع «قاتلة» دفع الملايين من البشر حياتهم ثمنا لجنون أصحابها ومهما كانت الشعارات التي رفعوها والإيديولوجيات التي دعوا لها.

ولا يتردد المؤلف في أن يعتبر «الحالمين» الآخرين أو «الطوباويين الصغار» وحلمهم ب«عالم أفضل وأوفر حرية» إنما ينتمون أيضا إلى «تاريخ الفكر الطوباوي»، وليس هم فقط وإنما «طبيعة أحلامهم» نفسها تستلهم من هذا الفكر.

القاسم المشترك بين «اللحظات الطوباوية» للحالمين «الصغار» يحدده المؤلف بأنها قد حلّت كلها في سياق من الازدهار كانت أوروبا قد عرفته بعد فترات من العنف أو التوترات الاجتماعية القوية.

هكذا كانت أوروبا عام 1900، أي عندما جرى تنظيم معرض باريس الدولي، على منعطف قرن جديد وهي في حالة من التفاؤل الكبير بالمستقبل معتمدة على ما كانت قد حققته من إنجازات على قاعدة ثورتها الصناعية الكبرى بالمستقبل معتمدة على ما كانت قد حققته من إنجازات على قاعدة ثورتها الصناعية الكبرى وواقع الإمبراطوريات التي كانت قد أقامتها، أو هي بصدد إقامتها.

وجاء مؤتمر السلام في باريس عام 1919 على أعقاب الحرب العالمية الأولى، الحرب الكبرى، التي تركت أوروبا في حالة من الدمار والخراب لم تعرفها من قبل.

ومع ذلك المؤتمر انبثق شعاع من الأمل بسلام شامل وكامل يسود القارة. لكن الشروط التي فرضها المنتصرون على ألمانيا المهزومة و«إرادة إذلالها» خرّبت عمليا تلك اللحظة ولم تفتح أفق سلام حقيقي وإنما فتحت أفق حرب قادمة حضّر لها وأعلنها أدولف هتلر ليدفع هو نفسه حياته ثمنا للمغامرة التي أطلقها، وإنما لتدفع أوروبا والعالم كله الثمن الأغلى.

وقبل قيام الحرب العالمية الثانية بعامين فقط وتحديدا في شهر مايو من عام 1937 قام رئيس الجمهورية الفرنسي آنذاك ألبير لوبران بتدشين معرض عالمي في باريس للاحتفال ب«فنون وتقنيات الزمن الراهن».

كانت لحظة تفاؤل كبرى بدا فيها العالم وكأنه يحضر ل«عالم أفضل» وليس لحرب مدمّرة، إذ اشترك 52 بلدا في المعرض وتم فيه توزيع 2293 جائزة و9565 ميدالية وزاره ما يزيد على 31 مليون شخص.

وعرف ذلك المعرض تنظيم مسابقة دولية للتأليف الموسيقي الديني مع جائزة قدرها عشرة آلاف فرنك فرنسي، وكان مبلغا كبيرا جدا آنذاك. اختتم رئيس الجمهورية الفرنسي نفسه المعرض بتاريخ 25 نوفمبر من نفس السنة بلهجة «متفائلة جدا» والوعد بتعزيز مسيرة السلام والحرية في العالم، بينما كان هتلر يحضر مشروع «تغييره».

أما اللحظة الطوباوية التي عرفت الإعلان عن «الميثاق العالمي لحقوق الإنسان» يوم 10 ديسمبر من عام 1948 والذي وقّعت عليه 58 دولة - الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة آنذاك، فقد جاءت، أي «اللحظة»، في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وذلك للإشارة إلى «طي صفحة الحرب» مرة واحدة وإلى الأبد والتبشير بعالم جديد «أفضل». وينقل المؤلف من مقدمة ذلك الميثاق تأكيد أن «الجمعية العالمية تعلن الميثاق الحالي لحقوق الإنسان كهدف مشترك تسعى جميع الشعوب والأمم لبلوغه».

ولكن بعد أن جرى الاعتماد على عدة مبررات ليس أقلها القول: «نظرا إلى أن الاعتراف ب«كرامة» جميع البشر وب«تساويهم في الحقوق» يمثل «أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم»، ونظرا إلى أن «عدم الاعتراف» بهذه الحقوق و«احتقارها» كان مصدر «الأعمال البربرية» التي يستنكرها «الضمير الإنساني»، و«نظرا» و«نظرا»... إلى العديد من الأطروحات ذات الطابع «الإنساني» والداعي ل«الحرية والسلام».

في المحصلة يرى المؤلف أن هذا الحلم «الطوباوي الجميل» الذي جاء في لحظة «تفاؤل» كبرى أظهر الواقع «مداه» المتواضع. لكن هذا لا يمنع أيضا واقع أنه يمثل «لحظة» مفصلية في تاريخ تطور العلاقات الإنسانية.

وفي الصفحات المكرّسة لدراسة أحداث الطلبة، أو «ثورة الطلبة» كما شاعت التسمية، فإن المؤلف يرى بها أيضا لحظة نزوع «طوباوي» نحو الحرية والتحلل من جميع القيود التي تحد من هذه الحرية. إنها تمثل «وقائع اتهام وتمرّدا أخلاقيا» لدى الطلبة الذين كانوا الشرارة الأولى في حركة تجاوزتهم كثيرا كي تضم إليها بسرعة جماهير العمال والشعب.

ولا يتردد المؤلف في أن يرى بأحداث الطلبة في شهر مايو 1968 حركة ذات طابع أشمل وأعمّ من فرنسا، إذ انها تجاوزت حدودها وأخذت طابعا أوروبيا بل عالميا وكان لها آثارها على المسارات الاجتماعية في مختلف البلدان الديمقراطية خاصة.

بل شكّلت منعطفا من حيث تأكيدها على «تحرير» الفرد من مختلف قوانين «الجماعة» المتكدّسة عبر التاريخ. لكن هذه «اللحظة»، رغم أهميتها، لم تكن سوى مجرد «حلم طوباوي» جرى استيعابه، واستيعاب ممثليه أيضا، في إطار الآليات السائدة لعمل المجتمعات المعنية. ولم يستطع بالتالي أن «يغيّر العالم» كما كان مشروعه. بكل الحالات لم يترتب عليه ضحايا ولا تزال آثاره بادية، بأكثر من صيغة، في العديد من السلوكيات.

أخيرا، وفي سياق انهيار الاستقطاب الثنائي الدولي للعالم بين معسكرين غربي وشرقي، ورأسمالي واشتراكي، الذي ساد العالم وعلاقاته خلال عقود طويلة، سادت لدى العديد من المفكرين في الغرب مقولة الانتصار النهائي للمعسكر الرأسمالي وتحوّل العالم إلى «قرية كونية صغيرة».

في مثل هذا السياق برزت أفكار ورؤى تمحورت كلها حول مقولة «المواطنة الكونية»، أي أن يصبح العالم كله «وطنا» واحدا لجميع أبنائه وفي ظل قانون «كوني» وحكومة «كونية».

بالطبع يشير المؤلف في هذا الإطار إلى مقولة «نهاية التاريخ» التي طرحها المفكر الأميركي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما. هذا الحلم «الطوباوي» الصغير الذي عبأ حوله الكثير من الأصوات مثل «لحظة أخيرة في «الفكر الطوباوي» خلال القرن العشرين. ومرة أخرى أظهر الواقع أن «التاريخ لم ينته» وأن الواقع أقوى من كل «الطوباويات».

وفي المحصلة النهائية يرى المؤلف أن اللحظات «الطوباوية» لأحلام الحرية والسلام في القرن العشرين قد تسمح بأمل أن يكون المستقبل أقل كوارثا من الماضي، وبمقدار ما تصبح «يوتوبيا» الحرية والسلام فاعلة.

*الكتاب:أحلام السلام والحرية

لحظات طوباوية في القرن العشرين

*الناشر: جامعة يال 2006

*الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط

Dreams of peace and freedom

utopian moments in the twentieth century

Jay Winter

Yale University Press 2006

p.27